أدب

قراءة في كتاب: “على مفارق الزّمن” للكاتبة: نوال حلّاق مصالحة، 2023

بقلم: رفيقة عثمان

صدر حديثًا عن دار سهيل عيساوي للطّباعة والنّشر- كفر مندا فلسطين كتاب بعنوان: “على مفارق الزّمن” (تجربتي بالعمل في بيت المسّنين- دبّوريّة)، من تأليف الأخصّائيّة الاجتماعيّة – الكاتبة نوال حلّاق مصالحة. احتوى الكتاب على مئة وتسع وثلاثين صفحة من القطع المتوسّط، قسّمت الكاتبة نصوص الكتاب إلى واحد وخمسين عنوانًا مختلفًا.


أبرزت صورة الغلاف ثلاثة كفوف نسائيّة، فوق بعضها البعض، هذه الصّورة لها دلالات ورموز تشير للتّضامن والتّآلف ، والكف العليا ترمز لكف الأخصّائيّة الاجتماعيّة، ترمز للعطاء والسّخاء، والاحتواء والمؤازرة والتّآلف؛ ويدها ممتدّة؛ لتضم وتحتوي الجميع.
لم يُذكر اسم مصمّم الغلاف. ابتدأت الكاتبة سيرتها بمقولة هامّة لِ مايا أنجلو “ليس ثمّة شيء أكثر إيلامًا من قصّة مدفونة في صدرك ولم تُروَ”. برأيي وراء كل قصّة تُروى عبرة، بقصد أو بغير قصد، فهي تساهم في إضاءة الطّريق للآخرين، عند عبور النّفق المُظلم؛ أؤيّد وبشدّة رواية الأحداث الواقعيّة، والمثيرة للإهتمام، وسردها بلغة يفهمها الآخرون بسهولة.
إنّ اختيار الكاتبة لعنوان “على مفارق الزّمن” اختيار مُوفّق، ومشوّق لقراءة محتويات الكتاب.
الترتيب الفنّي للمحتويات بحاجة، لتنسيق أفضل بما يتناسب التسلسل الزّمني مثلًا: من المفضّل وضع عنوان طريقة الدّخول لبيت المسّن من صفحة 120، كذلك صفحة 68 ووضعهم بأوّل الفصل وليس بنهاية الكتاب.
بعد قراءتي لهذا الكتاب، من الممكن تصنيفه تحت المُسمّى الأدبي “السّيرة الذّاتيّة”؛ حيث اهتمّت الكاتبة بسرد عُصارة تجاربها العلميّة والعمليّة، الّتي خاضتها في مجال رعاية المسّنين، خلال ثلاثين عامًا من العمل المتواصل والشّاق.
من خلال سرد التّجربة الذّاتيّة للكاتبة، لاحظت الأهميّة الكبرى في رصد هذه الخبرة المتميّزة، بمصداقيّتها وثرائها بالمعلومات والتّجارب الخاصّة.


ليس من السّهل حصر خبرة وتجارب خاضتها الكاتبة خلال ثلاثين عامًا من العمل، لا شك بأنّ الكاتبة عبّرت عن الخبرات الهامّة؛ والمحفورة في عقلها ووجدانها، فكانت لها الأثر الكبير في المساعدة بتقبّل الانتساب لمؤسّسة المسّنّين، والمساهمة في تحسين ظّروف حياة النّزلاء المسّنين في “مركز المسّنّين في قرية دبّورية”. اعتمدت الكاتبة على نفسها في تطوير رعاية المسّنّين، كما ورد صفحة 19 “لقد اعتمدت على نفسي بتطوير مهاراتي ومعرفتي المتعلّقة برعاية المسّنّين”.
انعكست شخصيّة الكاتبة من خلال صفحات النّصوص، وسرد طريقة عملها مع بعض الحالات المستعصية لبعض النّزيلات والنّزلاء داخل مركز المُسنّين؛ حيث لا يشعر القارئ بهدف الكاتبة بإبراز شخصيتها الذّاتيّة، بل يُدرك القارئ شدّة الطّاقة النّفسيّة القويّة الكامنة في نفسها، والّتي تحلّت بها الأخصّائيّة الإجتماعيّة نوال؛ ويدرك مدى رعايتها الإنسانيّة والحسّاسة لكل نزيل ونزيلة، دون تمييز يُذكر. كما ذكرت في نهاية الكتاب قائلةً: “علينا أن نتذكّر دائمًا أنّنا أصحاب رسالة إنسانيّة وعلينا موازنة الأمور ويبقى عملنا مع الإنسان، الإنسان الّذي يحتاج للدّعم، والمساندة، والاهتمام، والكلمة الطيّبة، والصّبر”. صفحة 138.
ظهرت المشاعر الصّادقة والقويّة للكاتبة، من خلال التّعاطف، والاستماع، والتفهّم لمؤازرة النّزلاء، بالإضافة بالتّحلّي في النظرة الشّموليّة والتّفكير في حل المشاكل المستعصية؛ حيث برزت من خلال النّصوص الّتي وصفت فيها بعض الحوادث المؤثّرة، والّتي أضفت تأثيرًا أيجابيًّا على السّرد؛ ممّا أضفت عنصر التّشويق في القراءة، والتّعاطف مع الأحداث الحقيقيّة، خاصّةً عندما ذكرت الكاتبة حول مساعدتها الاستثنائيّة في حدثين هامّين، ونجحت في تحقيقهما مثل: المساهمة في الحصول على إذن من سلطة السّجون؛ لزيارة والدين مسنيين لابنهما المسجون مؤبّدًا، واحتضان ابنهما عن قرب، وليس عن طريق الحاجز الزّجاجي كما اعتادا.
بينما الحدث الثّاني الّذي ساعدت فيه الأخصّائيّة الاجتماعية نوال (الكاتبة) في الحصول على إعفاء من الدّفع لمسنّة، عانت من ظروف قاسية، وتحويل دفع مخصصّات الشيخوخة لابنتها الوحيدة مع ابنتها، وكما ساعدت الإبنة في تأهيلها مهنيًّا. هذان الحدثان يشيران إلى مدى الاهتمام بالنّزلاء وعائلاتهم، ومراعاة ظروفهم المعيشيّة القاسيّة، والمُثابرة، والمغامرة في تخطّي الحواجز إلى أبعد مدى للوصول إلى الهدف المنشود. نلاحظ بأنّ شعار الكاتبة الأخصّائيّة نوال هو “الحدود هي السّماء”.
ذكرت الكاتبة نصوصًا مختلفة حول الفُقدان، وما له من تأثيرات قويّة على حياتها الشّخصيّة، وقدرتها على التّعامل مع هذا الموضوع الحسّاس؛ كما ذكرت ص 25 ” النّزيل الأوَل: أوّل المُتوّفّين في بيت المسّنين، أذكر جيّدًا كم بكينا أنا وزملائي على فراقه وكأنّنا فقدنا قريبًا عزيزًا؛ كما شاركنا العائلة مراسم الجنازة، وجهّزنا له إكليلًا من الزّهور صُنع أيادينا.”. ” كنت وما زلت مهتمّة بتنظيم زيارة لعائلة الفقيد مع بعض أفراد الطّاقم، وتقديم التّعازي ومواساة العائلة”. كذلك ذكرت الكاتبة حول حالة نزيل آخر ليس لديه عائلة، عندما وافته المنيّة، نظّم له طاقم بيت المسنّين جنازة تليق به، ودُفن في مقبرة البلدة دبّورية.
في كلتا الحالتين تحلّى المركز بمواقف إنسانيّة وضمير مهنيّ لا مثيل لهما. “اعتراني الذّعر عندما أخبرني الممرّض المسؤول عن وجود ثلّاجة للموتى في الطّابق السّفلي للمبنى، لكنني مع الوقت أدركت أنّ الموت والفُقدان يُعدّان من الأمور الهاّمّة الّتي نتعامل معها في عالم الشّيخوخة.” صفحة 16.
لم تخلُ السّيرة الذّاتية للكاتبة من حس الفكاهة، لعرض بعض الأحداث الفكاهيّة، عندما بدأت عملها بزيارات لبيوت النّزلاء المسّنين تطوّعًا بالشّتاء والمشي بالوحل، حيث اقترح عليها مدير المؤسّسة “سوف نزوّدك بجزمة طويلة لتقيكِ من البلل والطّين. فما كان منّي أن سمعت ذلك إلّا أن دخلت في نوبة من الضّحك، وأنا أتخيّل نفسي مع جزمة طويلة كعمّال البناء في يوم صبّة” صفحة 50.
امتازت لغة السّرد باللّغة الفصحى، وتُعتبر لغةً تقريريّة، فهي سهلة جدًّا، تكاد تخلو من المُحسّنات البديعيّة.
عبّرت الكاتبة عن سيرتها الذّاتيّة بضمير الأنا نظرًا لسرد الكاتبة عن خبراتها السّابقة، منذ بداية عملها ولغاية هذا الزّمن. هذا الاستخدام أضاف مصداقيّة وتشويقًا للأحداث المرويّة، كذلك يُعتبر الكتاب سيرة غيريّة أيضًا، من خلال السرد الذاتي عرّفتنا الكاتبة على فئة حياة المُسنّين، والّتي كانت مهمّشة إلى حدِّ ما؛ خاصّةً في المجتمع العربي في قرى فلسطين التّاريخيّة؛ في مجتمع تعرّض للتّغييرات الدّائمة خلال تلك السّنوات. عاصرت كاتبتنا هذه التغييرات، مع مراعاة العادات والتّقاليد الخّاصّة بالنّزلاء المسّنّين، والتّكيّف معها بحكمة وشفافية.
من وجهة نظري؛ أجد بأنّ السّيرة الذّاتيّة للكاتبة نوال الأخصّائيّة الاجتماعيّة، تُمثّل مدرسة شاملة في العلوم الاكاديميّة، والخبرات التطبيقيّة العمليّة وإكساب الصّفات الإنسانيّة، وقدرة التحمّل والاحتواء، بالإضافة للضمير المهني؛ لإنجاح العمل مع فئة الجيل الذّهبي – المسّنّين، والواهنين عقليًّا.
هذه الخبرات، ستكون عونًا ومصدرًا للعاملين في هذا المجال، وكذلك يساهم في تعريف المواطنين حول هذه المؤسّسة وخدماتها؛ من حقوق وطرق التّعامل مع أهالي المسّنين، والموظّفين العاملين معهم، خاصّةً في المجتمع العربي في “الدّاخل الفلسطيني” كان موضوع الشّيخوخة في ذلك الحين موضوعًا مُهمّشًا، ولم يلقَ الاهتمام الكافي من قِبل المؤسّسات عامّةً، بما في ذلك المؤسّسات الأكاديميّة” ص 23.
خلاصة القول: توفّرت عناصر الزّمن والمكان، واللّغة، والأحداث الواقعيّة، والعاطفة في هذا الكتاب؛ لذا أقدّم وصيتي في هذه القراء: أوّلًا توفير كتاب “على مفارق الزّمن” للعاملين الجدد مع المُسّنّين؛ ولأهالي النّزلاء، والمحيطين بهم. كذلك أوصي بتوفيره في المدارس العربيّة المختلفة؛ لضرورة إكساب الوعي حول التّعامل مع فئة الجيل الذّهبي في مجتمعنا العربي، وربط العلاقات في التّجسير بين الأجيال، والاهتمام بالمسّنين.
من الجميل ترجمة هذه السّيرة الغنيّة، للغات أجنبيّة مختلفة أخرى.
اقترح على الكاتبة، في الاستمرار بكتابة الجزء الثّاني للسّيرة الذّاتيّة، والاستمرار إبتداءًا من الفكرة الّتي توقّفت الكاتبة عندها؛ في السّرد حول تكيّف مركز المسّنّين في زمن الكورونا.
كل الاحترام والتّقدير لدعم عائلة الكاتبة لها، في إصدار هذه السّيرة الذّاتيّة الغنيّة، وبالأخص ابنتها سيرين وزوجها غانم؛ هذه المؤازرة وفّرت وتزوّدت الكاتبة بالطّاقة النّفسيّة، والاستشارة أثناء الكتابة. كلاهما مثّلا الدّعم والدّافع وراء إصدار هذا الكتاب القيّم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى