حكايا من القرايا “ من وحي عيد الأضحى “

عمر عبد الرحمن نمر | فلسطين

يسمونه العيد الكبير، وعيد رمضان العيد الصغير؛ يتميز الصغير بكعكه ومعموله، بينما يتميز الكبير بأضاحيه ولحومه.
الأطفال، الأولاد والبنات، يترقبون العيد، ينتظرونه، لا يكادون ينامون ليلة العيد، يزداد فرحهم وهم يستمعون لتكبيراته بعد كل أذان يوم عرفة، يضعون ثيابهم تحت الوسادة التي ينامون عليها، حتى يكوون (مواعينهم)، بينما تنتظر الأحذية الملمّعة قرب الوسائد. إنهم يرسمون لوحة للفرح.
يوم عرفة تجتمع النساء في حلقات على كوانين الفحم المشتعل، وأمامهن السدور النحاسية يطبعن الكلاج، يأخذن العجينة شبه النيئة من اللجن، ويطزعن بها السدر الحامي بسرعة طبعات متقاربة، سرعان ما تستوي وتجفّ لرقّتها، وتصبح رغيفاً رقيقاً كورقة سجاير الشام، وفي ثنايا عملية الخبيز تنطلق التراويد والمهاهاة والزغاريد، وهذه هي المحطة الأولى في صناعة الكلاج اللذيذ.
يخرج الرجال إلى صلاة العيد، يذهبون في طريق لكي يعودوا في غيرها، بعد الصلاة يعيّدون على بعضهم بعضاً، ويقبّل الأبناء أيادي آبائهم، وأقاربهم، وتبدأ عيديّات الأطفال في الخروج من الجيوب والمَحفظات، الله يرحم أبو جميل؛ كان ابن أخته عبد الغني، يقبل يده باب المسجد،  وفي الحارة أمام الناس، وبعد المشي نحو البيت. وأبو جميل يقول للطفل “والله لو تطلع روحك وتظل اتمتّك ليل نهار ما بتوخذ التعريفة إلا قدام أمك” يريد أن يعيّد الولد أمام والدته لتكون شاهدة على ذلك، ولا تقتصر إيرادات الأولاد على العيديات الظاهرة، بل كانوا يخرجون بمصاحفهم إلى القبور في الصباح المبكر.

كل طفل وما ناسب عمره من المصاحف، فمنهم من يحمل جزء عمّ، ومنهم من يقرأ في ربع ياسين، ومنهم من يحمل المصحف كاملاً؛ كل واحد ومستواه المعرفي والعمري، ويقرؤون على القبور؛ ويرجعون بما قسم الله لهم من عيديات نقدية، أو عيديات من الحلوى والكعك والسكاكر، وخصوصا الراحة والسولفانا أم النسر، يضعونها في زروف قد خصصوها لذلك.
ما أزكى فطور العيد! لحوم طرية، ومعاليق، وكبدة… تقلى مع بصلها، يرافقها بعض الخضار المقطعة كالبندورة والخيار، وعيّد كان بتعيّد، وكل رظى خاطرك.
الرجال، يكبّرون يعدّون، ويجمعون، ويطرحون، ويرتبون عيديّات الولايا، والهدايا، فترى البيت مستودعاً للفاكهة بمختلف الأنواع حسب موسمها، وتراهم يزرّفونها ويغلّفونها بأكياس ورقية عند خروجهم بها لتسليمها لمستحقيها، يرافقها ما تيسّر من قطع اللحم الطازج.
الولايا تنتظر أقاربها، لسبب اجتماعي؛ لتتحالى بهم أمام بيت زوجها هذا أولاً، وثانياً لسبب اقتصادي يكمن في جمع العيدية، وينتقل الزائر من بيت إلى آخر، وكل بيت يجبرك أن تشرب عصيره أو تأكل من فاكهته أو حلواه، أوتحتسي قهوته، وهات يا معدة القي كان بتلقي، وهاي عشاني، وهاي عشان أبو فلان وعشان أبو علان، وتنطرح عشان الناس كلهم… لكن العيد جميل… فيه الصلح والتصالح، فيه السماحة والتسامح، فيه زيارات الأقارب وصلة الرحم، وكل عام والجميع بألف خير، وخير، وأضحى مبارك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى