حكايات البداية والنهاية في” الرقصة الأخيرة ” لـ ” سماح الجمال ” 

د. السيد الزرقاني | ناقد وأديب مصري

-“القدر …… أهو هذا  الشعاع غير المرئي الذي يجمع بين الأضداد ، ويسير لنا حياتنا بكل جرأة ولا نملك معه قرار؟ هكذا تأخذنا الكاتبة المصرية “سماح الجمال “في مجموعتها القصصية ” الرقصة الأخيرة ” الصادرة عن دار النخبة في 104 صفحة  إلي المعايشة اللحظية لمتعة الحب ومواجع العشق حال البعاد ما بين اللقاء والفراق، والقرب والبعد، الحنان والقسوة، فهي تمتلك ذوقا فنيا مرهفا.

تترك حركة التدفق اللاشعوري ينساب علي أمام القارئ، فنجدها تغوص في أدق تفاصيل العواطف الإنسانية مستعينة بما تمتلكه من إرث ثقافي ووعي اجتماعي ومشاعر دافقة تدفق النهر من المنبع الي المصب، في شاعرية جذابة تأخذ القارئ إلي عالم سحري معتمدة علي  وقائع حياتية في العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة  في عالم أسطوري بداية من تلك اللوحة التي اختارتها للغلاف حيث تلك الرقصة الحالمة وتأخذك من البداية إلي التساؤل المهم والأهم أهي رقصة البداية الحالمة بين حبيبين  كل منهما يمني النفس بالأيام الخوالي والمتعة المستديمة في حياة كلها ورود وحنان ودفيء ، أم أنها رقصة النهاية لأنثى دمرها الحب واللوع والهجر والجفاء إلا ان العنوان الذي اختارته الكاتبة يأخذنا إلي عالم أخر من تلك العلاقة التي تتشبث بها الأنثي عندما تحب وتتفانى في الوفاء لهذا الحب. وكانت تلك اللوحة هي العتبة الأولي التي انطلقت منها الكاتبة في تسلسل أدبي رائع لترسم 25 لوحة أدبية كل منها تأخذك إلى تفاصيل ومشاعر أنثوية واقعية عايشتها الكاتبة عبر تجربتها الحياتية الممتدة  مابين الفرح والحزن، مابين الحلم والواقع، ومابين الممكن والمستحيل حتي تصل بنا إلى قصتها الأولى ” لحظات باردة “لتعلن أن التردد في دين الحب كفر ؟

لأنها لا تريد أن تسرق لحظات الحب من أيامه المستقرة ولذلك وصلت بها حالة الارتباك  إلي ماهو غير متوقع من أنثى تعيش حالة الحب بكل معانيه وتفاصيله تجاه شاب أصغر منها  في العمر، لديها ليس حاجز نفسي أو معنوي ، لأن الحب عندها له طقوس وتفاصيل ومشاعر لا يدركها إلا من عاش تلك التجربة بكل مافيها من تفاصيل حياتية وسيكولوجية فنجدها تقول في ص 10 (ماذا يهم إذا كان الفارق الزمني خمسة عشرة عاما ؟

– الحب يجعلنا نولد من جديد………ومعنى ذالك أنهما متساويان في العمر الآن 

نظرات الناس وماذا يقولون ؟

علي أي حال هم في كل الأحوال يتكلمون 

هل تتبرأ من جنين أيامها القاسية؟ هل ترفض الفرصة الأخيرة من أجل الآخرين 

كلا إنه الفصل الأخير ……..فلتسرع وتقذف كلماتها قبل مجيء الشتاء  فلن تقوى علي وحدتها خلف زجاج نافذة غرفتها  المظلمة 

إنها تبحث عن اسمه بين قائمة الأسماء ولكن لاتجده 

 كيف ذلك  

أين اسمه 

أمعقول 

دون أن تدري ولشدة ارتباكها تم إلغاء الاسم 

أهو قدر لابد وأن تقبله بإيمان ؟

أم إن عقلها الباطن يرفض أن تكون لصة وتسرق منه أجمل أيام حياته ؟

أم ماذا ؟

أغلقت هاتفها ورمت بجسدها النحيل البارد علي فراشها، وبدأت في البكاء حتي غلبها النوم ………..)

– وتستمر الكاتبة في الغوص لتأخذنا إلى عالم الأسرار والمشاعر المتناقضة أحيانا والمشتعلة أحيانا أخرى، حيث تناولت العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة في صورها المتعددة، حيث بدأت في رسم لوحة شديدة الإبداع ص 13 (“حين نحب نري القبيح جميلا ونري النار جنة والسماء دائما مشرقة  ؟…..نري الحرام في الكتب المقدسة حلال في دين العاشقين )إلا أنها ترفض البعاد مهما كانت الأسباب حيث ترسم الانثي لنفسها عالما من الحب تعايشه في خلوتها مع ىالحبيب حتي ولم يكن موجود في الحقيقة ويذكرني ذالك بما عبرت يه المستشارة نهي الزيني في قصتها اغتسال حيث تقول (: “يأتي الربيع فتشدو الذكور بأهازيج التزاوج، تسمعها الأنثى فتترك بيتها، تغادر حضن أمها وترحل عن قبيلتها، تهاجر من مدينتها، تشرد عن ظل أبيها، تتنازل حتى عن اسمها. تأتي المرأة لتتبع رجلها، تترك المرعى الخصيب والكلأ القريب، تسافر إلى الهجير، تقطع الصحاري والوديان. تأتي المرأة تخلع وشاحها، تنزع حجابها تحل ضفائر شعرها، تأتي المرأة لتسلم قلبها، تسلم جسدها إلى رجل) 

– وتجنح بنا الكاتبة في سرد أدبي شاعري رقيق الي لحظة هي من اخطر اللحظات في حياة الانثي المحبة حين تشعر بمجيء جنين في حياتها من رجل تحبه وتعشقه في قصة “لحظة قرار ” حتي لو كان هذا في دائرة الأحلام إلا أنها عايشت تلك الحظات الرائعة أحيانا والموجعة في أحيان أخرى إلا أن قرارها كان حاسما حيث تقول في ص 23 (حتى في أحلامها ستعلمه الرسم ، وتمسك بيديه تعلمه أن الدائرة أفضل الأشكال  فالكون يدور والأمل يدور والحب يمشي بين القلوب الفارغة علة يجد من يبحث عنه  وأن الله اختار الأرض وهي دائرة واختار السماء وهي دائرة  ………وإن سألها ستعطيه براهين عشقها ………ستعلمه أن الخط المستقيم أقصر الطرق إلى البحيرة بجوار منزلها القديم).

–  وتظل تبحر بنا الكاتبة سماح الجمال ما بين إشرافات المعني والحرف المفعم بالعديد من الأسئلة الحائرة. وتتوهج دائرة الكلمات والحروف في كل قصة من قصصها، تماماً مثل دائرة الرقص الصوفي التي تشتعل روحياً شيئاً فشيئاً حتي تصل بالمريد إلى ذروة التجلي، فيقع مغشياً عليه أو ينخرط في بكاء الفرح الصوفي، صارخاً بقوة الشوق الذي يملأ جوانح روحه. تتمتع الكاتبة برؤية عاشق صوفي يتحاشى حديث الجسد ويعظم أشجان الروح وسماء العاطفة، ويرصع ذلك بألفاظ هي الجواهر في عقد المحبة، برغم لهيبها الذي يكوي الوجوه والقلوب.

– ويؤخذ علي الكاتبة أنها لم  تهتم بالبناء الفني للقصة القصيرة حين اقتصر سردها في الكثير من القصص علي الوصف الداخلي للمتكلم بعيد عن الإطار الجغرافي الذي تدور فيها أجواء الحدث إلا من قصة وحيدة وهي” القطار ” التي وضعتنا في الإطار الجغرافي والحركي من خلال الوصف السردي لتلك المحطات في حياة البطلة وعلاقتها بهذا الجار الصامت إلا من قبول الدعوة علي تناول فنجان القهوة بشكل عفوي دون تواصل فكري أو حتى اجتماعي واكتفت بالإبحار السيكولوجي في حوارات ذاتية  تخيلية لإبراز تلك المشاعر التي توطنت في العقل الباطن وتجتاح إلى تلك الوقفات الحياتية لتنجلي عنها رواسب الأيام وقسوتها مثل تلك العلاقة بين البطلة ومعلمها ففي ص 97(كانت تذهب دائما مبكرا لتجلس أمامه وتسمع منه وتسمعه أسئلة كم سهرت ليلا لتحضيرها وبعد الانتهاء تذهب له وتسمعه وتناقشه وتجادله ………عرفها المدينة الفاضلة وشطح معها في الوجودية ونيتشه وتكلم معها عن فلسفة الجمال والفضيلة  أسس عقلها …فارقها وفارقته بعد انتهاء دراستها ولكنه بكليماته لم يفارقها  علمها كيف تفكر وتري الوجود وتتأمل وكانت محطة تأثرت بها حتى الآن ؟)

– تلك المجموعة تحتوي على العديد من القصص كلها معزوفة على وتريات الرجل والمرأة في علاقات متعددة تختلف باختلاف الزمن ومرور العلاقة بينهما، وتطورها سواء بالشكل السلبي أو الإيجابي، إلا أنها كانت حريصة كل الحرص على إظهار هذه العلاقات في شكلها المرضي لها ولثقافتها الدينية والقانونية، حيث تقر بأن اللذة والألم وجهان لعملة واحدة، تربط بينهما نهايات أعصاب لا تفرق بين هذا الشعور وذاك، حين يصل أيهما إلى ذلك العمق، فيمتزج الشعوران ليصنعا معا تلك النشوة باللذة أو النشوة بالألم، ولذلك علينا أن نؤكد أن “سماح الجمال تمتلك أدوات كتابتها من هذا الموروث الثقافي ونجحت في بناء حبكتها الدرامية في تلك المجموعة رغم هذا التدفق الهائل للمشاعر الوجدانية والعاطفية في المجموعة الآنية  وننتظر منها الكثير في مشوارها الإبداعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى