سياسة

دمعة على أطلال غزة نظرة على هناك

بقلم: رضا راشد

في هذه الليلة التي ربما لم يمر عليها مثلها لم أجد سوى قلمي ألوذ به معبرا عن أحزانى وجراح قلبي، فلم يخذلني، بل شاركنى حزنى فسالت دموعه من سنِّه على الصفحات بهذه الأحرف النازفة كما سالت دموع قلبي بمعانيها حزنا على ما كان وما يكون (هناك) وآه مما هناك!! وما أدراكم ما (هناك)؟!
هناك
حيث لا شيء.. لا دنيا ..لا أمن ..لا أمان ..لا اطمئنان.. لا سكن.. لا طعام.. لا شراب.. لا نوم.. لا دفء ..لا طفولة.. لا أبوة.. لا أمومة..بل لا أسرة.
هناك
حيث لا شيء هناك إلا الموت يخيم على كل شيء، فالناس (هناك) منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر كل دقيقة بل كل لحظة.
هناك
حيث الجراح النازفة، والدماء السائلة، والأشلاء الممزقة، والبيوت المهدمة.
هناك
حيث لا شيء إلا الرعب.. إلا الفزع.. إلا الهلع.. إلا البكاء. وهل عاد يجدي البكاء شيئا؟

إن الأحزان قد فاقت هناك كل بكاء، فما عادت الدموع تكفي لغسل القلوب من الأحزان حتى ولو كانت في غزارة الأمطار أو في تدفق أمواج البحار!

نزف البكاء دموع عينك فاستعر
عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بها
أرايت عينا للبكاء تعار؟
هناك
حيث عُدِمَتْ مظاهرُ الحياة وعمت معاني الموت كل شيء: فحيثما التفتَّ يمنةً أو يسرةً لا ترى إلا أُمًّا ثكلى تنزف الدموع مدرارة على أولادها الذين اصطفوا أمامها على سرير الموت، تناديهم فلا يجيبون، وتبكيهم فلا يرقون، وكيف ؟! وقد صاروا إلى عالم آخر! لا مكان فيه لظلم ولا بطش، مكان سيستردون فيه حقوقهم= ولا ترى إلا أبا مكلوما ينظر إلى أبنائه الذين استشهدوا فينام بجوارهم ساعة محتضنا إياهم كما كان يفعل بهم في حياتهم، لا يكاد يصدق أنهم صاروا إلى الآخرة وتركوه في الدنيا وحده يعاني ما يعاني من مكابدة فقدهم ومأساة موتهم وكانه يحاكي أبا ذؤيب الهذلي في قوله
أودى بَنِيَّ وأعقبوني حسرة
بعد الرقاد وعبرة لا تُقلِعُ

سبقوا هَوَيَّ وأعقبوا لهواهم
فتُخُرِّموا، ولكل جنب مصرع
فغبرت بعدهم بعيش ناصب
وإخال أني لاحق مستتبَع

ولا ترى إلا أخا صغيرا ينادي أخاه الذي كان يلاعبه منذ لحظات، ولكنه الآن ما عاد يجيب؛ إذ انتقل إلى عالم آخر = أو أختا صغيرة تلوذ بحضن أخيها (الصغير أيضا)بعد ما استلب الموت أسرتهما، تنظر إلى المجهول بعين ملؤها الخوف والرعب.

هناك
حيث انقطعت آمال الناس من كل شيء، فلم يبق لهم من الآمال شيء إلا أن تمر عليهم لحظة واحدة لا تخطف فيها أبصارهم بروق القذائف، ولا ترعب قلوبهم فيها رعود الصواريخ.

تتزاحم المشاهير أمام عيني وتتعدد الصور لكنها كلها تدور حول محور هو الألم،والوجع، والفقد؛ فقدان الأمل في كل شيء.

هناك
حيث صار الموت أمنيةً غاليةً للأحياء !!، ولا عجب! فماذا يفعل رجل يتفطر فؤاده حزنا بعدما فقد عائلته: أباه وأمه، وأخاه وأخته، وزوجته وأولاده ..هل يبقى من معنى الحياة في نفسه شيء؟ وماذا يفعل من ترك أسرته في بيته وذهب ليشتري لهم بعض الأشياء، فعاد بعد لحظات ليرى المنزل العامر – كان قبل لحظات – قد مُني بقذيفة هدمته وقوضته، فخر عليهم سقفه من فوقهم، وإذا الذي كانوا منذ قليل أحياءً يغدون ويروحون، قد صاروا مفقودين تحت الركام لا يدري: أأحياء هم أم أموات ؟ تتنازع قلبَه مشاعرُ متداخلةٌ: ما بين الحزن على فقدهم، والقلق عليهم، وبقية أمل خافت في أن يستطيع إنقاذ أحد منهم..اترونه يتمسك بعد بحياة؟ هيهات هيهات.

ففيم تمسك امرئ بحياة بعد ما استلب الموت أسرته وحاطه القدر فلم تستطع يد المنية أن تتسلل إليه فبقي حيا، لا لينعم بالحياة، بل ليشقى بها، وليبكي على أسرته بكاء الثكلى التي ذبح وليدها في حجرها، وليتمنى ان لو كان الموت ضمه إليهم وإذا لاستراح كما استراحوا!!

هناك
لا يغبط المرء على شيء مما يغبط عليه في ما ليس هناك. لا يغبط المرء على بيته؛ فإن البيت إلا يكن تهدم فمصيره إلى الهدم: عاجلا أم آجلا .ولا يُغبَطُ المرءُ على أمنه؛ فلم يعد للفظ الأمن معنى في قواميس حياتهم. ولا يُغبَطُ على أولاده؛ فإنهم ينتظرون الموت يحصدهم كما يحصد المنجل الزرع وانما يُغبَطُ على شيء واحد؛ هو الموت الذي هو نهاية دنيا ختول ضنت عليهم بكل معاني الحياة.

لقد كان الناس يكرهون الموت ويحبون الحياة؛ إذ كانت الحياة لهوا ولعبا وزينة وتفاخرا وتكاثرا في الأموال والأولاد ..ولكن أما وقد صار كل شيء خرابا يبابا ففيم التمسك بأهداب حياة ليس فيها من معنى الحياة شيء ؟! وفيم التشبث بشقاء بعدما ضنت عليهم الدنيا بأدنى معاني الحياة؟!

هناك
لا ملجأ ولا منجى من الموت إلا إليه،وهذا هو الهول الأكبر؛ فإن أكثر الميادين حضورا للموت هو ميدان القتال، ومع ذلك لا يعدم الفارس في القتال ما يحتمي به من الموت: من درع سابغة، أو قلنسوة (خوذة )واقية أوسيف بتار، أما هناك فقد صار الموت أشد افتراسا، فلم يعد هناك ما يحول بينه وبين النفوس.

تدوي صفارات الإنذار وتأتي طائرات الأوغاد بالموت في قذائفها وقنابلها فلا يدري الناس إلى أين يذهبون ؟! وبأي شيء يحتمون؟ أيحتمون في بيوتهم؟ وهل بقي في البيوت سكن لأهلها، كما قال الله تعالى {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} لا؛ فإنها ستهدم على رءوسهم. أم يتركون بيوتهم إلى الشارع والفضاء؟ وهل في ذلك منجى لهم؟! كلا وإذن فهم يفرون من الموت إلى الموت ويركضون هربا من الخوف إلى الخوف.

إن الموت ليكون أحيانا رحيما بآل الميت، حيث لا يجمع عليهم بلاءين ؛ فإنهم يغسلونه ويكفنونه ويشيعونه ويدفنونه، فيكون في ذلك ما يهون عليهم من بلاء الفقد شيئا.. ولكن الموت (هناك) لم يعد رحيما، حيث يموت المرء فيتوارى تحت الأنقاض فلا تصل إليه يد، حتى تتحلل جثته ويبقى بلا كفن ولا غسل ولا دفن
أرأيتم بعض ما يجري هناك؟!
إنه قليل من كثير ..ومهما اجتهد القلم في وصف ما يجري هناك فستظل الحقيقة أكبر من اي تصور وسيظل القلم عييا رغم بلاغته بكيا رغم فصاحته
فاللهم خفف عنهم ما هم فيه واربط على قلوبهم وأنزل السكينة عليهم..واشدد يارب على قلوب عدوهم اللهم أخصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى