
د. الهام الدسوقي | القاهرة
في يوم من زمن بعيد تحداني طلابي وقال أحدهم: المنهج سهل جدا وامتحاناته عبيطة. وفجأة بدأ الدم يغلى في رأسي. كيف له أن يقول هذا على مادة من أصعب مواد مناهج الدراسة عامة. قررت بيني وبين نفسي أن اتحداه وأوضح مدى صعوبة المنهج وناقشته فأصر على رأيه فكان التحدي أن أثبت وجهة نظري وبالفعل صممت امتحان اجاباته لا يلحظها إلا الذكي، وطبقت الامتحان في تحد واضح اخبرت به الطلاب وهو أنه لن يستطيع أحد أن يحله. وبالفعل لم يستطع أحد حل كامل الامتحان، وشعروا طلابي وقتها بأهمية المادة وكيف أنه يجب مذاكرتها جيداً.
ومع مرور الأيام وتطوري المهني اكتشفت خطأ ما فعلت. كيف لي أن اتحدي طالب علم، هل هدفي في الحياة أن أعلمه أو أنفره من المادة، هل اراعي ظروفه ودرجة استيعابه ام احبطه.
فهمت أن المعلم هو أحد أهم الركائز في بناء المجتمعات، فهو ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو موجه ومرشد يساعد الطلاب على تنمية قدراتهم وصقل مهاراتهم. إن دوره لا ينبغي أن يكون استعراضًا لمعرفته أو تحديًا لقدرات طلابه، بل يجب أن يكون محفزًا للتفكير والإبداع، مما يساعدهم على اكتشاف إمكانياتهم وتطويرها. تعلمت أن مهمة المعلم تتجاوز مجرد إلقاء الدروس والمعلومات، فهو يعمل على التحفيز النقدي، وتشجيع الاستقلالية، وتعليم الطلاب كيفية البحث عن المعرفة بأنفسهم.
فإذا تعامل المعلم مع طلابه من منطلق التحدي واستعراض قوته المعرفية، فإن ذلك قد يؤدي إلى فقدان الثقة لديهم، مما يضعف رغبتهم في التعلم. لكن عندما يتبنى دور المساعد والداعم، يصبح التعلم رحلة ممتعة يسهم فيها المعلم بتوجيهه وإرشاده، لا بفرض سلطته المعرفية.
أحد المعلمين كتب على بابه موجها الحديث لطلابه، اكتب بلغة تفهمها في الامتحان وانا كفيل بفهمها وترجمتها، وتستطيع أن تأكل وتشرب في حصتي لأن الطعام احتياج طبيعي لا استطيع منعه عنك، لك الحرية في الحضور أو عدمه فأنت لست مجبر ولك أن تختار من يعلمك وينمي مهاراتك، منهجك مسئوليتي على أن انهيه وعلى عاتقي عمل ملخصات تجمع بها نقاط المنهج المهمة، اريدك متفوق وليس فاشل فاجتهد وستنجح، لست هنا لاتحداك بل لاتعلم معك. فعندك معلومات تختلف عما لدي . وهذا هو المعلم الحق
تعد قصة الفيلسوف اليوناني سقراط أحد أفضل الأمثلة التي توضح دور المعلم الحقيقي. كان سقراط يؤمن بأن المعرفة ليست شيئًا يمنحه المعلم للطالب، بل هي موجودة داخل الإنسان، ويجب على المعلم مساعدة الطالب في اكتشافها.
في أحد الأيام، جاءه تلميذ متردد يظن أنه لا يستطيع التفكير بعمق. لم يخبره سقراط بالإجابة مباشرة، بل بدأ يسأله سلسلة من الأسئلة الذكية التي قادته في النهاية إلى اكتشاف الإجابة بنفسه. بهذه الطريقة، لم يشعر التلميذ بالنقص أمام معرفة سقراط، بل أدرك أنه قادر على اتباع نهج سقراط التعليمي الذي يشجع التفكير والاستنتاج بنفسه. هذه الطريقة تُعرف الآن بـطريقة سقراط وهي تحث الطلاب على البحث والاستكشاف بدلًا من تلقي المعلومات بشكل مباشر.
إذا نظرنا إلى دور المعلم من زاوية السلطة المطلقة، فقد يتسبب ذلك في خلق بيئة تعليمية قائمة على الخوف والرهبة، حيث يخشى الطلاب التعبير عن آرائهم أو طرح الأسئلة. أما إذا كان دوره قائداً ملهماً، فإنه يخلق بيئة تعليمية إيجابية تحفز الطلاب على التعلم والاستكشاف.
لا شك أن الانضباط ضروري في أي بيئة تعليمية، ولكن الفرق بين المعلم الحاكم والمعلم القائد
يكمن في طريقة تحقيق هذا الانضباط. فالمعلم القائد يكسب احترام طلابه بالقدوة والتوجيه، بينما المعلم الحاكم يفرض احترامه بالقوة والعقوبات.
دخلت فصلي أمس وقام طالب يسألني. هل تعلمي عدد قلوب الاخطبوط؟ وهل تعرفي عدد الكواكب والنجوم؟ وهل سمعت عن السلطان قلاوون من قبل؟ وهو يتحداني أن أعرف. وكنت قد تعلمت من الدرس السابق فضحكت وقلت سأجعلها مسابقة بينك وزملاءك واضيف عليها بعض الاسئلة من عندي ولمن يحضر الاجابات خلال يوم كامل له جائزة. فانتبه الجميع وجمعوا الاسئلة وبحثوا بكل الطرق واحضروا اجابات أكثر مما توقعت. واحتفلت بهم واجمل جملة سمعتها كانت : احنا بنحبك قوي. واعتبرتها المكافأة من الله ( حب الناس والنجاح).
يروى أن معلمًا حكيمًا دخل إلى الصف ذات يوم، فوجد أحد الطلاب يتحداه بأسئلة صعبة، محاولًا إثبات أنه أكثر ذكاءً. لم يغضب المعلم، ولم يحاول إسكات الطالب أو إحراجه أمام زملائه، بل ابتسم وقال “العلم ليس صراعًا بين العقول، بل رحلة نقطعها معًا”
ثم بدأ يوجه الأسئلة بطريقة جعلت الطالب نفسه يصل إلى الأجوبة التي يبحث عنها. في النهاية، أدرك الطالب أن المعلم ليس منافسًا له، بل مرشدًا يساعده في تطوير قدراته.
انت كمعلم لست حاكمًا على الطلاب، بل قائد وموجه يعمل على بناء عقولهم وشخصياتهم. عندما تتبنى دور الداعم والملهم، فإنك تخلق بيئة تعليمية قائمة على الاحترام المتبادل، حيث يشعر الطلاب بالأمان والحرية في التعبير عن أفكارهم. فالتعليم الحقيقي لا يقوم على فرض السلطة، بل على التحفيز والإلهام.
المعلم الحقيقي هو من يساعد طلابه على النمو والتطور دون إشعارهم بالعجز أو النقص. فالتعليم لا يعني التباهي بالمعرفة، بل هو وسيلة لإشعال شرارة الفضول والتفكير داخل عقول الطلاب. عندما يصبح المعلم مرشدًا بدلًا من متحكم، يكون قد أدى رسالته بأفضل شكل، ليخلق جيلًا قادرًا على التفكير والإبداع والاعتماد على النفس.