ما السرّ الذي كشفه الدُش الساخن… ولم يلتفت إليه أحد؟!

د. أحمد عبد الجواد | المحلة الكبرى _ مصر
اتفتح باب غرفتي في العيادة ودخل راجل ستيني .. التعب كان واضح على كل ملامحه .. أول حاجة لفتت نظري كانت لون وشه .. أحمر بشكل غريب،
قعد قدامي، باين عليه إنه وصل لمرحلة يأس، وقال لي الجملة الكلاسيكية اللي بتوجع: “يا دكتور… أنا تعبان من سنين ومحدش عارف ليه.”
حكى لي عن دوامة الأعراض اللي بيحس بيها:
لفّيت سنين يا دكتور : صداع دايم، إجهاد مستمر، آلام في العظام، دوخة مفاجئة، تنميل في الإيد والرجل، ضغط بيعلى وينزل مش مستقر، إحساس بسخونة داخلية وخنقه في النَفَس، بحس بتعب في معدتي على طول وتقل في بطني ناحية الشمال، والنقرس مش راحم رجلي.
الراجل لف كتير، وكل طبيب كان بيحط أعراضه في خانة “مناسبة للسن”: ده ضغط، ده توتر، ده إجهاد، هنعالجلك معدتك، هنضبطلك النقرس..
والكلمة اللي حسيت بيها أوي: “بصراحة يا دكتور… أنا اتعودت. قلت ده سني وخلاص.”
عينٌ تلتقط التفاصيل… وسؤالٌ يوقف الزمن :
أنا كنت بسمع وبفحص، بس عيني كانت ماسكة في حاجه: احمرار الوش اللي عنده …في اللحظة دي، بدأت أجمع قطع البازل في دماغي. الأعراض دي، في مجملها، ممكن تكون إشارة لحاجة أعمق من مجرد ضغط عصبي.
المريض لفّ على دكاترة كتير.
وكل واحد ركّز على جزء من الصورة.
وده طبيعي…
لأن كل عرض لوحده شائع جدًا في السن ده.
لكن وأنا بسمع…
كنت شايف حاجة مختلفة …
الأعراض ما كانتش متفرقة …
كانت ماشية في اتجاه واحد… بس محتاجة حد يجمعها.
وأنا بفحصه بالسونار لاحظت إن حجم الطحال عنده أكبر بقليل من الحجم الطبيعي… فشكوكي بدأت تزداد ..
بدل ما استنى الراجل يحكي كل تفصيلة، قررت أنا اللي أفتح الباب اللي محدش فكر يفتحه .. قررت أسال السؤال اللي لو طلع إيجابي، هيقلب التشخيص كله:
بصيت له مباشرة، وسألته بهدوء وتركيز:
“قول لي، هل بتحس بحكة أو هرش شديد في جسمك بعد ما تستحمى بمياه دافئة أو سخنة؟”
ساعتها، حسيته اتفاجئ! بان عليه الدهشة الحقيقية، كأني قرأت حاجه جوه فِكرُه أو دخلت جوه بيته!
ردّ عليا بذهول:
“فعلاً بقالي فتره طويله بحس بكده ! بس أنا عمري ما ربطت الحكة دي بأي مرض! ماكنتش متخيل إن دي ممكن تكون حاجة مهمة… ولا حد من الدكاترة سألني السؤال ده… أنا بالفعل بقالي فترة طويلة مش بستحمى غير بمياه بارده حتى لو في عز الشتا علشان الموضوع ده.”
هنا أيقنت. الحكة بعد التعرض للماء الساخن (Aquagenic Pruritus) كانت المفتاح. هي العلامة الكلاسيكية لمرض مخادع:
كثرة الكريات الحمراء الحقيقية (Polycythemia rubra Vera).
بمجرد ما أكد الراجل الحكة، كل الأعراض اتجمعت تحت مظلة التشخيص ده. دي مشكلة في نخاع العظم، المصنع اللي قرر ينتج كرات دم حمراء زيادة عن اللزوم، بسبب طفرة اسمها JAK2.
طلبت منه التحاليل: CBC، EPO، JAK2 mutation.
ولما راجعت النتايج، كانت القصة واضحة زي الشمس:
الهيموجلوبين والهيماتوكريت: عاليين. (الدم بقى لزج).
الإريثروبويتين (EPO): منخفض جدًا. (المصنع شغال لوحده بدون رقيب).
طفرة JAK2: إيجابية. (المبرمج اللي خلّى الخلايا تتكاثر بشكل مش طبيعي).
شرحت له ببساطة: “يا حاج، الدم بتاعك بقى تقيل زي العسل بدل ما يكون سائل زي المية .. اللزوجة دي هي سبب الصداع والدوخة واحمرار الوش. والحكة بعد الدش دي سببها الهيستامين اللي بيزيد مع جريان الدم اللزج الساخن. التقل اللي بتحس بيه في بطنك ناحية الشمال بسبب التضخم البسيط في الطحال .. الطحال يعمل كمرشح للدم ويساعد في مقاومة العدوى. ومع زيادة خلايا الدم، يُجهد الطحال في عمله فيكبر حجمه، مما قد يسبب ألمًا أو إحساسًا بالامتلاء في أعلى البطن.
كمان الزيادة في كرات الدم الحمراء قد تساعد على حدوث قرح بالمعدة أو الاثنى عشر أو المريء،
وقد تؤدي أيضًا إلى نوبات نقرس (تورم وألم المفاصل) بسبب ارتفاع حمض اليوريك.
والمشكلة الكبيرة بقى هو إن الدم اللزج ده بيزود خطر الجلطات في أي حتة في جسمك بس ما تقلقش إحنا هنعالجك بإذن الله قبل ما يحصل أي مشكلة.”
خطة إنقاذ الدم :
بعد ما حس الراجل إن أخيراً فيه حد “فهمه”، بدأنا العلاج فوراً، وهو إنقاذ حياة بمعنى الكلمة:
**سحب الدم الدوري
(Phlebotomy):
التبرع بالدم بشكل متكرر .. الهدف الأساسي هو تخفيف لزوجة الدم وتنزيل الهيماتوكريت تحت 45%، وده أهم خطوة لحمايته من الجلطات الخطيرة. كنا بنسحب حوالي ٥٠٠ مل من الدم بشكل منتظم لحد ما نوصل للرقم الآمن، مع متابعة مستمرة للحفاظ على النسبة.
بعد الوصول إلى النسبة المطلوبة من الهيماتوكريت، يتم متابعة التحليل مرة كل شهر،
ويُعاد سحب الدم مرة أخرى فقط عند الحاجة للحفاظ على النسبة في الحدود الآمنة.
وخلال عملية سحب الدم، إذا لزم الأمر، يمكن تعويض السوائل داخل الجسم عن طريق محاليل وريدية للحفاظ على استقرار الدورة الدموية.
**الأسبرين (جرعة صغيرة): لمنع تكوّن الجلطات الدقيقة.
**هيدروكسي يوريا (Hydroxyurea): علاج منظِّم لنشاط نخاع العظم.
بعد شهرين، دخل الراجل العيادة مختلف تمامًا. الصداع اختفى، والحكة قلت بشكل ملحوظ، والضغط بقى أحسن، وشكله العام بقى أهدى بكتير.
قال لي وهو ماشي: “يا دكتور، أنا فضلت سنين أقول للدكاترة عندي إيه، ومحدش عرف يجاوبني الحمد لله إنك قدرت تحل مشكلتي.”
الطب مش مجرد قراءة أرقام، الطب هو فن الملاحظة، و فن ربط التفاصيل العابرة، وخصوصًا، فن طرح السؤال اللي ما خطرش على بال حد يسأله. السؤال البسيط ده كان هو النور اللي كشف مرض السنين وأنقذ حياته من خطر الجلطات.

د/ أحمد عبد الجواد



