قراءة في المجموعة القصصية “مرآة خبز وقمر” للكاتبة المغربية زهرة عز

أ. د. وسام علي الخالدي| العراق
تنتصب المجموعة القصصية “امرأة، خبز، قمر” للكاتبة المغربية زهرة عز كمنجز سردي يغوص في “سوسيولوجيا الهامش” المغربي، حيث تمارس الكاتبة نوعاً من الحفر الأدبي في تربة المعاناة اليومية للمرأة، محولةً التفاصيل البسيطة إلى رموز وجودية كبرى. المجموعة القصصية ليست تأريخا للجوع أو الفقر، بل هي “أنطولوجيا” للصمود الأنثوي في مواجهة تقلبات الزمن وقسوة البنيات الاجتماعية التقليدية. فمن خلال العنوان الذي يشكل ثالوثاً (المرأة كذات، الخبز كضرورة مادية، والقمر كأفق حلمي)، تنسج زهرة عز نصاً متوتراً بين وطأة “الأرض” بتعقيداتها المادية، وبين سماوات “الخيال” التي تمنح بطلاتها القدرة على الاستمرار.

لذا تتجلى في المجموعة القصصية قدرة فائقة على التقاط “المنسي” في المشهد المغربي، حيث تحضر القرية أو الحي الشعبي لا كخلفية جامدة، بل كفضاء “قمعي” تارة و”احتوائي” تارة أخرى. لغة الكاتبة لغة “بيضاء” تميل إلى الوصف الدقيق والمكثف، مستلهمةً من الواقع اليومي مرارته، لكنها تكسو هذا الواقع بوشاح من الشعرية التي تجعل من “رغيف الخبز” معادلاً للكرامة ولحق البقاء. إن زهرة عز في “امرأة، خبز، قمر” لا تكتب عن المرأة كضحية مسلوبة الإرادة، بل ترصد “دينامية التمرد الصامت”؛ ذلك التمرد الذي ينمو في المطابخ، وفي الحقول، وفي نظرات العيون المليئة بالشجن الطافح.
وعلى مستوى البناء المعماري للنص، نجد أن الكاتبة وظفت تقنيات سردية جعلت من “الزمن” دائرياً ومطبقاً، مما عمق شعور القارئ بالحصار الذي تعيشه الشخصيات. ومع ذلك، يظل “القمر” في النص شفرة الخلاص ونافذة الضوء التي لا تنطفئ، وكأنه يشير إلى تلك القوة الروحية التي تستمد منها المرأة المغربية جلدها وتجلدها. المجموعة القصصية في جوهرها هي “استرداد للذاكرة” واحتفاء بالكيان الأنثوي الذي يصنع الحياة من أبسط المكونات، لتظل تجربة زهرة عز شهادة أدبية رفيعة على أن الإبداع الحقيقي هو الذي ينبت من رحم المعاناة ليعيد صياغة العالم برؤية أكثر إنسانية وأكثر إنصافاً للهامش المنسي
بناءً على هذا المسار السردي الذي اختطته زهرة عز، وفي ظل هذا التحليل الذي يستقصي أبعاد التجربة المغربية في “امرأة، خبز، قمر”، نجد أن المجموعة القصصية تنتقل بالمعاناة من مستواها “الواقعي الفج” إلى مستوى “الرمزية الوجودية”؛ حيث لا تكتفي الكاتبة بوصف الجوع، بل ترصد كيف يتم “تجويع الروح” داخل منظومات اجتماعية متهالكة. إن “الخبز” في هذا السياق يتجاوز كونه قوتاً يومياً ليصبح “فلسفة للبقاء”، فكل رغيف يُعجن في المجموعة القصصية هو بمثابة إعلان عن رفض الفناء، وتشبث بالحياة في أقسى تجلياتها.
وتتجلى احترافية زهرة عز في قدرتها على بناء “تضاد درامي” بين برودة الواقع المادي (الخبز/ الأرض/ الحاجة) وبين حرارة الحلم المنبعثة من “القمر”؛ هذا القمر الذي يطل في النص كمرآة عاكسة لرغبات مكبوتة، وكشاهد صامت على انكسارات الأنثى التي لا تجد من يبوح لها بوجعها. إنها تكتب بوعي حاد بـ “الزمكان النفسي”، حيث يضيق المكان المغربي بتفاصيله الموروثة، ليفتح السرد نوافذ مشرعة نحو “التأمل” في ماهية الوجود الأنثوي، محولةً الحزن إلى طاقة استبصارية قادرة على تفكيك بنى القهر.
وعلى مستوى اللغة، نجد أن الكاتبة تزاوج بين “الصرامة السردية” وبين “السيولة الشاعرية”، مما منح النص إيقاعاً متوازناً يشد القارئ نحو لجة الأحداث دون أن يفقده متعة الجمال الفني. إنها لغة لا تدّعي البطولة، بل تنحاز للبساطة العميقة، مستلهمةً من الروح المغربية صبرها وجلدها وقدرتها العجيبة على تحويل الرماد إلى ضوء. فالخبز هنا هو “الأرض” بتجذرها، والقمر هو “الروح” بتحليقها، والمرأة هي البرزخ الذي يربط بينهما، معيداً صياغة أسطورة “سيزيف” ولكن بنكهة مغربية أنثوية خالصة.
فهي مجموعة قصصية عن “الكرامة الجريحة” التي ترفض الاستسلام؛ لقد استطاعت زهرة عز أن تمنح للهامش صوتاً، وللوجع لغة، وللحلم جسداً، تاركةً القارئ في مواجهة سؤال جوهري: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على “قمره” الخاص في عالم لا يهتم إلا بـ “خبزه”؟ إنها شهادة إبداعية رفيعة تؤكد أن الأدب ليس حكايات تُروى، بل هو فعل مقاومة بالكلمات، وسعي دائم نحو استرداد ما ضاع من إنسانيتنا في دهاليز الأيام.
وعلى هذا النحو، تصبح المجموعة القصصية “امرأة، خبز، قمر” بمثابة “مختبر إنساني” يُعيد تعريف مفهوم البطاقة الشخصية للمرأة المغربية في المناطق المنسية؛ فالشخصيات عند زهرة عز لا يتم تعريفهن بأسماء عائلاتهن أو بمركزهن الاجتماعي، بل بمدى قدرتهن على موازنة كفتي “الضرورة” و”الحلم”. إن الكاتبة تنتصر هنا لـ “البطلة الهامشية” التي تصنع معجزاتها الصغيرة خلف الجدران الصامتة، مؤكدةً أن “عجن الخبز” ليس فعلاً بيولوجياً رتيباً، بل هو فعل “خلق” يومي يتحدى العدم والنسيان.
يتجلى في الخاتمة السردية للعمل أن القمر الذي لاح في الأفق لم يكن جرما سماويا بعيدا، بل كان انعكاساً للضوء الداخلي الذي تحمله تلك المرأة في مواجهة عتمة الواقع. لقد استطاعت زهرة عز أن تجعل من المجموعة القصصية “ملاذاً فكرياً” يطرح تساؤلات حادة حول العدالة الاجتماعية والمساواة، ولكن دون السقوط في فخ المباشرة الخطابية؛ فالفكرة هنا تمر عبر “مسامّ” الحكاية وعبر رائحة الخبز المنبعثة من الصفحات، مما جعل القارئ يتنفس الوجع المغربي بعمق ويستشعر نبض الأمل القادم من بعيد.
إن الاحترافية الأدبية في هذا النص تكمن في قدرة الكاتبة على تحويل “الألم الفردي” إلى “وعي جمعي”؛ فبطلتها لا تمثل نفسها فحسب، بل هي صدى لكل امرأة مغربية تحاول القبض على خيوط القمر بينما قدماها غارقتان في وحل المتطلبات اليومية. وبذلك، تظل “امرأة، خبز، قمر” إضافة نوعية للمكتبة المغربية والعربية، بوصفها نصاً يرفض الاستكانة، ويصرّ على أن الأدب هو الأداة الأرقى لترميم شروخ الروح وإعادة الاعتبار لتلك الأنفاس التي لولا الكتابة لظلت رهينة الصمت والغياب.
(*) الدكتورة المغربية زهرة عز صيدلانية وقاصة وروائية



