حكايات الجمعة.. اليوم 133 للحـ.ـــ.ــــ.ــــ.ــرب

رحاب عمر| كاتبة وقاصة من مصر
أظنه كان يومًا عاديًا…
قبلها بأيام استخدمت الريموت في تغيير القناة، فتوقفت على روتانا كلاسيك. أحب الأفلام القديمة، الصورة الهادئة الجميلة، الخلفيات المنسقة المختارة بعناية، النجمات الجميلات اللاتي لا يسعين إلا لإيقاع البطل في الحب… حتى الحب كان بريئًا حانيًا، غايته قبلة على شفاه لا تعرف الرفض.
بدأ صوت القصف في الاسترخاء تدريجيًا، لم يبقَ منه شيء إلا طنينًا خفيفًا في خلفية عقلي. أخذ الأمر جهدًا جهيدًا، فالمعاناة الحقيقية تتمثل في كونك تدّعي، تتجاهل، تتفنن في الهروب من الحقيقة.
وكان يوم الجمعة، حملت معي كيسًا من الخبز البلدي، وزجاجتين فارغتين سعة ٢ لتر، واشتريت كيلوين من الموز من الرجل الجالس على ناصية الشارع. ولم أنسَ الحرنكش، تحبه أمي كثيرًا… وذهبت مع أختي الصغرى التي تسكن في نفس شارعي، تاركةً الصغار لوالدهم بعدما تعاركت معه:
– خلي الفيس ينفعك…
زادت التجاعيد في وجه أمي، ونحفت كثيرًا. ارتدت قميصًا ورديًا مجسمًا، تحب أمي ارتداء القمصان الضيقة. نزل أخي وزوجته من الطابق الأعلى ومعهم طبق من البرتقال البلدي، جلسنا على مقاعدنا القديمة. تحدثت أمي عن الدجاجة التي أرسلتها لها أول الأسبوع، شكرتني مادحةً طعمها الجميل:
– اتحرمنا من الطعم البلدي الأصلي ده من زمان.
كانت أختي الثالثة قد تركت بيتها، وقررت الطلاق، بعدما أنفقت كل مدخراتها على زوجها. حاولنا أن نسترد بعض حقوقها، لكننا لم نستطع. فخرجت خاسرة كل شيء، حتى الأولاد. ذهبت للمحاكم بعد أن باعت مصاغ أمي، لكنها انهزمت في معركة التلاعب بالقانون، وسوء خلق المحامين “الأفاضل”. فانتكست وعاشت تهش الذباب الذي يتكوم على عتبة البيت…
تطالبني أمي دومًا أن أساعدها بمبلغ شهري، بالذات بعد طلاق أختي… وقد قمت بالفعل بما أرادت.
لكنها الآن ترفض أي نقود، وتدعوني لشراء اللحم الملبس والدجاج البلدي. أصارحها برغبتي في مضاعفة المبلغ، حيث إن تلك الأشياء أصبحت في متناول الأثرياء، ونحن بالكد نقبل اللقمة قبل أن نمضغها. تسمع أختي حديثنا، فتعد خسائرها وتبكي.
أخبرتنا زوجة أخي أنها ستلد في رمضان القادم، ولا تعرف ماذا ستفعل في مصاريف الولادة؟ الطبيبة طلبت منها عشرة آلاف جنيه، رغم أنها طبيبة “نص كوم”. أخبرتنا أنها تفكر في الولادة الطبيعية، وأنها بعثت إلى إحدى القرى التي تسكنها أختها الصغرى لتسأل عن الداية، وبالفعل أحضرت رقمها الخاص…
وكانت المفاجأة التي حدثتني عنها أمي في الهاتف، أنها صنعت “مؤدة” في بير السلم. صرخت عندما رأيتها، فقديمًا قبل أربعين سنة كانت جدتي تطبخ عليها طعام الطيور… استخدمتها أمي في صنع أرز بلبن، وجلسنا حولها نتضاحك ونتذكر ما مضى.
أخبرتنا أمي أن النساء هن مديرات اقتصاد البيت، فأنبوبة البوتاجاز ممكن أن تبقى مع المؤدة أكثر من شهر. أركز بكل جوارحي في كل ما تفعله، فهي “ست مدبرة” استطاعت أن تمشي حال بيتنا المكون من ستة أفراد بمبلغ زهيد كان يرسله جدي كل شهر، نظرًا لحالنا الذي يصعب على الكافر.
عمي الذي يقف على نفس النقطة منذ سبعة عشر عامًا، يحدق فينا كعادته ولا يتكلم، يجلس في مقعده كالعادة، يرتدي جاكيتًا قديمًا أظنه لم يغيره منذ مدة طويلة، رائحته شمس وأرض وغرس ورواث بهائم… يأتي من الغيط ومعه زجاجات اللبن، يجلس معنا حتى نغادر إلى بيوتنا. كلامه قليل للغاية، وأحيانًا لا ننتبه له وكأنه ليس معنا… فتحت معه حديثًا عن جارتنا التي توفيت عن عمر يناهز المئة عام. فحدثني عن عمه الذي كان يذهب لها باللبن كل أسبوع لمدة أربعين عامًا بعدما رفضت عشقه وتزوجت بآخر. وظلت تبدي له الوداد ندمًا على خطئها في حقه. عاش هذا العم كالميت، لم يتزوج ولم ينجب، فقط عاش يتابع قضية الأقصى وتحرير الأرض، ويربي الجاموس لأن حبيبته تحب لبنه. أخبرني أنه حين كان على فراش الموت، رفض الطعام والماء، وطالبهم أن يتذكروه حين يصلوا في الأقصى قريبًا، ثم أقسم عليهم أن يرى حبيبته قبل أن يرحل.
كنت أتكوم وأفر بين الأحداث، وأخلع وعيي وانتباهي، وأروض الذاكرة وأدفعها باتجاه التفاصيل، ولا أدري سببًا لافتعالي الضحك، ولا لإيقاظ الحنين لحكايات الجمعة في بيت أمي. كنت أتحاشى الموبايل، وأنهر الصغير الذي يعبث بريموت التلفاز خشية أن يكون ترتيب القنوات الإخبارية قريبًا من قنوات الأطفال. كنت أُشرّع للتفاهة ألف باب، وللذكريات ألف ألف، أسأل عمي عن الحصاد، عن البهائم، وعن سترته التي تجاوزت التاريخ والزمن، وأغالب بقايا جثث في ذاكرتي التي خبأت الموتى والظالمين في نفس ذات الجب. وأفر من نار تتأجج خلف جوارحي، وأمحو ذلًا متجذرًا في نفسي، باستقطاب الحديث حول تاريخ أسرتنا وسفر أعمامي إلى العراق. ورغم ملامح عمي التي تقترب من اليأس، إلا أنه عندما كانت تأتي سيرة العراق، يحدثنا عن عمله في المزارع هناك، والخير الذي حصده في أقل من عام، حتى أنه في أول إجازة له اشترى الشبكة وغرفة نوم دمياطي، وزُف زفة بلدي إلى المرأة التي أحبها…
لاحظت أمي ارتعاشة يدي:
– إيدك رجعت ترتعش تاني ليه يا حزينة؟
وقد كنت أهذب نفسي وأتحامل حتى لا تلاحظ، لكني لم أعد أستطيع التحكم في ذراعي منذ أكثر من ثلاثة أشهر…
صنعت أختي لنا شايًا بالنعناع، وأطعمتنا أمي محشي ورق عنب متبقيًا في الثلاجة، وأهدتنا كل واحدة نصف زجاجة زيت زيتون، أخبرتنا أنه زيتون غزة، جاء به صديق والدي –رحمة الله عليه– من الأردن… حينها شعرت بنغزة في صدري، فأخفيت وجعي وأكملت طبق المحشي.
توقف الصغير –الذي ظل يبحث عن الكرتون كثيرًا– على قناة يجمع فيها الناس بقايا الجثث، وتنتحب النساء على أطفالهن، فانتفضت كي أغادر.
في طريق رجوعنا إلى بيوت أزواجنا، كانت الشاشات في الكافيهات والقهاوى البلدي تنقل بثًا مباشرًا لماتش هام، وكان الرجال يصرخون، ويتأهبون، ويحبطون، ويصفقون للتسديدة المميزة.
صوت تردد مقتحمًا الأصوات والضحكات:
خمسون ألف شهيد، ومئة ألف جريح، وملايين من المشردين بلا مأوى.
ساعتها علا صوت الجماهير الغفيرة صارخة مهللة:
جووون! عاشت اللعبة الحلوة.



