مقال

بين الدال والمدلول: سيميائية الرموز في فضاء الإعلام الرقمي

علي سعد البديري| كاتب من العراق

لم تعد الصورة في الإعلام الرقمي بريئة، ولا الكلمة عفوية كما تبدو. ففي فضاء تتشابك فيه الرموز مع العناوين، يتحوّل الإعلام من مجرد ناقل للخبر إلى أداة فاعلة في صناعة المعنى وتوجيه وعي الجمهور، حاملةً دلالات تتجاوز ظاهرها وتؤثر في توجهاته الفكرية والثقافية.

يختص هذا العلم بدراسة العلامات والرموز ودلالاتها داخل عناصر الاتصال. فالكلمة، الصورة، اللون، وطريقة العرض تعمل كـ«دوال» تقود إلى «مدلولات» ذهنية وثقافية تؤثر في فهم المتلقي للواقع. مثال بسيط: كلمة “وردة” لا تعني مجرد نبات، بل قد ترمز إلى الحب أو السلام، وفق السياق الذي توضع فيه. وفي الإعلام الرقمي، تُستثمر الرموز بعناية لصناعة رسائل محددة وتشكيل إدراك الجمهور. كما يمكن رؤية هذا في حملات إعلامية حديثة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُوظف الصور والهاشتاغات لتوجيه الانتباه إلى قضية معينة أو إثارة موقف محدد.

يشير المفكّر الفرنسي رولان بارت، أحد أبرز روّاد السيميائية في القرن العشرين، إلى أن النصوص الإعلامية لا تحمل معنى واحداً، بل تتضمن طبقات متعددة من الدلالة، بعضها ظاهر والآخر مضمر. كما يقدّم الباحثان الهولنديان غونتر كريس وثيو فان ليوان إسهامات مهمة في التحليل البصري للخطاب الرقمي، موضحين كيف تُستخدم الصورة والألوان وتصميم المحتوى لبناء خطاب مؤثر يشكّل مواقف الجمهور. ويُضاف إلى ذلك نموذج الفرنسي غريماس في السيميائية البنيوية، الذي يوفر أدوات لفهم الأدوار داخل أي نص إعلامي والرسائل المراد تمريرها.

في الإعلام الرقمي العالمي، تُستخدم هذه الأدوات على نطاق واسع، حيث تُختار الصور والعناوين بدقة، وقد تُوظف أحياناً ضمن ما يُعرف بالحرب الناعمة أو التأثير النفسي غير المباشر لتوجيه الرأي العام وبناء سرديات محددة.

أما في العراق، فما يزال التركيز الإعلامي غالباً على نقل الحدث دون تحليل الرموز أو خلفياتها الثقافية والاجتماعية. وغياب استخدام منهج السيميائية كأداة لفهم الدلالات يجعل الجمهور عرضة لتلقي المحتوى كما هو، بينما تطبيق المنهج عملياً، عبر التوعية وتحليل الرموز، يعزز الوعي النقدي ويجعل المتلقي أكثر قدرة على فهم الرسائل واستقلالية الرأي.

في النهاية، يحمل الإعلام الرقمي أكثر مما يظهر على سطحه. فكل رسالة تبدأ بدال، لكنها تقود إلى مدلول أعمق. ومع تنامي الوعي النقدي لدى المتلقي، يصبح قادراً على القراءة التحليلية، حماية وعيه الثقافي، والمشاركة في فضاء إعلامي أكثر نضجاً ومسؤولية. فالمعرفة بالرموز لا تكتفي بالقراءة، بل تمكّننا من التفاعل الواعي مع الإعلام وبناء فهمنا الخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى