الكتاب والقراءة بألف خير

علي جبار عطية| كاتب وصحافي عراقي
كنتُ أُقلِّب في الأرشيف الورقي فوقع نظري على حوارٍ مع الدكتور يوسف زيدان نُشر سنة ٢٠١١م، ومن ضمن ما تناوله إجابته عن سؤالٍ يتعلق بالمقارنة بين الإقبال على الكتاب والقراءة قبل أكثر من نصف قرن، وما يحصل حاليًا من هيمنة الصورة،ونزعة الاستهلاك على الحياة الثقافية.
يقول يوسف زيدان : (إنَّ كاتب الستينيات الأعظم نجيب محفوظ كانت دور النشر تطبع من أعماله ألف نسخة تبقى من خمس إلى عشر سنوات حتى تنفد، إنَّما هذا العام ـ وأنا أكلمك الآن ـ إذا دخلت أية مكتبة أو منفذ بيع كتب ستجد كتاب “عصر العلم” لأحمد زويل الصادر من مدة قريبة تجاوز الطبعة التاسعة، وستجد رواية “تاكسي” لخالد الخميسي أظن في الطبعة الثالثة عشرة، وستجد رواية رحاب بسام “إرز بلبن” ـ وهي كاتبة صغيرة ـ في الطبعة التاسعة وهي أعمال متنوعة. إذن،لن نقول مَع مَنْ يرددون أنَّ الأعمال البسيطة هي التي تربح وأنَّ الاعلى مبيعًا هي الأكثر تفاهةً ففي العلوم والآداب، وفي مجالات كثيرة تتعدد الطبعات، وعدد النسخ فالطبعة الحالية من خمسة إلى عشرة أضعاف النسخ يعني يوجد فارق شاسع فكيف نقول :الناس لا تقرأ، ولكن هناك بعض كتاب لا يتواصلون مع الناس، وبدلًا من أن يطوروا أنفسهم وأدواتهم يكون من السهل لهم أن يتهموا الناس بعدم القراءة).
إنَّ الارقام والمؤشرات المقرونة بالشواهد تفيد بسيادة الكلمة وبقائها، ومن ذلك استمرار المطابع بطبع الكتب الورقية، وازدهار معارض الكتب مع تنوع دور النشر، وتفننها بجذب القراء على الرغم من الترويج لثقافة الفرجة واللامبالاة التي يشهدها عالمنا الرقمي اللاهث وراء الإشباع غير المحدد لحاجات غير محدودة !
وحسب تقديرات (غوغل) فمن المتوقع أن تنمو صناعة نشر الكتاب العام / التعليمي بنسبة ١،٩٪ سنويًا بحلول عام ٢٠٣٠م، علمًا بأنَّ إيرادات نشر الكتب عالميًا قُدرت بـ ١٤٣،٦٥ مليار دولار، ومن المتوقع أن تبلغ ١٦٣،٨٩ مليار دولار عام ٢٠٣٠م.
يرى الباحث الأكاديمي خالد عزب في (الجزيرة نت) (٢٠٢٤/٢/٢٩م) أنَّ عددًا من خبراء النشر يذهبون إلى أنَّ حركة النشر ستشهد في السنوات القادمة نموًا جيدًا، ويعود ذلك لعدة معطيات، منها: الشعبية المتزايدة للكتب الصوتية، واستمرار الإقبال على الكتب المطبوعة، والطلب المتزايد على الكتب في الأسواق الناشئة.
ويؤكد أنَّه لا تزال الكتب المطبوعة تمثل ٧٧٪ من حجم المبيعات، بينما من المتوقع أن تنمو الكتب الصوتية بنسبة، قدرها ٢٧٪ على مدار الخمس سنوات القادمة، وأنَّ قطاع نشر الكتب التعليمية الأكثر نموًا والأكبر حجمًا إذ يبلغ حجم سوق الكتاب التعليمي عالميًا ٣٠٠٠ مليار دولار سنويًا، والولايات المتحدة هي الكبرى عالميًا، تليها أوربا.
المفأجاة هي دخول الهند في حركة النشر
فمنذ عام ٢٠١٩م تجاوزت بريطانيا لتصبح الاقتصاد الخامس دوليًا في هذه الصناعة .
ومن اللافت للنظر أنَّ الهند تصدّر كتب التعريف بالإسلام والكتب الإسلامية باللغة الإنجليزية إلى عددٍ من الدول.
تتوالى الأرقام فمن بين ٧٨٨ مليون كتاب مطبوع، ٤٠٪ منها روايات، تمثل الولايات المتحدة الأمريكية ربع حجم السوق الدولي للكتب،وأنَّ مبيعات الكتب عبر شبكة الإنترنت تمثل٧١٪ من حجم المبيعات في الولايات المتحدة، وأنَّ الدول الخمس الكبرى في حركة النشر : الولايات المتحدة الأمريكية ، والصين، واليابان، وألمانيا، والهند يتوقع أن تكون حصتها من السوق الدولي عام ٢٠٢٧م ما يقرب من ٦٨٪ من إيرادات مبيعات الكتب دوليًا.
نستطيع بناءً على هذه المعطيات أن نقول بضرسٍ قاطعٍ ـ مع عدم بقاء الأسنان اللبنية طبعًا ـ أنَّ الكتاب والقراءة بألف خير، ولا يمكن غض الطرف،أو تجاهل لغة الأرقام والإحصاءات التي تجعل المرء يحلم أنَّ التوق الإنساني للخلود ربما وجد خلاصه في الكتاب !




