سياسة

الغابة الكبرى (2)

بقلم: سالم بن محمد بن أحمد العبري
قال الحفيد عبد الله: لِمَ توقفت عن القول؟؛ قلت: اضطررت أن أذهب للتعازي وهي واجب يصعب الوفاء به، لأن العالم أصبح قرية واحدة كما يقول المنظرون والإعلاميون والاتصاليون ووسائل الاتصال الحديثة حيث تأتي لك بالأخبار من القاعة الأرض فتحرك فيك محاولة الوفاء والتواصل مع كل من ينتسب لك أو يعرفك بالعمل والثقافة والفكر، وهذه الحالة بها نعمة التواصل واللقاء فقد يكون شخص ما قد غاب عن ناظريك لفترة طويلة قد تنسيك إياه الأيام، ثم ما تلبس أن تجده في فناء الأعزية. يا عبد الله جدك قد افتقد أخا كريما منذ عقد ونيف الأخ و الزميل السابق بالإعلام (حماد الغافري) بعد أن انتقل إلى وزارة الخدمة المدنية وصرت ألقاه حين أمر بتلك الوزارة مع جدك عبد الرحمن إبراهيم وحين تتابع خروجهما افتقدته، والتقيته منذ عام فلم يبارح سبلة الحزم من تعزية أحد رجالاتهم من بني غافر وهو حمد بن سيف الغافري أتى حماد حماد ليلة القبيلة ربما وتواصلنا نحن بصلة القرابة الأسرية فوالدة حمد ابنة خالة جدك الشيخ محمد بن أحمد العبري وخالته ريّة بنت عبدالله بن شامس العَبرية كانت شغوفة بجدك؛ فحين ذهب جدك الأقرب لزيارة الوادي قي صيف سنة ١٣٧٧ هجريّة، وكان قد أكمل عقده الأول، كان يبيت معها في غرفتها ببيتهم المشهور بـ(عَمق) بوادي السحتن، وحين ذهب للخارج للدراسة واستبعدت عودته القريبة نذرت أنها ستذبح عجلا حنيذًا حمدًا لله، وسرورًا برجوعه للوطن، وكانت يا عبدالله قد زارت هذه الخالة ولاية الحمراء في منتصف ستينيات القرن الهجري الماضي بعد أن انتقل الآباء للسكن في (بيت المُغري).
فكان لزيارتها للحمراء صدى يشبه زيارة الشخصيات الشهيرة الكبرى، فذُبحت الذبائح تقديرا وإكراما لها، وقد أولم البعض لها أكثر من مرة وكانت جدة أبيك شمسة بنت بدر بن سالم بن بدر بن محمد بن زهران المُضيف الأول، والرفاق الذىن لم يغادر اسمها لسان الخالة (رية)، وجاء حبها لجدك من بعثات من تلك الصلة وذلك الإكرام والاهتمام.
عبدالله يا بني إن كنت وسائل التواصل الاجتماعي قد سيطرت على اهتمام ووعي والإدراك الشعوب، فإن وسائل الإعلام الجماهيري، كما أطلق عليها علماء الإعلام قد فقدت تأثيرها على الجمهور والشعوب والأمم، وصارت هذه الوسائل الجديدة هي المسيطرة والموجّهة بل والحاكمة لحركة الجماهير، ولذلك فقدت الدول سيطرة التوجيه والتثقيف والإعلام البَنَّاء ذي الأهداف الوطنية والوحدوية والتنموية، وصارت الاستهداف الخارجي في الوحدة والوطنية والتنمية هدف هذه الوسائل وإشاعة الاستهلاك الطفيلي الذي ضرب أهداف التنموية والصحية منها، و صارت التوجّهات الاستعمارية والاستهلاكية غاية هذه الوسائل، وصار الإعلام العربيّ التغريبيّ يُمهد لتلك التوجيهات المضادة لوحدة الأمة العربية والإسلامية خاصة ولكل الأمم المتحررة الاستنهاضية والداعية إلى لعدل والتحرر.
يا ولدي عبدالله هل تعلم حين كان الإعلام العربي الناهض بالوحدة العربية والضمان العربي كمظهر حديث لوحدة الأمة والتصاق مصالحها وأهداف السيادة الوطنية التنموية، لم تكن هذه الوسائل الغثة العفنة قد سيطرت على العالم الفضائي ولم يكن الإعلام الممول من ثروات النفط الضخمة الفائضة عن احتياجات الشعوب الصغيرة المسلوبة إرادتها، وكان الإعلام العروبي المنبعث من القاهرة ودمشق وبغداد هو الموجه للأمة والساعي لمصالحها وتنميتها وسيادتها. ولم يكن إعلام العدو يكاد يؤثر مثل (بي بي سي) إذ كان يقابله إعلام عربي متمثل بـ(صوت العرب) يقوم بالرد القاهرة الماحية لكل أكاذبهم ومؤامراتهم ، وكان تعليق واحد من. الإعلامي (أحمد سعيد) بإذاعة صوت العرب يعيد كلا إلى مكانه الطبيعي، فلا يتآمر الصغير على الكبير على مدى الزمن؛ ولا يشتري العبد الرجال والعقول والضباط والأبناء بملايين الدولارات التى انهارت دون حاجة بل صيَّرت من تكتب باسمهم بارونات العصر وفراعنة الدهر فباعوا الجاهلية الأولى فالعبد يُرفع والحر يُضام والمرأة تتسيّد إن أسفرت عن مفاتنها والظل يصير شمسا.
يا حفيدي لقد أرهقتنا نكسة عبد الناصر 1967 فقال ما يجب أن يقبل، فحيِّد إعلام الأمة وعزل أحمد سعيد وأمثاله وقبلنا الذلة ولم نرفع شعار( هيهات منا الذلة) التى يرددها بها المتشيعون لآل البيت وهي زاد في المحن، وبدأت حمامات السلام والاستسلام ترفرف على الأمة من المغرب ومصر مرورا بالجزيرة وامتدادا لرومانيا وكامب ديفد ووارسو إلخ، وامتحن العراق بعد أن ولى وجهه شطر الأعداء والمنافقين والميادين ثم زُجَّ إلى الكويت وبذا جر الأقارب غير الشرعيين والميادين على الأحرار من كل أسواق النخاسة، وجئ بالغرب ليحرر ليبيا من القذافي الذي هو ليس بأسوأهم بل أقدرهم على بعض التوصيلات وحمل ذهب الدينار الأفريقي العربي ليصاغ منه زينة عُرس الغرب الذى استكمل في ٨ ديسمبر ٢٠24 بالحارة في دمشق والقاهرة وبغداد وطرابلس، و صار الاستعمار يمد أجنحته على الشرق العربي الإسلامي، ليتفرغ للأقرب له بالغرب الجنوبي، وقد كشف الستر ونام الكل وتخوف من الصحوة فلا يهش ولاينش، فسيق مادورو أسيرا مربوط اليدين مرافقا لقرينته التى أثرت أن تصفد ولا تترك الرئيس، وصار مادور، كأمراء الأندلس حين أُسروا وسيقوا إلى المنافي والشتات.
لقد أنهيت تلك الشريعة الدولية التى اجتهد المنظرون الأحرار على صياغتها بوصفها الشرعية الدولية التى تصون الكرامة والإنسانية وتقيم العدل المنشود للفرد والدول، فإذا هي تسقط في ال 3 من يناير ٢٠٢٦ حين أُخذ مادورو قسرا وقهرا إلى نيويورك ولم تنتفض الأمم المتحدة ولم ينعقد مجلس الأمن للمطالبة بالإفراج عن رئيس دولة عضو بالأمم المتحدة التى يظن أنها حماية للسيادة والكرامة لكل من يرفع علمها بتلك الأرجاء للتعبير عن السيادة المكذوبة المزيفة وكان على الأمين العام والموظفين بتلك الهيئة الواهمة الموهمة الانتفاض والتمرد، ولكن تبًّا لكل تلك الهيئات والرجال الذين لم يغادروا مبنى الأمم المتحدة حتى عودة الرئيس (مادورو) وحتى تنتقل تلك المباني من نيويورك إلى بلد الصدق والوفاء والأمان
واليوم يكتمل أسبوع ويزيد على مأساة الرئيس (مادورو)؛ بعد جريمة ومهزلة وأسره من قبل دولة غربية ترحيله إلى نيويورك ليحاكمه فرعون العصر (ترامب) الذى هو من كان يجب أن يحاكمه شعبه ومؤسساته على جرائمه وألفاظه القذرة، التى لا يجب أن يتفوه بها مسؤل دولي، لكن هذا العصر عصر ترامب وأمثاله.
مضى أسبوع وأكثر على هذه الجريمة وكان شيئا لم يكن، كان يلزم أن تبقى مؤسسات الأمم المتحدة في حالة انعقاد وكبار مسؤليها وموظفيها مضربون عن العمل بل يغادرون مبني مقرهم الآثم المسجون كسجن مادورو، ولكن مجلس الأمن يُصدر قرارا أو بيانا يقر فيه بخيبة هذا العصر وتلك الفعلة، وينص على المطالبة بالإفراج السريع عن رئيس دولة ذات سيادة على توصيف المنظمة ويشير إلى أنه في حالة انعقاد دائم، بل يلزم أن لم يطلق سراح مادورو خلال المدة التى تحدد فإن الدعوة يجب تكون بعقد قمة دولية للدول الحرة تُعقد في بكين أو موسكو أو كوبا أو جنوب أفريقيا لتتخذ قرارات هامة واستراتيجية حول منظمة الأمم المتحدة وحول عضوية الولايات المتحدة الأمريكية ومقر المنظمة وتعديلات أخرى في مؤسسة الأمم من حيث المقر والقرارات وتشكيلات المنظمة وصياغة قراراتها وتنفيذها ، واختيار العاملين بها وأولهم الأمين العام، وآليات محاكمتهم لمن يهمل أو يستغل أو يُشترى أو يخون خيانة يمكن تسميتها بالخيانة العظمي حتى ولو ظهرت تلك الأفعال بعد ترك العمل كما هو واضح مع عدد كبير من مفتشي الأمم المتحدة في المهام الخاصة كما حدث بالعراق ويحدث الآن مع إيران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى