أدب

قراءة نقدية في مسرحية (روازن غرفة مصبّح)

بقلم : د. هاشم صيهود المياحي
جامعة المستقبل | العراق

تُعَدُّ هذه المسرحية لكاتبها الشاعر عبد الرزاق الربيعي، والمُعَدَّة بتصرّف عن رواية صابرة وأصيلة للكاتبة غالية ف. ت. آل سعيد، الصادرة عن دار رياض الريّس للكتب والنشر – بيروت 2007. إخراج: سعيد عامر، وأداء : يوسف البلوشي ونور الهدى الغمّاري، وهي من المسرحيات التي تلامس الواقع المعيش للبيئة العُمانية إبّان الحقبة التي مرّت بها السلطنة، ولا سيما خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث شظف العيش وقسوة الحياة بكل تجلياتها.


وأزعم أن رمزية “الرُّوزْنَة” في المسرحية، وجمعها “رَوازِن”، تشير إلى نافذة الأمل التي كان يتطلّع إليها مُصَبِّح الحفيد نحو آفاق أرحب، لتصل الماضي بالحاضر فالمستقبل. قامت المسرحية على استدعاء الذاكرة الفردية بوصفها مدخلاً إلى الذاكرة الجمعية؛ إذ يزور الحفيد المتحف ليجد نفسه أمام غرفة الجد، فيتحوّل المكان إلى نص حيّ يستعيد من خلال هذا الاسترجاع (فلاش باك) سيرة رجل بسيط صنع وجوده من العدم، وأحال تفاصيل حياته اليومية إلى فضاء أدبي أوسع يتجاوز حدود التجربة الشخصية.
إن الحكاية هنا ليست مجرد سرد لسيرة فرد، بل هي إعادة بناء لوعي جمعي حين يتقاطع الماضي مع الحاضر، وتتحوّل الغرفة إلى رمز للذاكرة التي تختزل معنى الكفاح والبراءة والإيمان. فالشخصية المحورية في المسرحية، مُصَبِّح الجد، ليست شخصية عابرة، بل هي صورة الإنسان المأزوم الذي يواجه قسوة الحياة بعفوية، ويصنع من بساطته نموذجًا يتجاوز حدود الزمان والمكان. فيما يؤدي مُصَبِّح الحفيد دور الراوي، ذلك الراوي العليم بكل شيء، الذي يعيد تركيب هذه السيرة ويحيلها إلى خطاب أدبي يطرح أسئلة عن الهوية والحرية والإنسان.

أما حضور المرأة في النص المسرحي من خلال شخصيتي صابرة وأصيلة، فإنه يفتح آفاقًا أخرى للقراءة والتأمل؛ إذ يضع المرأة في قلب المعادلة الأدبية، ويجعلها صوتًا للطموح وسورًا منيعًا في مواجهة القمع الأسري والاجتماعي. فـصابرة ليست مجرد شخصية ثانوية، بل هي رمز للمرأة الباحثة عن ذاتها عبر نافذة المعرفة، تواجه سلطة الأخ المتشدّد بالعلم والبصيرة، فتصبح الحكاية انعكاسًا لصراع بين الحرية والقيود، وبين الحلم والواقع، وبين المعرفة والجهل.
ويتراءى لنا أن النص المسرحي، وكأنه في جوهره مقالة أدبية تعبّر عن عظمة الكفاح ووعي الذاكرة؛ إذ يربط رحلة الجد من الرستاق إلى مسقط بمفهوم الهجرة الداخلية، ويجعل من تفاصيل حياته اليومية صورة حيّة عن قدرة الإنسان على صناعة وجوده رغم الفقر والخذلان. وعلى الجانب الآخر، نرصد شخصيات أخرى كان لها دور في إضفاء البُعد الفكري للنص، من خلال شخصيات المدرسين الذين تنازعوا في قضية زواج الجد مُصَبِّح، فاستحال الحوار إلى قضية جدلية بين الشرع والعادات والحداثة، فكشف عن تعددية المرجعيات الفكرية للمجتمع العربي عامة، والمجتمع العُماني خاصة.
فأصبح النص بذاته مضمارًا للنقاش والجدل الأدبي والفكري، ليدل على أن القيمة الأدبية للمسرحية تكمن في قدرتها على الجمع بين الذاتية والموضوعية؛ إذ لا تكتفي بسرد تفاصيل حياة الجد كما أسلفنا، بل تحيل حالته إلى نص أدبي متعدد الأصوات يستدعي التراث ويعيد توظيفه في إطار معاصر.
أما فيما يتعلق بلغة المسرحية، فإنها – فضلًا عن كونها لغة سردية وصفية – كانت لغة مفعمة بالشعر والغناء والموال، ومنسجمة مع طابع الحزن الذي خيّم على أجواء المسرحية؛ إذ تخلّلها حضور نصوص شعرية قديمة وأغنيات شعبية، لتصبح الكلمة أداة استحضار للزمن الثقافي العربي، وتتحوّل الحوارات إلى سجال أدبي يوازن بين الأصوات المختلفة ويكشف عن تعددية الرؤى داخل المجتمع.
وعودًا على بدء، فإن المسرحية طرحت نفسها بوصفها نصًا أدبيًا قائمًا على استدعاء الذاكرة وتهذيب سلوكها، وأكدت أن المسرح ليس مجرد فضاء للعرض، بل هو نص أدبي قادر على أن يستفز المتلقي ويستنفره، كما لو شاهده على منصة العرض، ليغدو المسرح نصًا مفتوحًا على الحياة. وهكذا يبرهن الأدب المسرحي على قدرته أن يكون مرآة لتحولات المجتمع، ووثيقة عن معنى الإنسان حين يواجه مصيره بالكلمة والذاكرة، ويحيل تجربته الخاصة إلى نص أدبي خالد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى