القصيدة التي وجدت في زنزانة أبي فراس الحمداني

شعر: قاسم العايدي| العراق
حملتُ فؤاداً لا يقاسُ به الصّبرُ
ولامستُ أمراً ينتهي عندَه الأمرُ
وأُسقَطتُ مِن سطرِ النّهاياتِ أحرفاً
لأنّي بيومِ الفصلِ يفضحُني السّرُّ
عرضتُ أمامي ذكرياتي جميعَها
وأمسكتُ (دمعاً من خلائقِه الكبرُ)
تحمّلتُ ثقلَ الأسرِ حتّى رسمتُهُ
بهيئةِ شخصٍ ينحني عندَه الظّهرُ
وَمَا كنتُ أخشى القيدَ يأتي لمعصَمي
ولكنَّ خوفِي أَنْ يموتَ ليَ الفكرُ
سأبقى عزيزاً رغمَ سجني لأنّني
عصيٌّ على الأغلالِ ما أمطرَ العمرُ
لقد كنتُ صنواً للبطولاتِ ماسكاً
زمامَ حروبٍ تاهَ في وصفِها الدّهرُ
أقارعُ أمواجَ الصّفوفِ بقبضَتي
ورُبَّ حسامٍ ضاقَ ذرعاً به الصّخرُ
وإنّي إذا اشتدَّ الزّمانُ لصابرٌ
كصبرِ بلادٍ لا يليقُ بها كسرُ
أغضُّ جُفوني عن أمورٍ كثيرةٍ
وما بي عمىً عنها ولكنّني حرُّ
تغرّبتُ عن أهلي وصحبي وجيرتي
وآثارِ رملٍ قد يتيهُ بها البحرُ
وأبناءِ عمٍّ أسلموني لوحشَتي
فصرتُ حليفَ الحزنِ يأكلُني القهرُ
رمَوني بسهمٍ جاحدٍ من نبالِهِم
فوا ضَيعةَ القُربى إذا انعدمَ الذُّخرُ
ولو كانَ طعنُ السّيفِ يُدمي بخافِقي
فطَعنُ ذوي القُربى لهُ الأثرُ المُرُّ
تمنّيتُ فيهم ناصراً يُبعدُ الرّدى
فكانوا همُ الضُّرَّ الذي سنَّهُ الضُّرُّ
صبَرتُ على ظُلمِ ابنِ عمّي لأنّني
أخافُ على التّاريخِ يقلِبُه الغدرُ
فمن أينَ للنّسيانِ يأتي لخاطِري
(وقد متُّ ظمآناً وما نزلَ القطرُ)
وكنتُ إلى (حمدانَ) ركناً مبجّلاً
وها أنا في القضبانِ يمضغُني الصّبرُ
تمُرُّ بيَ الأَيّامُ سوداءَ كالدُّجى
ويقتُلُني فيها التغَرُّبُ وَالأَسرُ
تضيقُ بيَ الجدرانُ وَالرّوحُ حُرَّةٌ
وَما غُلَّ قَلبٌ لَيسَ يَعرِفُهُ الذُّعرُ
سأُشرِقُ في التّاريخِ ضوءاً برغمِهِم
فَما ضرَّ شمسَ الأُفقِ لو جَحدَ الفجرُ
(سيذكرُني قومي إذا جدَّ جِدُّهُم
وفي اللّيلةِ الظّلماءِ يُفتقَدُ البدرُ)


