أنا

شعر: مروان عياش| سوريا
أنا يوماً ما
كانتْ صرخةٌ تُعلنُ عنّي
مستبِقةً كلَّ حياتي بالبكاء
ليس هذا قراري
لكن عليَّ أن أكون أنا
فكلّ الماءِ في قريتي أنا
وكلّ التلاوينِ في عُصبةِ جدّتي أنا
أنا مسجدُ الحارة
مدرسةُ الشهيد
دربُ البيدرِ و رائحةُ القشّ
وأنا اليوم بلا أنا… أعيش
هناك
في القرية التي أنجبتْ الشمس
ينسابُ وادٍ جميلٌ
يجرُّ نهارَهُ على مهلٍ
ويتركُ للقصبِ هديلاً
وللشقائقِ الحمراء درساً قبل الغروب
هناك
أنا الماءِ في السواقي
حيث لا تعطشُ النساء
أنا نقطةُ الندى على خدِ عاشقةٍ آرامية
ورفَّةُ جناحٍ
تُعلِّمُ صغارَ الحمامِ طريقَ السماء
أنا ظلُّ شجرةِ التين في ذاك الغدير
وخريرُ السيلِ
حينَ يوقظُ حجارةَ الوادي كل صباح
هناك في مسجدٍ قديم
أشدُّ الأذانَ بخيطٍ من هواءِ السهول
فيرجعُ صوتي إلى صدري
كحَبّةِ قمحٍ ضلَّتْ الموسمَ ثم تابتْ مع الحصّاد
وهناك دربُ البيدرِ الطويل
يميلُ مع السنابلِ مثلَ صفوفٍ من صلاةٍ بلا إمام
وأنا هناك …
أتتبّعُ آثارَ المواسم
فأعثرُ في القشِّ على قناطر قديمةٍ
تدعوني للسلام على ميلياغروس العظيم
يا واديَ القريةِ الجميل
إذا مررتَ هذا المساء
فاسقِ قلبي قليلًا
ودَعْني أنامُ في حِجركَ الأخضر
فلعلّي إذا صحوتُ
أجدْني….ولو مرّةً…. أنا.
دعني..
حتى يهبط َالقمرُ إلى الحقول
ويأخذُ الوادي نفساً عميقاً من النرجس
كأنّهُ يتهيّأُ لعشقٍ طويل
دعني في عُشِ الدوري كالأطفال
أغفو فوقَ ريحٍ
تُنقِّلُ شالَ أمي من حُلمٍ إلى حنين
دعني…
كي تعرفَ دموعي معنى البيت
ويستذكرَ قلبي
أني حكايةُ طفلٍ وبخار
طفلُ النافذةِ الغربية
وبخارُ الانفاسِ في الشتاء
كنتُ..
أخطُّ نهراً صغيراً
وأُطلِقُ زورقاً من إصبعي
ثم أضحكُ حينَ يبلغُ حقلاً من ضباب
وفي الربيع
أَكونُ خيطَ شمسٍ على أكتافِ السهل
وأصيرُ عطرَ لوزٍ
ينتبهُ فجأةً لِرعشةِ الزهر
أكونُ..
عطشَ الحصّادين في الصيف
أعدُّ السنابلَ
كي لا تتيهَ منهم ساعةُ الظلّ
أدلُّ العابرين على سر توتةٍ
وأفضحُ الماءَ في الخوابي
أنا خشخشةَ الأوراق
أتعلمُ كيفَ أُودعُ الدربَ بلا ضجيج
أكونُ يداً خفيّةً للخريف
تُعيدُ القشَّ إلى حكاياتِهِ القديمة
وأنا اسمي
الذي ضاعَ في أفواهِ الحارات
نِصفُهُ دَلَعٌ قديمٌ… مرٌ
ونصفُهُ موالٌ يُناديني في كل… آن
وأنا اليومَ… أقلُّ بلا أنا
وأكثرُ قليلًا منّي .




