حوار

الكاتب السوري الكندي أدهم سراي والإعلامي مصطفى عمار وجهًا لوجه

حاوره- الكاتب الصحفي المصري مصطفى علي عمار

“أدهم سراي الدين، كاتب سوري-كندي، يتنقل بين عوالم الأدب والذكريات. في هذا الحوار، يتحدث عن مسيرته الأدبية، تأثير الهجرة على كتابته، وأهمية الذاكرة في تشكيل نصوصه. يشارك أدهم تجاربه مع الأدب الروسي، تأثير البيئة على أسلوبه، ودور المرأة في قصصه.”

★ سرنا أن نتعرف عليك أكثر. ممكن تخبرنا عن نفسك، مسيرتك الأدبية، وأهم أعمالك التي قدمتها للجمهور العربي؟
– أنا أدهم سراي الدين قاص وروائي ،بدأت مسارات تجربتي في لكتابة و السرد منذ تسعينيات القرن المنصرم ، وصدرت لي عدة كتب أو أعمال في لقصة و الروائية منها مجموعات قصصية : عينان .. ابتسامة و فنجان شاي 2- يعود الماضي مختلفاً 3- يوم الحساب وقصص أخرى 4- هوامش على دفتر الذاكرة .
كما صدرت لي رواية نوقيلا بعنوان المهاجر و وراية البجع الاسود. حالياً لدي رواية جديدة قيد الطيع عن هيثة الشارقة للكتاب في الامارات العربية المتحدة بعنوان الام و ستصدر قريبا في 2026.
★ ما هو تأثير الهجرة على هويتك الأدبية، وهل تشعر بأنك كاتب “سوري” أم “كندي” أم “عالمي”؟
-الهجرة و السفر لعبا دوراً محورياً في تشكيل ذاتي الأدبية و الثقافية … أنا اشعر أنني أمثل العالم أكثر من كوني من جبل السويداء أو حتى كندياً مع أني أقدر كل تلك الدول خرجت منها أو عشت و تعلمت فيها فأنا تعلمت في روسيا 6 سنوات أتقن الروسية و الانكليزية فضلا عن العربية ما قدمته لي تلك الدول مجتمعاتها الكثير من الخبرات و الثقافات .. ومن هنا أظن أ، ولائي الحقيقي للإنسانية جمعاء و للكون وما فيه.
★ قضيت 6 أعوام في روسيا للدراسة؛ كيف أثرت هذه التجربة واطلاعك على الأدب الروسي (دوستويفسكي، تشيخوف) بلغته الأم على أسلوبك الأدبي؟
– رحلتي الدراسية كانت منعطفاً كبيراً في حياتي على جميع المستويات ومنها طبعاً الثقافية .حيث تعلمت في موسكو صاحبة العيون الرطبة. هناك تعلمت اللغة الروسية ، و اطلعت على مدارسها الادبية الكلاسيكية و الحديثة . شغفت ب دستويفسكي حد التماهي بأفكاره و أبطال رواياته وقرأت تشبخوف شولوخوف و تولستوي كذلك تورغنييف وراسبوتين وآخرين …
حقيقة ، كل لغة تتعلمها تكسبك مفاتنها وأسرارها ، تشعر أنك ملكت شخصية أخرى ترافقك ، تشبهك لكنها لست أنت بالضبط ربما تكون ظلك… أيضاً تلك الطبيعة الجديدة الغابات ، وتدرجات اللون الأخضر و الخريف البرتقالي الساحر في روسيا الأسيانة وأوراق الشجر المتساقطة على الدروب الظليلة ، كل ذلك شكل مزاجات وأحاسيس متنوعة في وجداني المراهق آنذاك.
★ من “فريق الصقور” واللعب بكرات الثلج إلى التشتت في المنافي؛ هل الكتابة بالنسبة لك هي محاولة لجمع شتات هؤلاء الأصدقاء الذين لم يتبقَ منهم سوى رسائل “واتساب” مقتضبة؟
– الحقيقة، هناك خيط رفيع وهمي ما بين الماضي ، الحاضر و المستقبل… الماضي يبدو لي في كثير من الأحيان متحفاً للذاكرة، نزوره و نرى إلى أنفسنا أطفالاً أشقياء ،نتأمل في تماثيلنا المنتصبة في متحف الذكريات، كيف نحتناها بخيالنا المعاصر أكثر مما شكلتها أحداث الماضي… نكّون فرق النسور، و الصقور و النمور – فرق كرة القدم – نلعب و نتبارى في حارات المدينة نضحك ونبكي ونحن نفوز بالكاس… وفي فصل الشتاء أيام سقوط الثلج ، نفرح بذلك البياض الهائل و بالضباب الذي نزفره من أفواهنا و أنوفنا ونحن نلهث راكضين نحو بيوتنا طالبين الدفء . لكننا بالنهاية نغلق باب المتحف الموارب من دون أن نلمس شيئاً من تلك الاحداث لأننا لا نستطيع أن نغيّر بها شيئا ونعود إلى تفاصيل حاضرنا المثقل بأسئلة الحياة و العيش اليومية.
★ تقول إن “الطبيعة تلعب دوراً في تشكيل لغة الكاتب ومزاجاته”؛ كيف انعكس تباين المشهد البصري بين طبيعة “السويداء” الجبلية وغابات “موسكو” الكثيفة على قاموسك الوصفي؟
– الطبيعة أبداً ليست عنصراً ساكناً في تجربة أي كاتب، بل هي (دينامو) لتجديد اللغة و رفع الحساسية الكتابية و المشاعرية تجاه كل شيء في هذا العالم. اللغة لا تتشكل فقط بالقراءة ، بل من خلال المعاينة ، التجربة و المشاهدة بحواسنا كلها … إحساس البرودة و قسوته على الشفاه و العينين ، وثقل حرارة الشمس على الرأس و تصبب العرق وتنوع الفصول ، و تمايزها من مكان إلى آخر… أنا شخصياً ، عشت طفولتي في جبل السويداء ، حيث خبرت هناك الثلج ، الريح والبرد القارس ، هناك تشكلت عندي لغة جبلية مليئة بالاتساع و فيها مساحات حرية .. لاحقاً استكملت دراستي في منطقة شمالية باردة مليئة بالأنهار و الغابات المتدرجة الخضرة حد الدهشة العارمة (خريفها ذات اللون البرتقالي الغني شديد الروعة و الحضور الذي لا تنساه الذاكرة، رسمته الطبيعة بريشته الاسطورية الهائلة و الغامضة)
هكذا و جدت نفسي أمام قاموس بصري مختلف .. تساقط أوراق الخريف ، حركة الماء في الانهار والضباب المعلّق على فروع الأغصان العالية . لا زلت أذكر شعوري أول مرة رأيت فيها موسكو من نافذة الطائرة: بدت لي كمدينة سحرية مفقودة وسط الغابة. لا شك كل هذه المناخات بتبايناتها و مفارقاتها تصنع مزاج الكاتب أو الفنان وتعيد تشكيل هويته الكتابية والإنسانية.
★ تستشهد برواية تورغنييف “الحب الأول”؛ برأيك، هل الأدب هو القادر الوحيد على تخليد تلك المشاعر الجياشة والاضطرابات الفيزيولوجية التي تصاحب تجربة الحب الأولى؟
– نعم، استشهدت بأحد لقاءاتي الصحفية برواية تورغنيف (الحب الاول).. لا شك بأن الادب و الفن يخلّد لأنه يذهب إلى التفاصيل و الهوامش التي تشكل (أثر الفراشة )للمشاعر و فورانها .الفن والادب يبني قصص الانسانية و ذاكرتها الحقيقية
★ تؤمن بقاعدة أن القراءة يجب أن تشغل 50% من وقت الكاتب؛ ما هي الكتب التي شكلت عالمك الأدبي؟
– أعجبني أحد شعارات معرض القاهرة للكتاب (من لا يقرأ يوماً يتأخر قرناً).
أنا كثير الايمان بأن القراءة يجب أن تشغل مساحة لا تقل عن نصف وقت الكاتب، وربما أكثر في المراحل الأولى من التكوين. الكاتب الذي لا يقرأ يعيش على مخزون قديم، سرعان ما ينضب ويتحوّل إلى تكرار باهت لنفسه.
أما بالنسبة لي، القراءة لا تقل أهمية عن ممارسة الكتابة ذاتها. هي شرط من شروط البقاء الإبداعي. إضافة إلى متعتها اللامحدودة، تقوم القراءة بتجديد تربتي الادبية الداخلية، كما المطر حين يتحدر على أرض عطشى، ليوقظ كمون الحياة في أعماقها.
أما الكتب التي شكّلت عالمي الأدبي، لا زلت أذكر أول رواية قرأتها وهي بعنوان (حفنة تراب على نهر جغجغ) للكاتب وهيب سراي الدين وبقيت طوال الليل حتى أنجزت قراءتها وبعدها حزنت أنه لم يعد هناك فصولا أقرأها. أنا اطلعت على معظم المدارس الادبية، الروسية والالمانية و الفرنسية و الانكليزية اضافة لقراءاتي الكثيرة في الشعر و الفلسفة التي تعلمت من خلالها الايجاز ونحت الايقاع للنص فالحقيقة تكمن أيضاً بين السطور وفي الاشياء التي لا تقال في النص أحياناّ.
★ في مجموعتك “هوامش على دفتر الذاكرة”، يتم التعامل مع الذاكرة ككيان فاعل يعيد إنتاج الحاضر لا كمستودع للماضي؛ هل هذا يعني أننا نكتب لنتذكر، أم نكتب لنفهم لماذا تغيرنا؟
– الذاكرة هي ذلك الحلم البعيد الذي لا تدري كيف حدث، كنجوم مبعثرة في صحن سماء سوداء. تلك النقط/ النجوم هي اكسير الحياة، تمدني بالخيال كي أملأ فراغات النسيان و زهايمر الزمن لذلك الذاكرة حية و متفاعلة نتكئ عليها فتشكل حاضرنا و قادمنا في كثير من الأحيان.

★ ابتعدت في “الهوامش” عن السرد التقليدي (بداية، عقدة، نهاية) لصالح كتابة “الأثر”؛ هل تعتبر هذا الأسلوب مغامرة قد تربك القارئ الباحث عن الحكاية التقليدية؟
– ربما كان خياراً لا واعياً في مجموعتي (هوامش على دفتر الذكريات)، فأنا لم أخطط لذلك . ربما تلك الطريقة من الكتابة و التداعيات و كتابة (الأثر) قد تربك القارئ المستعجل في القراءة. لكنني أراهن على التجريب و المغامرة في الكتابة و كذلك على القارئ الذي لا يبحث عن الحكاية المريحة الكلاسيكية، وهو مستعد أن يتوه قليلاً في بحر الكتابة وأن يملأ بعض الفراغات بنفسه.
★ في حديثك عن نهر ساسكاتشوان، حولت النهر من عنصر جغرافي إلى استعارة للمصير الإنساني؛ كيف يتحول المكان في قصصك من حيز فيزيائي إلى حالة نفسية داخلية؟
– أن أؤمن أن المكان ليس عنصراً ( ستاتيكاً) ساكناً ومحايداً في القصة. المكان يتفاعل مع شخوص القصة ليكشف حالته الوجدانية وقلقه الوجودي . نهر ساسكاتشوان في قصة (هل تمطر سماؤك الأن؟) يعكس توتر بطل القصة وقلقه وشعوره العميق بالغربة و الحنين إلى أرض الطفولة فضلا عن احساسه بقدره المحتوم كقدر النهر السائر نحو مصبه الذي لا مفر منه.
★ نلاحظ حضوراً طاغياً للأنثى (الأم، الجدة، الحبيبة) في “هوامش على دفتر الذاكرة”؛ هل المرأة في أدبك هي المعادل الموضوعي للزمن الجميل الذي مضى؟
– حضور المرأة في مجموعتي القصصية ( هوامش على دفتر الذاكرة) ، أراه انعكاساً ولو حتى جزئياً لحضورها العميق على مسرح الحياة وتفاصيله الصغيرة… الجدة ، الأم ، الحبيبة ليست شخصيات مسطحة ذات بعد واحد ، بل هي متعددة الطبقات متجذرة في عميق الذاكرة. إني أراها كعدّاء السباق الذي يأتي من البعيد من خلف جميع المتسابقين فينتصر بمارثون الحياة. هي كذلك الأنثى لا تبقى في الماضي بل تتسلل لتشكل الحاضر وتبني المستقبل من خلال حنانها الفطري و حضورها الحي .
★ تميل لغتك بوضوح إلى الشعرية والإيقاع الداخلي؛ ألا تخشى أحياناً أن تطغى لغة الشعر والمجاز على متانة البناء القصصي والحدث الدرامي؟
– أنا لا أتقصد الشعرية في كتاباتي . و أعتقد أن لغتي ملوحة بالشعرية ، لكنها ليست شعرية خالصة ، بل هي تميل إلى المشهدية و الوصف الدقيق لكل تفاصيل المكان و الحدث. اضافة إلى ايقاع النصوص الداخلية التي تعطي انطباعا أصيلاً أن لغة السرد شعرية بامتياز.
لا شك أن هناك احتمالات كثيرة بأن تطغى اللغة على الدراما في القصة ، لكن المهم أن يوازن الكاتب بين كل عناصر القصة التي بين يديه، فلا يفقد النص توازنه عند خلق و تشكيل القصة و الابقاء على ذلك الخيط الرفيع لكي يجذب القارئ حتى ينهي قراءة اي قصة بدأها حتى آخر سطر فيها .
★ كيف ترى دور الكاتب في المجتمع، وهل يجب أن يكون الكاتب “صوتًا” لمجتمعه؟
– الكاتب في مجتمعاتنا مهمَّش في غالب الاحيان ،ليس لأن كل ما يكتب هو بلا قيمة ، بل لأسباب اجتماعية و ثقافية متعددة واريد أن اضيء على الاسباب المادية في هذا المضمار . الكاتب في أغلب الاحيان فقير مادياً ؛ و في مجتمعاتنا، كثير من الاحترام والضوء والاهتمام العام يأتي من خلال الثروة لا عبر المعرفة أو الحساسية الجمالية. الكاتب الذي لا يملك سلطة المال لا يؤثر . مع أن الكتابة نفسها فعل خروج دائم من مناطق الراحة الفكرية إلى مناطق التوتر و الشك و السؤال… فالكاتب الاصيل يغرد خارج السرب و لا يسعى أن يرضي أحداً…
ومع ذلك، لا أشك لحظة في أن الأدباء الحقيقيين يعتبرون ضميرا لمجتمعاتهم . إنهم يؤثّرون في مجتمعاتهم، حتى لو بدا تأثيرهم غير مباشر أو بطيئًا. الأدب لا يغيّر الحياة فجأة ، لكنه يغيّر الحس الجمعي العام على المدى الطويل عبر الاسئلة الشائكة و المفتوحة على الاجوبة المتعددة.
★ هل هناك كتاب أو أدباء معاصرين أثروا في كتابتك، وهل هناك من تراه أنموذجًا يحتذى به في الأدب العربي، وهل هناك، تجارب شخصية معينة أثرت في كتابتك، وهل هناك شخصيات في قصصك تعكس جوانب من شخصيتك؟
– أنا تتلمذت على يدي والدي الاديب و هيب سراي الدين قرأت قصصه ورواياته و تأثرت و تفاعلت معها .. وكذلك وجود مكتبة كبيرة في بيتنا كان له أثر كبير في بناء مخزوني الثقافي ، فضلا عن السفر و العمل و التعلم في ثقافات مختلفة… كل ذلك أضاف لي و لتجربتي على الصعيدين الانساني و الادبي الكثير ..
★ كيف ترى مستقبل الأدب السوري في ظل التغيرات السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة؟
– الأدب السوري يعيش اليوم أزمة عميقة، هي في جوهرها امتداد لم يحدث في سوريا من تخبّط كبير وعدم وضوح للرؤيا. الحرب الاهلية الحاصلة اليوم كسرت بنية الدولة و وحدتها وشظّت الأدب و مؤسساته الثقافية التي ما عادت تتحرك في تناغم . المشهد يبدو لي قاتما جداً ، كما لو أن البلاد سقطت في نفق أسود بلا ضوء واضح في نهايته، والأدب يتخبط في ذلك الثقب الاسود. لكن هناك أمل طالما أن الادب بحد ذاته شمعة ، فهو لا يحتاج إلى ضوء كثير كي يخرج وينقذ المجتمع من عتمة التعصب الديني و الإيديولوجيا
★ كيف تتعامل مع النقد الأدبي، وما تأثيره على عملية الكتابة لديك؟
ـ النقد الادبي عنصر مكمل وضروري لاكتمال العملية الابداعية في المجتمع .. و الادب الذي لا يتعرض للنقد الحقيقي البعيد عن الشخصنة و المهاترات أو المجاملات يكون أدباً مسطحاً ، لا ينتج أسئلة مفتوحة و لا يطرق المناطق المعتمة و الغير المفكر بها
★ ما هو المشروع الأدبي القادم الذي تعمل عليه، وهل هناك اتجاه جديد لشيء تريد أن يأخذه القارئ من قصصك؟
– حالياً عندي رواية تحت الطبع بعنوان (الأم…) وأعمل على رواية أخرى بعنوان (إنها الحرب)
★ هل هناك رسالة تود إيصالها من خلال كتابتك، وهل هناك شيء تريد أن يأخذه القارئ من قصصك؟
ـ لا شيء مباشر أريد أن أوصله للقارئ. أحب أنه إذا أحد ما قرأ كتبي أن يستمتع بما يقرأ.
و لا شك عندي من أنه سيحصل على أشياء كثيرة وممتعة وجميلة، من خلال اللغة و السرد و القصة ووجهات نظر أبطالها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى