
د. طارق عبده الحامد
يمثل التاريخ للدول والنظم السياسية أكثر من مجرد سجل للماضي؛ فهو مستودع للخبرات، ومختبر للسياسات، وساحة لصراع الروايات التي تبحث عن الهيمنة. إن العلاقة بين التاريخ والإدارة السياسية هي علاقة جدلية عميقة: فالتاريخ يقدم المواد الخام لصناعة السياسات، وفي الوقت نفسه، تسعى السياسة جاهدة لتشكيل رواية التاريخ التي تخدم أغراضها. هذا الفصل يتعمق في هذه الآلية المعقدة، وكشف الكيفية التي تستدعي بها الدول التاريخ وتوظفه في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية، سواء بوعي أم بغير وعي. من صناعة القرارات الاستراتيجية إلى صياغة الخطاب السياسي، يظل التاريخ شريكاً صامتاً أو صارخاً في كل قاعة حكم.
1. التاريخ كأداة لصناعة السياسات: من “الدروس” إلى “الإستراتيجيات”
1.1. استخدام النماذج التاريخية في اتخاذ القرار
تقوم النخب الحاكمة، خاصة في الأزمات، باستدعاء نماذج تاريخية (Historical Analogies) لتوجيه قراراتها. هذه المقارنات مع الماضي، رغم فائدتها، تحمل مخاطر كبيرة إذا تمت بسطحية.
· النموذج الإيجابي: “القيادة الملهمة”: قد تستدعي القيادة السياسية شخصيات تاريخية كرمز للقيادة في أوقات الأزمات. مثلاً، استدعى ونستون تشرشل شخصية سلفه الأول، ويليام بيت الأصغر، في مواجهة هتلر، لاستلهام روح الصمود. في السياق العربي، غالباً ما يُستدعى صلاح الدين الأيوبي كرمز للتحرير والتوحيد في مواجهة التحديات الخارجية. لكن خطر هذا الاستدعاء هو التعميم والتبرير؛ فقد تُستخدم سمعة الشخصية التاريخية لتلميع سياسات لا علاقة لها بإنجازات تلك الشخصية.
· النموذج السلبي: “تجنب أخطاء الماضي”: ربما يكون هذا هو الاستخدام الأكثر شيوعاً. فمثلاً، قرار الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية بإعادة إعمار ألمانيا واليابان (مشروع مارشال) بدلاً من معاملتهما بقسوة كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى (معاهدة فرساي)، كان مبنياً على درس تاريخي واضح: أن الإذلال والخراب الاقتصادي يولدان استعداداً للحرب الانتقامية. في الشرق الأوسط، يُستخدم “درس سايكس-بيكو” و”وعد بلفور” كتحذير دائم من الوعود والاتفاقيات الخارجية.
· مخاطر المقارنات التاريخية الخاطئة: أكبر خطر هنا هو مغالطة “ميونخ” (Munich Fallacy). بعد سياسة الاسترضاء الفاشلة التي انتهجها تشامبرلين مع هتلر في مؤتمر ميونخ 1938، أصبح أي تفاوض أو تسوية مع خصم يُوصف بأنه “استرضاء” يُنبذ تلقائياً في الثقافة السياسية الغربية، خاصة الأمريكية. هذا قاد إلى قرارات كارثية، حيث جرى تشبيه فيتنام ثم العراق بـ “ميونخ” الجديدة، مما دفع إلى رفض الخيارات الدبلوماسية والدخول في حروب طويلة ومكلفة دون مبرر كافٍ¹. التاريخ هنا لا يُفهم، بل يُسْتخدم كشعار لتعطيل التفكير النقدي.
1.2. التاريخ كأساس للاستراتيجيات طويلة الأمد
تستمد الدول رؤيتها الجيوسياسية واستراتيجيات أمنها القومي من فهمها لتاريخها وموقعها في العالم. هذه الرؤية التاريخية تشكل “نظرة العالم” (Weltanschauung) للدولة.
· الاستراتيجية الأمريكية: فكرة “القدر المتجلي” (Manifest Destiny) في القرن التاسع عشر لتوسيع النفوذ عبر القارة، ثم دور “الشرطي العالمي” أو “القوة الخيّرة” في القرن العشرين، كلها مبنية على رواية تاريخية ترى أمريكا كقوة استثنائية تحمل رسالة للعالم. سياساتها في الشرق الأوسط، من دعم إسرائيل إلى حروب العراق، تُقرأ جزئياً من خلال هذه العدسة التاريخية.
· الاستراتيجية الروسية: تتحرك روسيا الحديثة تحت وطأة صدمتين تاريخيتين: صدمة انهيار الإمبراطورية الروسية ثم السوفيتية، وصدمة التوسع الغربي (الناتو) نحو حدودها. سياسات بوتين في أوكرانيا والقوقاز هي محاولة لاستعادة ما تراه “المجال الحيوي” التاريخي لروسيا، ورفضاً للتراجع الذي حدث في التسعينيات. خطابه غالباً ما يستحضر انتصارات القيصرية والسوفيات ضد الغزاة (مثل نابليون وهتلر)².
· الاستراتيجية الصينية: سياسة الصين الخارجية الحذرة والطويلة النفس، وتركيزها على “النهضة السلمية”، تُفهم في ضوء ما تسميه “قرن الذل” (القرن التاسع عشر وأوائل العشرين) حيث تعرضت للتقسيم والاحتلال من قبل القوى الغربية واليابان. التاريخ هنا يخلق حساسية مفرطة تجاه السيادة الوطنية وأي شكل من أشكال “التدخل الخارجي”.
2. التاريخ كأداة لتبرير القرارات السياسية أو لنقدها
2.1. التبرير: صناعة الشرعية عبر رواية الماضي
هنا يصبح التاريخ أداة دعائية في يد السلطة، تستخدمه لخلق سردية تبرر أفعالها الحالية.
· توسيع النفوذ والاحتلال: تبرير الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين يستند إلى رواية تاريخية توراتية (أرض الميعاد). الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 تبرر برواية “تحرير الشعب العراقي من طغيان صدّام” مع استحضار تاريخ حكم البعث القمعي، وتشبيه صدّام بهتلر.
· القمع الداخلي: قد تبرر دولة ما قمعها لحركة معارضة بربطها بـ “عمالة تاريخية” أو “خيانة” في فترة سابقة. النظام السوري، مثلاً، وصف الانتفاضة في بداياتها بأنها “مؤامرة خارجية” تستهدف “صمود” الدولة، مستدعياً تاريخ الصراع مع القوى الاستعمارية والإقليمية.
· سياسات التمييز: كان نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) في جنوب إفريقيا يستند إلى رواية تاريخية تفوقية للبيض. سياسات التمييز ضد الأقليات في دول أخرى غالباً ما تُسوَّغ بادعاءات تاريخية عن “عدم الولاء” أو “التعاون مع قوى غازية” في الماضي.
2.2. النقد: استخدام التاريخ كسلاح للمعارضة
في المقابل، تستخدم القوى المعارضة التاريخ لنزع الشرعية عن النظام الحاكم.
· فضح التناقض: قد تظهر المعارضة أن سياسات الحاكم الحالي تتناقض مع مبادئ “الآباء المؤسسين” أو القيم التاريخية للأمة. في أمريكا، تستخدم الحركات المناهضة للحرب أو المنادية بحقوق الإنسان خطابات آباء المؤسسة (كجيفرسون ولينكولن) ضد سياسات الإدارات الحالية.
· استحضار النماذج السلبية: تشبيه الحاكم الحالي بــ “الطغاة التاريخيين” (كالحجاج بن يوسف، أو فرعون، أو هتلر) هو سلاح بلاغي قوي لإثارة المشاعر واستنفار الرأي العام ضده.
· المطالبة بالحقوق: تستند حركات التحرر والأقليات المضطهدة إلى تاريخها المظلوم للمطالبة بالحقوق. حركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter) في أمريكا، على سبيل المثال، تستند إلى تاريخ طويل من العبودية والعنصرية النظامية لتفسير واستنكار العنف الحالي ضد السود.
2.3. التاريخ في الخطاب السياسي اليومي
يتجلى توظيف التاريخ في أبسط ممارسات الخطاب السياسي:
· استخدام الرموز والتواريخ: اختيار أماكن محددة لإلقاء الخطابات (ساحة عامة لها دلالة تحريرية)، أو تواريخ معينة (ذكرى استقلال، أو نكسة، أو انتصار).
· اللغة التاريخية: استخدام مصطلحات مثل “التحرير”، “الغزو”، “الصمود”، “الخيانة”، “النكسة”، “النهضة”. كل مصطلح يحمل في طياته حكماً تاريخياً وتقييماً أخلاقياً.
3. دراسات حالة: التاريخ في السياسة الخارجية والداخلية لدول مختارة
الحالة الأولى: تركيا بين العثمانية والكمالية
تمثل تركيا نموذجاً فريداً لصراع روايتين تاريخيتين داخل الدولة نفسها، وانعكاس ذلك على سياستها الداخلية والخارجية.
· الرواية الكمالية العلمانية: أسسها مصطفى كمال أتاتورك، وترى أن الدولة العثمانية كانت “رجل أوروبا المريض” المتخلف بسبب الإسلام والتقاليد. خلاص تركيا كان في القطيعة الكاملة مع هذا الماضي، والتبني الغربي للعلمانية والقومية التركية الصرفة. السياسة الداخلية طوال القرن العشرين قامت على قمع أي إحياء للرمزية الإسلامية أو العثمانية. والسياسة الخارجية كانت حذرة، منغلقة نسبياً (“سلام في الوطن، سلام في العالم”).
· الرواية الإحيائية العثمانية-الإسلامية: التي تبناها حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان. تعيد هذه الرواية تقييم الإمبراطورية العثمانية بوصفها قوة حضارية عظمى وخلافة إسلامية، وتعتبر الحقبة الكمالية قطيعة مفتعلة وجارفة مع هوية الأمة. انعكس ذلك على:
· السياسة الداخلية: إحياء الرموز العثمانية في العمارة والتعليم، وتخفيف القبضة العلمانية الصارمة.
· السياسة الخارجية: تبني دور “القوة الإقليمية” الحامية للمسلمين (في فلسطين، ميانمار، إلخ)، والنفاذ إلى مناطق النفوذ العثماني السابق (البلقان، الشرق الأوسط، شمال إفريقيا) تحت شعار “عمقنا الاستراتيجي”. الأزمة مع مصر بعد 2013، على سبيل المثال، تفسر جزئياً عبر الصراع بين رؤية “الإخوان المسلمين” (المدعومة تركياً) التي تستحضر تاريخ الخلافة، والنظام المصري الذي يستحذر من هذا التاريخ ويرى فيه تهديداً لدولة ما بعد الاستعمار³.
الحالة الثانية: إيران بين الإمبراطورية والثورة
تشكل إيران حالة معقدة حيث تتداخل ثلاث روايات تاريخية:
· الرواية الشاهنشاهية (الإمبراطورية): التي تركز على تاريخ إيران ما قبل الإسلام (الأخمينيين، الساسانيين) والإمبراطورية الفارسية كأساس للهوية الوطنية والفخر الحضاري.
· الرواية الشيعية الثورية: التي تضع حدثين مركزيين في صلب الهوية السياسية: استشهاد الإمام الحسين في كربلاء (رمز الصمود ضد الظلم)، وثورة 1979 (تجسيد معاصر لهذا الصمود ضد نظام الشاه العميل للغرب). السياسة الخارجية الإيرانية (دعم “محور الممانعة”، تصدير الثورة) تُفهم من خلال هذه العدسة: أنها استمرار للصراع التاريخي بين المستضعفين والمستكبرين.
· الرواية الوطنية-الإصلاحية: التي تسعى للمزاوجة بين الفخر بالتاريخ الوطني والحضاري، والحاجة إلى الانفتاح والتفاعل مع العالم. هذا التيار، الممثل سابقاً بخصومة، يواجه اتهامات من التيار الثوري بـ “التبعية للغرب” استناداً إلى تاريخ التدخلات الغربية في إيران (انقلاب 1953 المدعوم من CIA نموذجاً).
إدارة السياسة الإيرانية هي عملية تفاوض مستمرة بين مقتضيات هذه الروايات التاريخية المتصارعة.
الحالة الثالثة: فرنسا والصراع على الذاكرة الاستعمارية
في فرنسا، أصبح التاريخ الاستعماري، خاصة في الجزائر، قضية سياسية داخلية حارقة تؤثر على السياسات.
· السياسة الداخلية: قوانين الذاكرة (مثل قانون 2005 الذي دعا إلى إبراز “الدور الإيجابي للاستعمار” في المناهج)، والنقاش حول التعويضات واعتذارات الدولة، كلها تعكس صراعاً على الرواية التاريخية بين اليمين القومي (الذي يريد التعتيم على الجرائم) واليسار والقوى المنحدرة من المستعمرات (التي تريد الاعتراف بها). هذا الصراع يغذي الخلافات حول الهوية الوطنية، وقوانين الهجرة، والعلمانية (laïcité).
· السياسة الخارجية: علاقات فرنسا مع مستعمراتها السابقة في إفريقيا (“فرانكفونيا”) لا تزال تحمل بصمات التاريخ الاستعماري، من النفوذ الاقتصادي والعسكري إلى استخدام العملة المرتبطة (الفرنك CFA). أي نقد لهذه السياسات يثير على الفور اتهامات بـ “معاداة فرنسا” أو “عدم الامتنان”، مما يدل على حساسية الجرح التاريخي.
التاريخ كساحة للصراع السياسي المستمر
يكشف هذا الفصل أن التاريخ ليس مجرد خلفية للسياسة، بل هو جزء لا يتجزأ من نسيجها. الإدارة السياسية للأمم هي، إلى حد كبير، إدارة للذاكرة الجماعية. الفهم الواعي لهذه الآلية يحمل عدة دروس:
1. الحذر من الاستخدام الانتقائي: على صانع القرار والمحلل أن يكونا حذرين من الاستخدام التبسيطي أو العاطفي للنماذج التاريخية. فـ “درس التاريخ” يحتاج إلى تحليل دقيق للسياق، وليس مجرد تشبيه سطحي.
2. قوة الرواية المضادة: السياسة ليست صراع مصالح فحسب، بل هي صراع روايات. القوة التي تقدم رواية تاريخية متماسكة وجذابة تستطيع تعبئة الجماهير وخلق شرعية أعمق من تلك القائمة على القمع أو المصلحة العابرة.
3. ضرورة المصالحة مع التاريخ: الدول التي تتعامل مع تاريخها بإنصاف وشفافية، وتواجه صفحاته المظلمة (كالاستعمار، الحروب الأهلية، الديكتاتوريات)، تكون أكثر استقراراً وأقل انقساماً داخلياً. أما الدول التي تكبت تاريخها أو تشوهه، فإن هذا التاريخ يعود ليطاردها على شكل صراعات هوياتية وانفجارات اجتماعية.
4. التاريخ كأداة للتحرر لا للتقييد: في أيدي النخب الواعية، يمكن أن يصبح التاريخ أداة لفهم التعقيد، واستشراف العواقب، وبناء سياسات أكثر حكمة واستدامة. أما في أيدي الديماغوجيين، فيصبح أداة لتضليل الجماهير وتبرير الحروب والقمع.
في النهاية، إن الدولة التي تدير حاضرها بذكاء هي التي تفهم وزن ماضيها، لا لتكون أسيرة له، بل لتستخلص منه الحكمة التي تمكنها من تشكيل مستقبلها بوعي ومسؤولية. التاريخ في قاعة الحكم ليس مجرد ديكور، بل هو مستشار خفي، قد يكون حكيماً إذا فهمناه، أو شيطاناً مارداً إذا أسأنا استحضاره.
—
هوامش الفصل التاسع
¹ نيل فيرغسون، الحرب العالمية الثانية: صراع العوالم، ترجمة: محمد زياد كبة، دار الكتاب العربي، بيروت، 2007، ص 400-420. (يشرح كيف شُكلت السياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب بظل “عقدة ميونخ”).
² ديمتري ترينين،روسيا الجديدة: تحديث الجيش واستعادة المكانة الدولية، ترجمة: مركز التعريب والبرمجة، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2016، ص 55-80. (يشرح الأسس التاريخية للاستراتيجية الروسية المعاصرة).
³ جنكيز كاندرا،السياسة الخارجية التركية في عهد أردوغان: من التقليد إلى التحدي، ترجمة: عبد القادر الجنابي، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2015. (يُحلل تحول السياسة التركية في ضوء التحول في الرواية التاريخية).
٤ أنتوني سميث،الأصول العرقية للأمم، ترجمة: سحر توفيق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2009، ص 150-180. (يشرح كيف تُستخدم الروايات التاريخية في بناء الهوية الوطنية وتبرير السياسات).



