أدب

من الضرورة الجمالية إلى تحولات الوعي السردي

قراءة نقديّة في كتاب "التّجريب في الرّواية العراقيّة النّسويّة بعد عام 2003" للدكتور سعيد حميد الكاظم

بقلم: د. دورين نصر

تنطلق هذه القراءة النقديّة من تتبّع المسار الفكريّ والمنهجيّ الذي يقدّمه كتاب «التجريب في الرواية العراقيّة النسويّة بعد عام 2003»، عبر مقاربة بنيته العامّة، وتحليل مفاهيمه المركزيّة، والنظر في آليّات اشتغاله النقديّ. تتّخذ الدراسة من الحوار مع الكتاب مدخلًا، وتتعامل معه باعتباره نصًّا نقديًّا مفتوحًا على الأسئلة، تتقاطع فيه الرؤية النظريّة مع التطبيق السرديّ.


تتوزّع القراءة على محاور أساسيّة تتقاطع مع أقسام الكتاب من حيث المنطلقات العامّة، من دون الالتزام بالتقسيم الحرفي للفصول. يبدأ التحليل بمناقشة التصوّر النظريّ للتجريب وعلاقته بتحوّلات الوعي السرديّ، ثمّ ينتقل إلى تتبّع تجلّياته في بنية الرواية النسويّة، مع التركيز على اشتغال الزمن والمكان وتحوّلات المعنى، قبل التوقّف عند التقنيّات السرديّة ودورها في إعادة تنظيم العلاقة بين السرد والمرجع. وتُختتم القراءة بفتح أفق نقديّ يتجاوز مادّة الكتاب، لمساءلة موقع هذا الجهد ضمن تحوّلات النقد العربي المعاصر وإمكاناته.

لم تعد الرواية، في سياق التحوّلات العميقة التي أعقبت عام 2003 في العراق، أداة لتمثيل الواقع أو إعادة إنتاجه سرديًّا، بل تحوّلت إلى فضاء لإعادة مساءلة هذا الواقع، ومراجعة أنماط فهمه وتأويله. فالمنعطف التاريخيّ الذي تلا ذلك العام لم يُحدث تغييرًا سياسيًّا فحسب، بل أسّس لتحوّل في أنماط إدراك الواقع طال أبنية المعنى، وأربك العلاقة بالزمن والمكان والذاكرة، وفرض إعادة نظر جذريّة في أشكال القول السرديّ.
ضمن هذا السياق المفكّك، لم يعد التجريب في الرواية النسويّة ممارسة جماليّة إضافيّة، بل غدا استجابة سرديّة تفرضها أزمة التمثيل نفسها. فالوسائط التقليديّة، بما تحمله من انتظام زمنيّ وبنائيّ، لم تعد قادرة على استيعاب واقع يتّسم بالانقطاع، واللّايقين، وتفكّك المرجعيّات.
تنطلق هذه الدراسة من قراءة نقديّة لكتاب «التجريب في الرواية العراقيّة النسويّة بعد عام 2003» للدكتور سعيد حميد الكاظم، وتسعى إلى الانتقال من مستوى التوصيف الظاهريّ للتجريب إلى مستوى تفكيك أسسه المعرفيّة والوجوديّة.وتتمحور الإشكاليّة المركزيّة حول الكيفيّة التي تحوّل فيها التجريب في السرد النسويّ العراقيّ من إجراء فنيّ إلى أفق تفكير يُعيد إنتاج الوعي، ويقاوم التبسيط، ويعيد تعريف وظيفة الرواية في زمن الأزمة.

وتتجلّى القيمة المحوريّة للتجريب، كما يبرزها الكتاب، في كونه أفقًا فكريًّا سابقًا على تحقّقه الشكليّ. فالرواية العراقيّة واجهت واقعًا استدعى تحوّلًا في منطق السرد نفسه. لم تعد الرواية معنيّة باحتواء الحدث، بل باتت منشغلة بتفكيك آليّات تشكّله، وبسبر شروط إمكان قوله.
كما ينقل التجريب الرواية من مستوى الحكاية إلى مستوى التفكير في الحكاية، وتفكيك بنيتها الإدراكيّة. فيتحوّل السؤال النقديّ من مضمون ما جرى إلى آليّة القول نفسها، وإلى علاقة السرد بزمن اختلّ اتّساقه البنيوي، وذاكرة فقدت تماسكها، ومعنى صار مفتوحًا على التأويل.
هذا التحوّل لا يشير إلى قطيعة مع التقاليد السرديّة، بل إلى إعادة توزيع عناصرها داخل بنية مغايرة، تُفكَّك فيها الأدوات الموروثة وتُعاد صياغتها وفق وعي سردي يتلاءم مع تعقيد التجربة الإنسانيّة المعاصرة.
يفتح الكتاب أفقًا نقديًّا يتجاوز اختزال الرواية النسويّة في خطاب احتجاجيّ أو تمثيل مباشر للمعاناة. فالنصوص التي يتناولها لا تكتفي بعرض القهر أو العنف أو الإقصاء، بل تعمل على إعادة تنظيم هذه الخبرات داخل بنية سرديّة واعية بذاتها وبحدودها.
الذات النسويّة في هذه الروايات لا تُطرح بوصفها كيانًا ثابتًا أو صوتًا أحاديًّا، بل بوصفها ذاتًا متعدّدة الدلالات، متشظّية، تعيد النظر في علاقتها بالعالم، وبالجسد، وباللّغة، وبالذاكرة. هذا الاشتغال يُنتج سردًا معرفيًّا يتجاوز التمثيل إلى التفكير، ويحوّل الرواية إلى ممارسة وعي تعيد إنتاج المسلّمات الثقافيّة والرمزيّة.

أمّا بالنّسبة إلى الزمن والمكان فيشكّل تحليلهما ركيزة أساسيّة في فهم منطق التجريب داخل الرواية النسويّة. إنّ الزمن ينزاح عن بنيته التعاقبيّة، ويتوزّع بين ارتدادات زمنيّة متشابكة، وحاضر متوتّر، وأفق مستقبلي ملتبس. هذا التشظّي لا يرتبط بتقنية سرديّة معزولة، بل ينبع من إدراك عميق لاختلال العلاقة بين التجربة والزمن الواقعيّ.
يتحوّل الزمن إلى بنية نفسيّة تعكس اضطراب الوعي، فيما يفقد المكان صفته الإطاريّة، ليغدو إطارًا دلاليًا محمّلًا بالخسارات والانكسارات. لم يعد المكان يمنح الاستقرار أو الأمان، بل أصبح حاملًا لقلق الوجود، وامتدادًا لجغرافيا الذات المتصدّعة.
يدخل هذا التحوّل في صميم منطق النّصّ، ويؤكّد أنّ التجريب السرديّ استجابة مباشرة لتحوّل الواقع باعتباره لم يمسّ مستوى الحدث وحده، بل أعاد ترتيب أنماط الإدراك، وغيّر آليّات تمثيل التجربة داخل السرد، ما استدعى إعادة بناء البنية الروائيّة على أسس أكثر قابليّة لاستيعاب التعدّد واللايقين.

ويقارب الكتاب التقنيّات السرديّة باعتبارها آليّات تفكير لا أدوات منفصلة. فتشظّي السرد، والميتاسرد، وتداخل الأجناس، وتوظيف الوثيقة، جميعها تندرج ضمن اشتغال بنيوي يوسّع الأفق الدلالي للنصّ، ويعيد ترتيب العلاقة بين السرد والمرجع.
وتُستخدم هذه الآليّات لإنتاج مسافة تأمّليّة تسمح بمراجعة المسلّمات القرائيّة، وتفكيك أنماط التلقّي التقليديّة. يتحوّل النصّ إلى فضاء تأويلي تُعاد فيه تشكيل حدود اللّغة داخل السرد، وتُستأنف فيه علاقة الذات بالقول السرديّ ضمن بنية مفتوحة على التعدّد والاختلاف.
تكمن أهميّة هذا المسار في أنّه يضع الرواية النسويّة داخل حركة سرديّة غير مكتملة، قابلة للتفكير والمراجعة، بعيدًا من التصنيف النّهائيّ أو الأحكام المغلقة. ويكشف هذا الاشتغال عن وعي سرديّ يرى في التقنيّة وسيلة لإدارة التوتّر بين ما يُروى وما يُترك معلّقًا داخل النصّ. فالتجريب في هذا المستوى يعمل على ضبط الإيقاع الداخلي للسرد،وعلى تنظيم مسافة التأويل، بما يتيح للنصّ أن يحافظ على انفتاحه الدلاليّ من دون الوقوع في التفكّك.

وعليه، يكشف التجريب في الرواية العراقيّة النسويّة بعد عام 2003 عن تحوّل عميق في وظيفة السرد، حيث لم يعد الجمال غاية مستقلّة، بل أداة لإعادة التفكير في الوجود والمعرفة.
فالتجريب، كما يظهر في قراءة كتاب الدكتور سعيد حميد الكاظم، لغة مرحلة، واستجابة سرديّة لأزمة المعنى، ووسيلة لمقاومة الاختزال.
تُنتج هذه الروايات سردًا مفتوحًا على السؤال، يرفض النهاية المحسومة، ويُبقي المعنى مفتوحًا على التأويل، وهذا ما يضع النقد العربيّ أمام تحدٍّ حقيقيّ: إمّا تطوير أدواته التحليليّة للتماهي مع تعقيد هذه النصوص، أو البقاء أسير مقاييس لم تعد قادرة على مقاربة سرد وُلد من رحم الأزمة.
إنّ البحث في آفاق هذا التجريب يتجاوز حدود الرواية النسويّة، ليغدو بحثًا في آفاق الوعي العربيّ المعاصر، وفي إمكانات السرد باعتباره ممارسة فكريّة في زمن التحوّل نحو أفق يتّسع لتحوّلات الوعي السرديّ وتعدّد مستويات التأويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى