مقال

“فليسَ في طَبعِ الليالي الأمان”

الفنان التشكيلى الفلسطيني عبد الهادي شلا | كندا

ونحن نتأمل هذا المقتطف من “رباعيات الخيام” الشاعر الفيلسوف العالم عُمر بن إبراهيم الخيّامي النيسابوري وأحد أعلام الفكر والعلم في الحضارة الإسلامية.

سَمِعتُ صوتًا هاتفًا في السَّحر نادى من الغيبِ غُفاةَ البَشَر
هُبّوا املأوا كأسَ المُنى قبل أن تملأَ كأسَ العمرِ كَفَّ القَدَر
لا تُشغل البال بماضي الزمان ولا بآتِ العيشِ قبلَ الأوان
واغنم من الحاضرِ لَذَّاتهِ فليسَ في طَبعِ الليالي الأمان
غَدٌ بظهرِ الغيب، واليومُ لي وكم يَخيبُ الظن في المُقبِلِ
ولستُ بالغافلِ حتى أرى جمالَ دُنيايَ ولا أجتلي

فنحن نقف أمام حكمة عن تجربة لشاعر وفيلسيوف وعالم موسوعي لذلك بقيت خالدة تناقلها الأدباء والشعراء وتغنى بها المغنون ولحنها كبارأعلام الموسيقى في زماننا ومازلت تمتعنا وتسكن وجداننا حين نسمعها بصوت”أم كلثوم” والتي ترجمها من الفارسية إلى العربية الشاعر”أحمد رامي” ولحنها بعبقرية الموسيقار”رياض السنباطي” فاجتمعت القيم السامية من المشاعر في ثوب جميل مطرز مع القيم العالية الحكمة والموعظة .

التأمل في هذه الأبيات لا يكون عابرا كغيرها مما يتحفنا به الشعراء بل يزداد قيمة حين نطابقه مع مجريات الأحداث عبر التاريخ فهذا الشاعر الفيلسوف العالم عاش في الفترة الزمنية (439هـ / 1048م – وتوفي عام 517هـ / 1123م) يجعلنا نقارن بينها وبين ما زاد عليه فلاسفة العصر الحديث وعلماء النفس من نتائج انبثقت عن تجارب وبحوث.

ما يميز هذه القصيدة بمجملها أنها قصيدة”روحانية صوفية” بل تصوير عال للتأمل والتمعن فيما يؤديه الإنسان خلال مشوار حياته وأنه مُسير لما خلق من أجله وعليه أن لا يحاول القفز أو استخراج معان لا تتوافق مع دوره في الحياة مهما طالت أو اتسعت معارفه ومداركه وتجاربه فهي في النهاية لها نتيجة ذات شقين أولها أن الجد والاجتهاد سـُنة الحياة التي لا غنى عنها ليسمو الإنسان في تيسير سبل حياته وهذه لها أدوات خلقت معه وهي حوله في الطبيعة وعليه أن يجتهد في استخراج أسرارها ومكنونها وتطويعها لما يحقق له طموحه وييسر له التوافق مع زمانه.

ثانيهما أن الإنسان الذي ترهقه أفكاره وتضغط على ملكاته وتصيبه بالجنون والانحراف لا يجب أن تتحكم فيه وتودي به إلى حتفه في الدنيا وإلى مصير مخيف في الأخرة وأن مُتع الحياة متوفرة ولها طرق منضبطه بالشرائع الإلهية وبالقوانين التي صنعها الإنسان نفسه كي تضبط ايقاع الحياة المنلفتة وتعيدها إلى دربها الصحيح الذي ينعكس بالرخاء عليه وعلى من حوله… “ولا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك”.

ما يثير الاهتمام في هذا المقتطف من الأبيات هو تلك الحِكـَم التي تستدعي التأمل وتجعل من يستوعبها ويشعر بها على قناعة بأن قدره مرسوم فيما هو آت من الأيام وتحث قارؤها على أن لا يستعجل هذا القادم فهو في علم الغيب وأن أي ظن أو تخمين لأحداث أو مواقف لا يمكن الجزم بها لأن كل ما يخطر على بال الإنسان من صور وأفكار وحسابات قد لا تأتي أبدا”وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” وقد يَفنى نفسه قبل أن يرى ما تصوره وفكر فيه أو قد يَحدث أمراً يغضب الطبيعة فتثور وتهدم كل ما بناه الإنسان ووضع فيه آماله وقد تجلت هذه الصورة في البيتين التاليين: واغنم من الحاضرِ لَذَّاتهِ فليسَ في طَبعِ الليالي الأمان
غَدٌ بظهرِ الغيب، واليومُ لي وكم يَخيبُ الظن في المُقبِلِ

ونحن نعيش زماننا القريب الموصول بالحاضر نجد حكمة بالغة فيما هو تحت أيدينا من هذه القصيدة فلم تعد الحياة بتلك الصورة السهلة التي يتيسر فيها معظم أمور الحياة بل زادت تعقيدا فترة بعد أخرى وسنة بعد سنة حتى وصلنا إلى ما يمكن أن يدمرنا ويفنينا وبأيدينا إن لم نحسن استخدام أدواتنا التي صنعناها لتجعل الحياة سهلة متوافقة مع وقتها فتنقلب الأمور ويتبدل وجه الحياة الجميل إلى وجه قبيح وقلوب حاقدة وعيون غاضبة لا ترحم ولا تترك مجالا للشفقة ولا للتأمل فيما خلق الخالق من النِعـَم ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى