مقال

الفنانة السعودية سوزان باعقيل.. حين يصير الضوء كتابةً!!

حارسة الذاكرة البصرية لوطنٍ يتحول

الكاتب الصحفي مجدي بكري | القاهرة 

ليست الكاميرا عند سوزان باعقيل آلة. الكاميرا عندها نافذة تُفتح على الروح، وريشة لا تحتاج حبراً، وذاكرة لا تصدأ.في زمنٍ صار فيه الجميع يلتقط، قلّة هم من “يروْن”. وسوزان من القلّة.
المصورة السعودية التي جعلت من الصحراء قصيدة، ومن وجه المرأة مكتبة، ومن الظل لغةً ثالثة بين النور والعتمة.

ضوءٌ سعودي بعيون عالمية
سوزان لا تصوّر المكان، هي تستنطقه.. هى تأخذك إلى جدة القديمة فلا ترى جدراناً متآكلة، بل ترى أنفاس الأمهات على الرواشن.
تذهب بك إلى العلا فلا ترى صخوراً، بل ترى الزمن وهو ينحت صمته على الحجر منذ آلاف السنين.
عدستها لا تبحث عن “المشهد”، تبحث عن “المعنى الذي اختبأ خلف المشهد”.هي ابنة هذا البلد الذي كان طويلاً يُروى بالكلمات فقط. فجاءت لتقول: للذاكرة السعودية أيضاً وجه، ولون، وملمس.
صوّرت المرأة السعودية لا كموضوع، بل كـ راوية. ليست متلقية للصورة، بل هي من تصنع الحكاية داخل الإطار.

فلسفة الظلإل
إذا تأملت أعمال سوزان فإنك ستكتشف سراً: هي عاشقة للظل.. لا تخاف العتمة. بل تضعها في منتصف الصورة كأنها بطل، لأنها تعرف أن الهوية لا تكتمل إلا بنصفها الخفي.
وأن البياض وحده يعمينا، وأن الحقيقة دائماً تقف في المنطقة الرمادية بين الشمس وبين الجدار.صورها ليست صاخبة. هي همس.
كأنها تقول للمتلقي: “اقترب.. لا تصرخ. هنا حكاية تُحكى على استحياء”

أرشيف للمستقبل
ما تفعله سوزان ليس توثيقاً. التوثيق شئ بسيط. ولكن ما تفعله هو “إنقاذ”. فهى تنقذ تفاصيل من الممكن أن تختفي يوما ما : عباءة مطرزة بخيط يدوي، فنجان قهوة على طاولة نحاس، يد امرأة عجوز تحكي للرمل. هي تؤرشف لنا وطناً كي لا يسرقه الزمن.
وتؤرشف لنا أنفسنا كي نتذكر من كنا قبل أن نركض.في معارضها العالمية، لا تقدّم “السعودية النمطية” التي يعرفها الغرب.
تقدّم السعودية الحميمة. السعودية التي تُطبخ فيها القص على نار هادئة.4. الفنانة التي تصالحنا مع أنفسناأخطر ما في فن سوزان أنه يصالحك.
يصالحك مع بطء الحياة.
يصالحك مع وجهك في المرآة.
يصالحك مع فكرة أن الجمال لا يحتاج ضجيجاً.هي لا تصوّر لتقول “انظروا إلي”.
هي تصوّر لتقول “انظروا إلينا”.
إلى نحن. إلى جذورنا. إلى الطين الأول الذي جئنا منه.الخاتمة
الفنانة السعودية المبدعة سوزان باعقيل لا تمنحنا صوراً. هي تمنحنا مرايا.
وكلما وقفنا أمام صورها، اكتشفنا جزءاً منا كنا قد نسيناه في زحمة الحداثة.
في بلدٍ يبني ناطحات سحاب، اختارت سوزان أن تبني ناطحات من ضوء.
وفي زمنٍ الكل فيه يركض للأمام، اختارت أن تقف وتقول: “انتظروا.. هنا كان هناك شيء يستحق أن يُرى”.هي ليست فقط مصورة.
هي حارسة ذاكرة بصرية لوطنٍ يتحول، وأمينة سرّ للضوء السعودي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى