مقال

المـوج الأبيض ينادينـي نحو الأعظم

الكاتب الصحفي هشام زكي | القاهرة 
ونحو علي بعد أيام من أداء الحجاج مناسك الحج تبادر إلي ذهني تجربتي التي خضتها في هذا المشهد العظيم حيث أكرمني الله وأديت منذ عدة سنوات فريضة الحج واذكر أنني في أيام رمي الجمرات بمني كنت وبعض من معي ننتظر مغيب الشمس حين تنخفض درجة الحرارة اللاهبة بعض الشيء فنخرج من مكان إقامتنا ونتوجه نحو زحام الحجاج الذين جاءوا من كل مكان ,لنرمي الجمرات علي الشاهد الذي يرمز للشيطان الرجيم ونرجع من حيث جئنا وفعلنا ذلك في اليوم الأول والثاني وجاء اليوم الثالث وكانت الحرارة فيه كالعسير ..”والأرض” تنفث لهبا .. والشمس تصب شررا حارقا ,فاعتصمنا بمكان إقامتنا طوال النهار نؤدي صلاتنا وننتظر مغيب الشمس آخذين بالرخصة والتيسير الذي يسره علينا علماؤنا الأجلاء مؤكدين جواز الرمي في أي وقت من الليل و النهار, ومن الفجر إلي الفجر لكن الكثيرين كانوا كعهدهم منذ قديم الزمان يفضلون أن يخرجوا للرمي عقب صلاة الظهر في عز الشمس الصاعقة طلبا لمزيد من الأجر و الثواب ولان الرسول الكريم رمي في ذلك الوقت من النهار وكنت قد فرغت من صلاة الظهر حين ناداني رفيق من رفاق الحج لأنظر من نافذة خلفية إلي الجسر الذي يؤدي إلي مكان الرمي واعدا أياي بأنني سأري مشهدا يقشعر له جسمي , وتبعته إلي حيث قادني واعتليت النافذة ونظرت فإذا برجفة تسري في بدني ..وإذا بي أجدني أهتف بغير وعي : وفيما يشبه الهستريا : سبحان الله العظيم … سبحان الله العظيم … ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار , واكرر هتافي بلا وعي حتي جاء رفقاء الحج وأطلوا إلي جواري من النافذة … فلم يجد كل منهم ما يعبر به عما رآه سوي ما صدر عني تلقائيا من تسبيح بعظمة الخالق وعلوه جل شأنه … فلقد رأيت بحرا من البشر يسيرون في أمواج متلاحقة في بياض الثياب لو رششت عليهم الملح من طائرة لما سقط من بين أجسامهم إلي الأرض , يسعون في اللهيب الحارق إلي مكان رمي الجمار معرضين أنفسهم للهلاك بضربة الشمس لينالوا سبق الرمي في وقت الفضيلة ..ويقع منهم من يقع مغشيا عليه من الحر والإجهاد .. ويقع من يقع منهم مصروعا بضربة الشمس فلا تحميهم مظلة يرفعونها فوق الرؤوس من اللهب الحارق .. ولا يمنعهم حر ولا خوف من الهلاك ولا يردهم تحذير الأطباء .. ولا رجاء علماء الدين لهم بألا يشقوا علي أنفسهم بالرمي في هذا الوقت من النهار والفضليات والأفاضل من الحجيج المقيمين في بعض الدور المطلة علي الطريق يقفون في النوافذ و الشرفات يفتحون علي الساعين إلي الرمي و العائدين منه زجاجات المياه المثلجة عسي أن تسقط المياه علي رؤوسهم فتبرد بعض لظاهم ..ويلقون إليهم بزجاجات المياه الغازية و العصائر و المياه المثلجة عسي أن ينقذهم من الجفاف و الهلاك , وأصحاب الفضل من بعض السراه قد جاءوا بعربات المثلجات الكبيرة مكتوبا علي كل منها سقاية فلان ابن فلان راجي عفو ربه وهي مملوءة عن آخرها بعلب العصائر و زجاجات المياه المعدنية المثلجة .. يلقون بها إلي الحجيج جزافا ويحثونهم بل ويتوسلون إليهم فيما يشبه الرجاء أن يشربوها ليعوضوا أجسامهم ما فقدوه من سوائل قبل أن تحل بهم غشية الجفاف فمن سقط منهم علي الأرض منهارا رشوه بالمياه المثلجة ..ورفعوا رأسه يعينوه علي شرب العصائر والقادم لرمي الجمار ومعه زجاجة مياه يبادر العائد المجهد منه برش المياه في وجهه وعلي رأسه بغير طلب منه ويقدم له ما معه من ماء ليشربه وهو يعلم أنه قد يحتاج إليه فكان هذا المشهد المؤثر هو الذي أطلق لساني رغما عني بعبارات التسبيح فيما يشبه الذهول نعم الذهول ولما لا
فالمــــــــــوج الأبيض في عينيـــــــــــي ينادينــــــي نحو الأعظم
وأنا ما عنــــــدي تجربـــــــــة في الحــــــــج ولا عنـــــــدي زورق
إنـــــــــــي أتـنـفــــــــــــــس فوق أطهر بقاع الأرض
إنـــــــــــي أطفـــــــو أطفــــــــو أطفـــــــــو في ملكوت الكون داعيا
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} اللهم أكتب لنا الثواب وعظم لنا الأجر واجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وعملا صالحا متقبلا بأذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى