أدب

محاكمة الصمت

سيد غلاب | القاهرة 
كم مر عليك وأنت تنام على ظهرك في الظلام حتى ألفته وبت تخشى زواله، لكن هل كلمة نور تستدعي في مخيلتك معنى تخافه؟ أرى أنها تزعجك كما يزعجك حديثي هذا، لكنني مضطر، فأنا إن لم أتحدث عنك لن يعلم أحد في هذا الكون أنك كنت موجودًا ثم اختفيت، أعرف أن الصمت صديقك الحميم منذ دخلت إلى زنزاتك، فالأيام والشهور والسنين التي قضيتها في التعذيب كان الكلام فيها سيفهم عليك، لكن الصمت كان اختيارك أنت، وهو التمثيل المتعين لإرادتك الحرة.
أراك تدير ظهرك لي، أأيقظت ذكريات مؤلمة لك؟ أتذكر يوم جاءوا ليأخذوك عنوة؟ استغثت ولم تجد في عيون من شجعوك سوى نظرات شفقة باردة، بعدها كفرت بكل ما تؤمن به، كفرت حتى بالكلام وأيقنت أنه يحفز الناس لبعض الوقت، ثم يزول تأثيره سريعًا.
عذرًا إن أثقلت عليك، لكن هناك سؤالا يلح علي: هل مازلت تستطيع رؤية الحد الفاصل بين الحق والباطل بين الوهم والحقيقة بين الواقع والحلم؟
أعلم أنه سؤال صعب، كذلك صعب علي أن أصدقك، فكيف وأنت في زنزاتك هذه التي لو بسطت يدك لم تكد تراها تستطيع أن ترى الأمور على حقيقتها؟! اسمعني، انهض… هيا ….
إن كان قانونهم قد ظلمك، فلنعقد محاكمة ثانية لك، تخيل:
سألعب أنا دور الدفاع، وأنت كما أنت في الحقيقة المتهم، أو العب دور متهم آخر في زنزانة أخرى لن يشكل ذلك فارقًا كبيرًا فالكل في الظلام سواء، واسكن قفصك الصدري محبوسًا وراء الهموم، حيث إن الزنزانة ضيقة لا تتسع لوجود قفص اتهام.
ومكان ممثل الادعاء! أين نضعه؟ تخيل معي أين يكون، فليكن الجردل الذي تفرغ فيه البول، أشعر بك فرحًا بهذا الاختيار، ها… مكان لائق بالعدالة العمياء….. ماذا ؟ تعبير مبالغ فيه، عندك حق، فلنقل العدالة التي ترى بعين واحدة، والقاضي لا يوجد قاض.
أراني جذبت انتباهك، الآن نوزع الحوار:
المتهم سنعطيك ضمير المخاطب أنت.
الدفاع ضمير المتكلم أنا.
ممثل الادعاء ضمير الغائب هو.
والقاضي ضمير مستتر، وخير له أن يستتر حتى لا يناله البطش، ها … هل تعجبك الفكرة، سأعتبر صمتك موافقة.
محكمة
الدفاع أنا: سيادة المستتر، إن المتهم جريمته الوحيدة أنه تكلم، والآن يعاقبونه بسبب صمته ويجبرونه على الكلام، فهل هذا عدل؟!
هو ممثل الادعاء: عفوًا سيادة المستتر،أرجو أن تحذف كلمة “عدل” من مضبطة الجلسة، فذكر هذه الكلمة تجديف مقيت، وهل غاب العدل لحظة حتى نذكره؟! كما أن دستور دولتنا قد حدد قاموسًا للغة العامة، يُعاقَب كل من يخرج عليه.
المستتر: تحذف، وأنت أيها الدفاع لا تتجاوز ولا تخرج عن القاموس الرسمي للدولة، وإلا وضعناك بجواره.
أنا: أيها المستتر، إن موكلي قليل الكلام بطبعه، فماذا قال حتى يحبس؟ أترون؟ إن صمته هذا شهادة على حسن الطوية. شهادة أنه لم يكن متمردًا قط.
هو ممثل الادعاء: بل صمته دليل قاطع على تمرده، فقد تكلم حين أراد، وصمت حين أردناه أن يتكلم، فهل الدنيا سبهللة؟! وحين تحدث للناس ذكر ألفاظًا لا أستطيع ذكرها حفاظًا على هيبة المحكمة الموقرة.
أنا: لكني أصر أن أسمعها.
هو: سيادة المستتر، فلتعذرني، ما دام الدفاع مصرا، سأذكر كلمة واحدة نابية مما قالها المتهم، وناقل الكفر ليس بكافر، لقد تجرأ وقال “مستقبل”.
أنا: منذ أن وضُع موكلي في الظلام أصبح لا يميز بين الحاضر والماضي والمستقبل.
هو: القاموس المسموح به للعامة هو ذكر الماضي، والحاضر يحتاج تصريحًا من جهات سيادية كي تذكره في حديث خاص، وليس للعامة، فما بالك بكلمة “مستقبل” وما تستدعيه في أذهان الناس.
أنا: وهل استدعت شيئًا.
هو: وهل سننتظر حتى تستدعي، يكفي جرس الكلمة في الآذان، الفتنة يجب أن توأد في المهد.
أنا: وهل اعترف المتهم أنه قالها.
هو: كيف وقد لزم الصمت؟!
أنا: ألديك دليل مادي على التهمة؟
هو: أذاننا التي تتنصت على الناس في الطرقات.
أنا: وما أدراك انها ليست وشاية.
هو: أيها المستتر أعترض على كلمة “وشاية” هذه، فهي تشكيك في مصداقية أجهزة الدولة.
أنا: أيها المستتر أنت تعلم جيدا أنهم بإشارة واحدة سيدخل طابو من شهداء الزور، وإذا وقع المتهم اعترافا بالتهمة إذن هو بريء، فلتتكلم أليس لك رأي.
هو: آآآه لقد نطقت بالكفر البواح، وليس لك عذر، فهذه الكلمة على رأس قائمة الكلمات المحظورة.
المستتر: يكفي هذا، وحتى لا تتفاقم الأمور، الحكم:
حيث إنه استقر لدى هيئة المحكمة بما لا يدع مجالا للشك من ارتكاب الجاني الجرائم الواردة في قانون العقوبات في مواده….، و…….، و…….، فضلاً عن مخالفته الدستور، نحكم بالآتي:
يمحى ماضي المتهم وحاضره من السجلات، ويحظر ذكر اسمه، ويوضع في زنزانة النسيان تحت الأرض؛ كي يغفل عنه الزمن الآتي.
أنا: لا تبتئس يا صديقي، مازال هناك استئناف ونقض، حتى لو بات الحكم نهائيًا، لن أتركك وحدك في احتضارك المذل، وإن محوك من السجلات الرسمية، وحظروا ذكرك على ألسنة الناس، فلن تُنسى، فما أنا إلا صدى ذكراك في وجدان أحد الصامتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى