أوهام بطاقة سفر

سميرة عباس التميمي | العراق
كانت المنطقة هادئة والجو رائق عندما كانت تشق طريقها نحو مكتب السياحة لحجز بطاقة سفر .
الأبنية على جانبيّ الطريق كلاسيكية التصميم يعود بنائها إلى سنين طويلة وراءً ، كانت متنوعة من العمارات السكنية ذوات الطوابق الثلاثة أو الأربعة والبيوت التي تجلب الأنظار بسعتها ونقشاتها بالطابع الملكي وبعضها بالروماني ، بين جوانبها ذكرياتٍ لاتُنسى مع صوت بيانو وضحكات أطفال، وتلك الشقة المطلة على الشارع كانت هناك فتاة تراقب مشهد الشارع من نافذتها، بعينين واسعتين تستوعبان كل ماتراهما من تفاصيل كمرور المارة، وهطول المطر فجاةً وتجد سبب لكل ماتراه لتدونه على ورقة تطير وتهبط على إيقاع الرياح الداخل من نافذتها المفتوحة..كان الجو رائق وكانت المارة بحدسها القوي تشعر بأن هذا الهدوء مبالغ فيه سحر خاص يغطيها ويحميها ..تمشي بثقة في الشارع الذي بدوره كان يرشدها بسهولة إلى مكتب السياحة الذي دخلت إليه بسرور ورغبة متحمسة لحجز مكان لها في باص السفر .
جلست وهي تستمعُ لكلام الموظفة عن إمكانية حجز مقعد للسفر خارج البلد لبعض الراحة والإستجمام بينما الموظفة كانت تفتح الكومبيوتر لتُريها المقاعد المتوفرة في الباص، جال نظرها في أرجاء المكتب وزميلتها التي كانت جالسة على يمينها، بدا إنها منهمكة في متابعة ما تراه على شاشة الكومبيوتر.
تفاصيل المكتب كانت بسيطة وانيقة، تحفيات من خارج البلد كقرن الوفرة الجالب للحظ والرزق الوفير حسب الأساطير اليونانية، والغريب إنه كان على القرن رسم نخلة سوداء اللون لم ترق للجالسة كثيراً ، بينما وضعت بعض حافظات الأقلام على كلا المكتبين ..كان الهدوء يعم المكان وإبتسامة الرضا بادية على كلتا الموظفتين، وهما تعملان بدأب وشغف. بينما الجالسة أخذتها لحظة من الشرود أبعدتها سبعة عشرة عاماً عن اللحظة الآنية عندما كانت تستمتع بمنظر البيوت وهي مغطاة بالثلج ودخان المداخن يرتفع مختلطاً بالريح المحملة بالثلج من نافذة غرفة جلوس المُدرسات .
بان المنظر كلوحة فنية مرسومة بدقة ورومانسية تمثل حياة الناس اليومية، كانت تتابع المشهد الجميل معظم الأوقات وهي في ساعة راحة، مأخوذة بالهدوء والسكينة أمامها بالدخان الهارب من مداخن مئات البيوت الغارقة في الثلج والذي يرسم طريقه بثقة بين الضباب والسماء الغائمة .
متسائلة عما يفعلون الآن خلف الأبواب، في تلك الغرفة لربما كان عندهم طفل نائم والآخر في نفس المدرسة بينما أمه ترتب البيت وتعد الطعام في نفس الوقت . خلف برودة المنظر والجو تختبيء حرارة منبعثة من الموقد ودفء الأسرة وتكاتفها . لم يكن يحلو لها أن تستفيق من تلك الدقائق القليلة التي أخذتها إلى رحلة عبرت سبعة عشرة عاماً من الزمن كانت فيه تستمتع بالذهاب إلى المدرسة عبر الحدائق، كأنها غابة تلتقي بسناجيب راكضة ومسرعة عبر الأعشاب أو صاعدة نحو بيوتها خوفاً على صغارها، لم تكن تسمع غير صوت السكون المأهول بالكثير من الأصوات الأخرى التي تخرج من طياته في لحظة ما ، كصوت طير أو نباح كلب أو صوت همهمات عائلة من وراء نافذة مضيئة بين العديد من النوافذ المعتمة في إحدى صباحات الشتاء وهي تتقاسم الفطور الممزوج بأحاديثٍ ودية !
إستفاقت على صوت الموظفة وهي تطلب منها أن تختار ما يناسبها من الأماكن الفارغة .
كانت تواقة للراحة والإستجمام هروباً من واقع مرير لم تتوقع أن تختبره في حياتها ومن أقرب الناس إليها، أرادت أن يشفي جروحها ماء البحر من السم الذي يجري في عروقها، وأن يغسل ماؤه جلدها من شوائب الحياة من متراكمات سنين مرة عاشت فيها على أمل مزيف ووعود كاذبة . ولكن حتى من هذه الرحلة كان خوف دفين يكمن في داخلها من تكرار نفس التجارب ولكن في أماكن أخرى .
لم تكن تعلم مايخبيء لها القدر ما وراء البحر والحدود لذا بتردد إلتقطت محفظة النقود من حقيبتها لتعطي الموظفة المبلغ المطلوب لبطاقة السفر .
أوروبا خضراء وباردة وكانت أحلامها جميلة وبسيطة ، لم تكن تعلم إنه خلف تلك الخضرة والهواء البارد والعليل تختفي وجوه كالحة مليئة بالشؤم والتذمر وأرواح موبوءة بالشر والكراهية لكل روح مرهفة وعينين سوداوين وشعر أجعد قادم من الشرق محكوم عليه بالعزلة والعذاب .
كانت مليئة بالحيوية والنشاط والآن قواها مستنزفة ومرهقة، كأنها مقاتل أمضى حياته في أقسى ظروف الحرب، مقاتلٌ تأرجحت حياته بين الإنتصار والهزيمة …
شعرت بثقل كلمة الهزيمة، وهي المتفوقة والمعتدة بنفسها. كانت تنقصها أشياء كثيرة ضحكة أمها، حنان الأسرة، الحب في حياتها ، لذا قررت خوض تجربة السفر لأنها كانت واثقة من أن البحر متصالح معها، والشمس رفيقتها ولابد أن تكون هناك أشياء جميلة مختبئة بين زوايا وطيات الحياة .
2026-8-15
—




