أخبار

“جسر الزعفران”: العبور الأول للشاعر حيدر الحجاج حيث ضفة السرد الأكثر جنوناً

كاظم أبو جويدة | العراق 

صَدَرَ عن الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق عام 2026، عملٌ أدبيٌّ مَثَّلَ منعطفاً مهماً في مسيرة مبدعه، وهو المجموعة القصصية الأولى “جسر الزعفران” للشاعر حيدر الحجاج. بعد مسيرة معروفة في عالم القصيدة، عَبَرَ الحجاج إلى ضفة السرد، حاملاً معه أدواته الشعرية من تكثيفٍ لغوي وصورٍ مبتكرة، ليصبَّها في قالب القصة القصيرة، مقدِّماً صوتاً سردياً متفرداً في المشهد الأدبي.
ضمَّت المجموعة اثنتين وعشرين قصة قصيرة، افتُتحت بـ “حذاء خائن” وختمت بـ “مكتبة النار”؛ وتُعَدُّ كل قصة أشبه بشظية من مرآة مهشّمة، عكستْ صورة مبتورة لكنها كاشفة للروح الجماعية. المجموعة لا تقدم بانوراما متكاملة، بقدر ما تُشَكِّل فسيفساء من الخسارات الفردية التي، حين تُجمع، ترسم ملامح الخراب الكبير، وتطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً حول جدوى الذاكرة في وطنٍ مُثقلٍ بالجراح.
تناولت “جسر الزعفران” بجرأة وواقعية، أحداث الحياة اليومية العراقية، وقدَّمت شهادة حيّة على مرارة الحروب والحصارات ومآسي الوطن، وقد نبشت قصصها في ذاكرة ملتاثة، حيث تشابكت تحت ظلالها أحلام الشخصيات المجهضة مع واقعٍ قاسٍ ومفكك، وتحولت فيه الأمكنة والأشياء إلى شهودٍ صامتين على الخسارات. هنا، لم يقدِّم الكاتب حيدر الحجاج شخصيات بطولية، بل استلهم أبطاله من صميم اليومي المعقد؛ نماذج إنسانية بسيطة، مسحوقة تحت وطأة ظروفٍ أكبر منها، تعيش على هامش الأحداث الكبرى لكنها تتحمل تبعاتها الكاملة، مما يجعل القارئ يتعاطف مع مصائرها؛ شخصيات تبحث عن حقوق متواضعة بيْد أنها مسلوبة في وطنٍ يضيق بهم.
اعتمد الخطاب السردي على لغةٍ شعرية مكثَّفة، عَكَسَتْ خلفية الحجاج الشعرية، مع بناءٍ فنيٍّ قاد غالباً إلى نهاياتٍ غير متوقعة. وضمن هذا الإطار، برزت قصة “البندقية.. انتظرَتْ طويلاً” كنموذج مكثَّف؛ فيها تحوَّلت البندقية من أداة للقتل إلى كائنٍ له ذاكرة وحلم، حيث مازج السرد بين الهوس الشخصي والذاكرة الوطنية ليصنع مفارقته الصادمة، كاشفاً عن عبثية انتظار الخلاص عبر أدوات الموت نفسها. هكذا بنى الكاتب سرداً مُحكَماً يقود القارئ عبر تفاصيل تبدو عادية، ثم يصدمه بخاتمةٍ تقلب المعنى وتكشف عمق المأساة، وهذه النهايات تعمل كوسيلة فنية لتكثيف الشعور وتركِ أثرٍ ماثل بقوة في ذهن القارئ.
بهذا التوليف بين الواقعية القاسية، واللغة الشعرية السحرية، والبناء الصادم، تفرض المجموعة نفسها بقوة، وتقدِّم صوتاً سردياً عراقياً أصيلاً ومعاصراً يعبّر بصدق عن تجربة إنسانية عميقة.
ورغم طغيان السوداوية، تجلّت قصصٌ أخرى مالَ فيها الحجاج نحو السخرية المرّة، مثال ذلك قصة “حذاء خائن”، مما يقدِّم رؤى متنوعة. وهنا يثور التساؤل حول تصنيف النصوص؛ فبينما يمكن عدّها “قصصاً قصيرة” لاكتمال بنيتها الفنية، فإن اعتمادها على التكثيف الشديد، والمفارقة الحادة، والخاتمة الخاطفة، يجعلها تقترب بقوة من خصائص “القصة القصيرة جداً”. لعل هذا التزاوج الأسلوبي هو ما منح المجموعة هويتها المتفردة، حيث وظّف الكاتب تقنيات القصّة الومضة ضمن إطار القصة القصيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى