كراسة الرسم

شعر: د. عبد الحكم العلامي
سألتُ أمي هل انتهيتِ من تسويةِ الطبيخ
أقصدُ هل سوَّتِ النارُ
الطبيخ ؟
فأنا جائعٌ / جائعٌ على الآخرِ
جائعٌ جدًا ..
يبدو أنَّ نارَ موقدِ الصفيحِ الذي اشتريناه
بالأمسِ أكثرُ قوةً
من نارِ موقدِنا الطينيِّ
القديم ..
نعم يبدو الأمرُ
كذلك ..
على الرغمِ من حبِّي وامتناني
لطبيخِ موقدِنا الطينيِّ
القديم !
……
كنًَا قد انتهينا أنا وأبي
من سقايةِ الأرضِ ب (البدالة)
حيثُ كنَّا أنا وهو نتقاسمُ تدويرَها
هو على يمينِ مجرى الماءِ
وأنا على يساره
وكانتْ تستجيبُ نعم
فقد كانتْ تمدُنا بما نحتاجُه من مياه
لسقايةِ ما تيسَّر لنا
من قراريط ..
انتهينا على التو ،
ثم ها نحنُ نعود أدراجَنا إلى البيتِ
لننعمَ بما هو متاحٌ من الطعامِ
قبلَ قيلولةِ الغداء !
………
أذكرُ في المدرسةِ كانوا يسلموننا
كراسةَ الرسمِ
ـ لم تكن صغيرة
ككراسات مدارس اليوم ـ
كانتْ كبيرةَ الحجمِ بحيثُ يمكنُها
ـ بالرسم على صفحاتها ـ
احتضانُ هذا العالمِ
دفعة واحدة !
كنَّا نرسمُ الغيطانَ والترعَ والمراعي
وفرحتَنا بقدوم ِيومِ العيد
وكنَّا نرسمُ لعبَنا /
الأحصنةَ والعرائسَ
والمسدسات ..
وكنَّا نرسمُ المزاميرَ
والصفافيرَ والحظاظات
والأشياءَ الأخرياتِ
المحببات /
الفوانيسَ وزينةَ رمضانَ
والبحرَ والنهرَ
والموجات ..
وبائعَ الكنافةِ والقطايفِ والحلويات
وكنَّا نرسمُ الفتياتِ الجميلات
وهنَّ رائحاتٌ وغاديات
على مماشي الحقولِ
وفي الأماكنِ
الأخريات !
………
وكنَّا نراودُ (أبو قردان) أبيضَ اللونِ
وهو ينظِّفُ الأرضَ من الآفات
بعد أن ننثرَ البذوزَ
في البكور..
قبلَ أن تكشفنا شمسُ السماء
وقبلَ أن نصيرَ في العراء
وتهربُ منَّا
نداوةُ الأرضِ ،
وتهجرُنا النسماتُ العليلات
………
ثم كانَ يقترحُ بعضُنا
على البعضِ الآخرَ لنرسمَ
مرَّاتٍ أخرياتٍ
عديدات :
فنرسمَ العربةَ والقطار
ومواسمَ الأسواقِِ والتجَّار
والباعةَ الجائلينَ
وروائحَ المسكِ
والزعفران ،
ونرسمُ حلقاتِ الذكرِ
في الموالدِ ونرسمُ الأفراح
والناسَ إذ يغدونَ والناسَ
في الرواح ..
والطيرَ والأشجارَ والحدائقَ
والأزهار ..
ونرسمُ السماءَ في بهائها
ونرسمُ الأمطارَ إذ تحاورُ البوادي
والليلَ والنهار !
……..
كراسةُ الرسمِ كانت عالمَنا البديل
وخيالَنا اللانهائيَ الجميل
وستظلُّ لنا كما كانتْ
تحملُ أغلى أيامِ أعمارِنا
وأشهى الذكريات !!


