
بقلم: د. محمود رمضان*

في غابة الحي الاِستوائي، حيث تختلط ألحان الطيور بعواء الذئاب، وتتوارى الحقائق أحيانًا خلف أوراق الأشجار الكثيفة، جلس الشَّادِن يتأمل أحوال الغابة وسكّانها، حين أقبلت العَنُود تحمل في قلبها وجعًا قديمًا، وفي عينيها بريق حكاية جديدة.
قالت العَنُود:
«لقد أرسل الله إليَّ مَن يربّت على قلبي في زمن المرض والاِنكسار؛ فوجدتُ معه احتواءً افتقدتُه، وشعرتُ بأنني ما زلتُ أستأثر باهتمام، واحتواء أحدهم، وكأنه جبرٌ للخاطر بلمسةٍ ربانية جاءتني في الوقت الذي كنتُ فيه أشدَّ احتياجاً إليها».، وأبعدت هذه الدهشة انطفاء جذوة العاطفة، تلك العاطفة كادت أن تكون طعاماً لأسد الغابة في غيابك أيها الغزال الجميل.
رفع الشَّادِن رأسه، وتأملها قليلاً، ثم قال:
«رويدكِ يا العَنُود!
أكلُّ يدٍ تمتدُّ إلينا في لحظة ضعفٍ تكون رسالةً من السماء؟
وأكلُّ مَن يمسح دموعنا يحمل تفويضًا من الغيب؟ وهل يكفي أن نشعر بالراحة حتى نمنح اختياراتنا صفة القداسة؟
ليس كلُّ ما يلامس جراحنا دواءً، ولا كلُّ ما يوقظ الفراشات في صدورنا ربيعًا، ولا كلُّ بابٍ يُفتح أمامنا دعوةً إلهيةً للعبور».
قالت العَنُود:
«ولكنني كنتُ مريضةً، وأحاط بي الوجع، واحتجتُ إلى مَن يسمعني ويحتويني. أفأُلام لأنني وجدتُ مَن يمنحني بعض الدفء في زمن الجفاء الوجداني؟»
أجاب الشَّادِن:
«حاشا أن يكون الاحتياج إلى الحنان جريمة، أو أن يكون المرض عارًا، أو أن تكون الوحدة ذنبًا. فالإنسان يحتاج إلى مَن يواسيه، ويشدُّ أزره، ويخفّف عنه وطأة الأيام.
لكن موضع السؤال ليس احتياجكِ إلى الحنان، بل ما فعلتِيه بهذا الاحتياج؛ وليس في أن تجدي مَن يواسيكِ، بل في أن يتحوّل الاحتواء إلى مبررٍ لعبور حدود الميثاق العاطفي الحي أو حدود العلاقة القائمة، بينما هناك عهدٌ لم يُغلق بصدق، وقلبٌ ائتمنكِ على أمانه.
فالوجع، مهما اشتدَّ، لا يمنحنا حقًّا مطلقًا في إيلام الآخرين، كما أن حاجتنا إلى جبر الخاطر لا تُسقط مسؤوليتنا عن الوفاء بالعهود».
قالت العَنُود:
«لكنني لم أسمِّ الأمر خيانة، بل سمّيتها نسمةُ رحمةٍ في زمن الاِنكسار..!».
ابتسم الشَّادِن ابتسامةً امتزجت فيها الدهشة بالسخرية، وقال:
«وهنا تكمن الحكاية يا العَنُود! لقد تغيّر اسم الحكاية، لكن الحكاية بقيت كما هي؛ أُلبس الخذلان ثوبًا من حرير، وتوّجت الرغبة بهالةٍ من نور، وأُقيم للتجاوز منبرٌ كُتب عليه: جبرٌ للخاطر، وعوضٌ من السماء!
وهكذا قد تُصبح الكلمات الجميلة ستارًا يخفي وراءه أسئلةً لا نريد مواجهتها، وقد تتحوّل اللغة الروحانية من بابٍ للتأمل ومحاسبة النفس إلى وسيلةٍ لتجميل اختياراتنا، وإعفائنا من مواجهة آثارها في قلوب الآخرين».
ثم اعتدل الشَّادِن في جلسته، وأردف بنبرةٍ أكثر جدية:
«لا تنسبي إلى الله سبحانه وتعالى ما اختارته إرادتكِ، ولا تجعلي من لطفه في محنتكِ صكًّا مفتوحًا لتبرير كل ما تختارينه بعدها. فالإيمان لا يقتضي أن نُضفي القداسة على رغباتنا، ولا أن نحوّل كل ما يوافق أهواءنا إلى علامة رضا، ولا أن نتخذ من المصادفات العاطفية أحكامًا نهائيةً على صواب أفعالنا.
قد يجد الإنسان في محنته مواساةً من الله جلّ شأنه، وقد يهيّئ الله عز وجل له أسبابًا تخفّف عنه آلامه، لكن ذلك لا يعفينا من مسؤولية التمييز بين الشعور والتصرف، وبين ما نحتاج إليه وما يجوز لنا فعله، وبين ما يريح قلوبنا وما قد يُلحق الأذى بقلوب الآخرين.
وليس السؤال: مَن الذي طرق بابكِ في زمن اِنكساركِ؟ بل السؤال الأهم: كيف تعاملتِ مع هذا الباب، وأيُّ بابٍ تركتِه مفتوحًا خلفكِ؟ وهل واجهتِ علاقتكِ السابقة بصدقٍ ووضوح، أم تركتِ وراءكِ قلبًا معلّقًا، ثم منحتِ اختياركِ الجديد اسمًا يُخفّف عنكِ وطأة المسؤولية؟».
سكتت العَنُود قليلًا، بينما راحت الطيور تتنقّل بين الأغصان، وكأنها تتبادل أخبار الغابة في صمتٍ لا يخلو من الدلالة.
ثم قالت:
«أليس من حق الإنسان أن يبحث عن السعادة، وأن يمنح قلبه فرصةً جديدةً بعد أن أرهقه الألم؟»
قال الشَّادِن:
«بلى، من حقه أن يبحث عن السعادة، وأن يخرج من علاقةٍ لم تعد تصلح له، وأن يبدأ حياةً جديدةً إذا اختار ذلك بصدقٍ وشجاعة. لكن الحرية لا تعني أن نتهرّب من الوضوح، وأن نُبقي الآخرين أسرى الوعود، بينما نمضي نحن إلى وجهةٍ أخرى.
إن إنهاء علاقةٍ بصدقٍ، وإن كان مؤلمًا، أكرم من إبقائها معلّقةً بينما تُبنى علاقةٌ جديدة في الخفاء. والاعتراف بالحقيقة، مهما كان ثمنه، أشرف من إعادة تسمية الوقائع حتى تبدو اختياراتنا بلا أخطاء.



