قراءة في مجموعة ” دُخان البنسج ” للكاتب عصري فياض

إسراء عبوشي | فلسطين

جديرة أن توضع على رفوف المعارض الدوليــة

كان للمجموعة القصصية “دخان البنفسج”، للكاتب الفلسطيني “عصري فياض”، والتي صدرت عن دار الجنان للطباعة والنشر في العاصمة الأردنية عمان عام 2020م، والمكونة من عشرون قصة قصيرة، والتي تقع في 135 صفحة من القطع المتوسط أثر وإستحقاق إثارة نوزاع القلم، والمرور عليها مرور إرسال الضوء، وإستقبالإنعكاساته بتذوق أدبيّ شفاف، يقف عن مفاصلها، مراميها، رسائلها، مدى أثر شعاعها، بُعْدْ مغازيها، وكيلها بكيل ما يعطيها حقها بين مثيلاتها من حصائد لون القصص القصيرة ، والذي يعكس واقعنا الفلسطيني بأبعاده الثلاثة الماضي والحاضر والمستشرف للمستقبل.

الخصال الفنية

فصورة الغلاف التي رسمها الفنان التشكيلي “محمد الشريف” لطيور بيضاء تعلو عنوان المجموعة القصصية “دُخان البنفسج”، تحمل دلالة على أن هذا الشعب  يحترق بدخان أبيض له روح، جراح الإنسان الفلسطيني تطهره، والاحتراق لا يطال روحه، بل تبقى عالية سامية نقية، على الأرض قيد، وفي الأعلى مدى حر طليق، كل ذلك رغم نهايات الموت الكثيرة التي ترويها قصص المجموعة والتي أكثر من نصفها قصص لابطال حقيقيين مضوا شهداء، إلا أن سمة الموت خلاص وعتق.

غلبت على المجموعة المشاهد التصويرية، وكأنك أمام مشاهد سنمائية، هنا أسامة يجري في أزقة المخيم حافيَّ القدمين، وهنا أطفال تراهم يحدقون في اليوم، يعبئون ذاكرة الغد، وفي مشاهد أخرى، ترى الحي المتزاحم، وتسمع صراخ الأولاد يلعبون بالكرة المهترئة، أطفال المخيم هم حصاد آلام الوطن وإنتكاساته، كل تلك الصور تلخصها عبار في قصة (بين قطرتين) صفحة 89، “قطرة من دمعه، وقطرة من دمه”، الحزن حثهم على الفداء، هو ثأر التشتت والتشرد واللجوء.

الكاتب إبنبيئته،وله حس نافذ لقراءة الأشخاص والأماكن بعمق، المخيم حاضر بمعالمه وتاريخ نضاله وأهله، يستحضر تلك البطولات الحقيقية التي لن تنسى، تتجول  الذكريات بين الأحرف والكلمات، هو شاهد على عصره، الشاهد الصادق بوجه التزّيف.

يكتب التاريخ الذي صنعه الرجال،حين واجهوا الموت في نيسان 2002م، بالأسماء والأماكن، وباللهجة الجنينية الأصيلة أحياننا،يقدم رسالة للأجيال القادمة، لتشربأسماعهم، وتتلقى ذاكرتهم الطفولية الغضة الحكايات والقصص مع الحليب. صفحة 121…تصفعك الصور المؤلمة في نهاية بعض القصص، وتوقف الزمان حيث تتكرر هزيمتنا.

يُقدم الكاتب الموعظة والحكم والمُثل، في سياق الأحداث بطريقة سلسة، متناولاً قضايا إجتماعية، في قصة “المكافأة” صفحة 61، حيث يرفض عزت المال ويمزقه حفاظا على كرامته رغم العوز، وأما في قصة “وصال” صفحة 131، يبين أثر إنفصال الزوجين على الأطفال، وعيوب تدخل الأهل بين الزوجين.

يستطيع الكاتب أن يثير إنفعالات القارئ باسلوبه السردي المؤثر، نقرأ القسوة التي يعيشها الطفل إياد، وهو يتألم لإستشهاد خاله المقعد، وكأن صدمة واحدة لا تكفي، نسمع صراع نفسه وهو يقول: لو إستطاع خالي الركض، لما سالت دموع أمي، تلك المسكينة تتقبل الصفعات واحدة تلو أخرى، فبعد اللجوء، إنعدمت الأفراح، فالهزيمة الكبرى تُوَلّد هزائم، ولا سعادة لنا بعد خسارة أرضنا. 

يتناول الكاتب نظرة المجتمع للأنثى، والتعامل معها بقسوة في عدد من قصص المجموعة، ففي قصة “دخان البنفسج” يُفسر الكاتب معنى الدخان البنفسجي حيث أنه الدخان الذي تصاعد من إحتراق جسد الفتاة  “ياسمين”، إحترق الجسد الغضّ الجميل ليحرر الروح المسلوبة، يتماهى الدخان مع الروح، كلاهما يصعدان إلى الأعلى، أحدها بنفسجي حزين، والآخر ” ياسمين” أبيض نقي، يبقى في الأرض رماد بواقي حياة غمرها السواد، “ياسمين” تمثّل شريحة من فتيات المجتمع تُرغم على الزواج من رجل لا تريده، ويتذرع بإسم النصيب والقدر أهلها لإلقائها في جحيم لا تجيزه نفسها، وضد رغباتها، في النهاية، إنتحارها الحل، وانتحارها الرد، والصوت الوحيد الذي يُسمع،…. لكن بعد فوات الأوان.

وفي قصة “إستحضار الصورة” كهوله تشبه تجاعيد الأرض العطشى، كلاهما يعيش بالحد الأدنى للعيش، بين الحياة والموت، تجف رويداً رويداً ماء الحياة عن كليهما، وبعد البحر وشاطئه لجوء يختزل العمر بصورة.

تتكرر النهايات الحزينة التي يطغى عليها الموت،يموت أحمد  ـــ إبن أكبر عاصمة عربية، في تأثر للكاتب حتى في قضايه العربية، والذي يسكن القبور ـــ تحت عجلات شاحنة في قصة (تكبيرات العيد)، وهو يحاول أن “يسرق” المال، ليسد رمق العيد، لا أحد متهم بسرقة فرحته وأمان وإطمئنان أسرته بالعيش في حياة كريمة.

الخلاصة

عشرون قصة ‘إستطاع الكاتب فيها تطوّيع اللغة في السرد بأسلوب مشوق، غلبت عليه بساطة التعبير، رغم تمكنه من غزل صور إبداعية وكأنها ومضات تضيء الفكر، وتُوصل المعنى بشكل رقيق. ونجح في جعل مجموعته الأولى  هذه لافتة للإنتباه في تنوعها،ووتلويناتها، وأقسامها، وموسيقى ايقاعها، حتى بدت لك كباقة ورد أدبية فيها من الالزهار والألون ما يروق لك الإمعان في التحديق بها بعيون  الفكرة والحدث واللغة والصورة والبعد والأثر والهدف والرسالة.

مبارك للكاتب “عصري فياض” هذه المجموعة المميزة، ومبارك لبلدي جنين هذا الطرح القيم لتاريخ ممتد منذ الانتفاضة الأولى إلى الانتفاضة الثانية ومعركة مخيم جنين” الأسطورة التي كسرت عنجهية الاحتلال”، وجدير أن يوضع هذا الكتاب على رفوف المعارض الدولية للكتاب، هو خير ما يمثل شعب فلسطين بين الشتات والمقاومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى