شعرية العنونة في ديوان ( هذا غبار دمي) للشاعر حيدر عبد الخضر

 أ.د مصطفى لطيف عارف | ناقد وقاص عراقي

وفي ديوان (هذا غبار دمي)الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة عام 2010 ,نجد أن كل ما فيه من العنوان,وصورة الغلاف,وتواريخ القصائد,وبعض عنواناته,ومتونه,وما خفي من سيرة الشاعر,والكلمة التي أهداني إياها,والاستدراك البريء ,ومقولة دانتي في جحيمه كل ذلك يشير إلى فداحة الهم,وعظم لوعة الشاعر الذي كظم غيظه في سنوات اليباب,والتصحر إذ لم تبق للشاعر سوى الأمنيات في زمن الحروب,والحصارات ,والأحلام الشفيفة[1], إن دراسة المقاربات النقدية المهيمنة على متن الديوان الشعري ,من خلال نظرة الشاعر,ونظرة المتلقي الناقد,وقراءتي النقدية التي سلطتها على الشاعر, وديوانه الشعري , أن يكون حيدر عبد الخضر امتدادا إبداعيا لأسماء,وتجارب مهمة,تركت بصماتها على جبهة الوجود,والحياة النقدية,وأن أضمد بكلماتي,ودراساتي كل أوجاع الكون التي تساقطت على جسد هذا الوطن,المكبل بالفجائع,والطعنات, وأن يكون المثقفون,والشعراء هم أنبياء هذا العصر الذين يزرعون الأمل,والضحكات في صباحات الوطن المدججة بالموت,والخسارات, لان  الشعر هو الماء,والهواء الذي نعطر به فساد الأمكنة,والأمزجة,والعقول, وهو النبوءة, و الحياة  ,والوجود ,والعنوان هو العتبة المقدسة نصيا , فبه يتكثف المتن ومنه يأخذ هذا المتن شحنته التي تبقيه صالحا- وباستمرار- للقراءة بكل أشكالها المواجهة والفاحصة والمنتجة انه النص وعن طريق ضبطه نتمكن من إيصال طرود الانطباع والتأويل بسلامة تلق فاعل , على اعتبار أن العنوان هو الموجه الأساس الذي تسترشد به القراءة عن أخبار النص الأدبي والغاية التي يريدها [2], فهو أداة توجيه مهمة جدا بين الاداوات الأخرى انه تسمية النص , وجنسه وانتماؤه , يعد العنوان أول المعايير التي يقاس في ضوئها – نصيا- مدى الاهتمام بالقارئ , ومدى الاشتغال على إغوائه عن طريق هذه العارضة الاشهارية – العنوان- أي الاهتمام بالقارئ المقصود , المخصوص بالخطاب , الذي – كما يرى وولف- يمثل فكرة النص المركزية التي تشكلت في ذهن الكاتب [3], فالاهتمام بالقارئ يعني الاهتمام بالنص نفسه , لان القارئ هو المتكفل بإعادة أنتاج النص وتشكيله على الدوام , فقد أصبح القارئ مشاركا ومتابعا ومفسرا لكل شفرات النص ودلالاته وفك شفراته انه مبدع ثان للنص [4]0

إن نظام العنوان يعمل وفق قوننة غاية في الحساسية , إذ يتبلور النص بموجبه , فإذا كان العنوان طويلا ساعد على توقع المضمون الذي يتلوه,أما إذا كان قصيرا فعندها لابد من قرائن تساعد على التنبؤ بالمضمون [5],ومن الممكن ان يكون دالا صوتيا كان تسمى المجموعة القصصية بالموت أو النهاية الحتمية , أو موت الأمير , أو أن يكون علامة محددة  بنوعها مروية مثلا , أو علامة استفهام , أو على شكل نقاط وعند ذلك يبدأ العنوان عمله بوصفه حسب امبرتو ايكو – مفتاحا تأويليا [6], أو مفتاحا لمدخل المجموعة القصصية , على رأي الدكتور حمد محمود الدوخي ,فهو يختصر الكل , ويعطي اللمحة الدالة على النص المغلق , فيصبح نصا مفتوحا على كل التأويلات [7].

 وفي ديوان (هذا غبار دمي) للشاعر حيدر عبد الخضر تترابط جميع عناصر الديوان  ترابطا متناغما يشد العنوان إلى الكلمة الأخيرة فيها,مرورا بعتباتها النصية,والنصوص,فهذا غبار دمي,عنوان محمل بالدلالة,ومعبر عن صورة شعرية أراد لنا الشاعر أن نتوقف عندها عندما اختار أن يكتب عنوانه بهذا الشكل(هذا غبار دمي)ليست مألوفة في الحديث اليومي,لان الغبار يكون مرئيا للجميع ولا حاجة للإشارة إليه باسم الإشارة (هذا),وبذلك يكون الغبار الوارد هنا غبارا من نوع خاص,يحتاج إلى الإشارة للفت الانتباه إليه,ويأتي ذلك الصمت الذي يعقب الإشارة,ليعطي القارئ فرصة للتأمل في الغبار الغريب,وربما التساؤل عنه,لتتحقق المعرفة أخيرا ,بأنه غبار دم الشاعر,والمراد منه نصوص هذا الديوان ,مما يكسب النص صفة معنوية قد لا يستطيع التعبير عنها بصورتها المكتوبة,فحرص الشاعر على إظهار هذه الصفة من خلال الإشارة إليها,وجعل هذه الإشارة فاتحة للديوان,ليدخل القارئ إلى عوالم النصوص,وهو يختزل في ذاكرته تلك الصورة المعبرة عن الحقيقة التي تقف وراء النص,إذ أن الغبار يكون دوما بحاجة إلى ما يثيره, وأكثر عوامل الإثارة التي ترد في النصوص الشعرية هي الريح والمعركة,التي تعبر عن ضراوة ما يعانيه الشاعر في نفسه نتيجة تأثره بالواقع,وأحداثه المترسبة إلى ذاته[8],فنراه يقول:

بعيدا عن الشخير

توجهت شطر

المائدة000

لإدانة ما تساقط

من قفص .. الببغاء

آويت.. فحولتي

إلى جدار.. أعزل

آويت العقم.. إلى أوردة

محشوة

بالتبغ والنعاس

برهنت على انكفائي

في مضمار

الاشتهاء

دحرجت أعنتي

خلف مساءات

كسيحة[9]

  وهذا يعطينا دلالة سيميائية بان الشاعر  في معركة مع الواقع نتج عنها هذا الديوان الشعري الجميل,وان المتلقي سيشارك الشاعر في معاناته المستمرة مع الحياة من اجل أثبات الوجود, إن معاينة متفحصة لبعض عنوانات النصوص التي ضمت ديوان (هذا غبار دمي)تمنحنا فرصة سانحة نحو عوالم الشاعر حيدر عبد الخضر ,وخساراته ,ومنها:(أرواح ذابلة,هذا غبار دمي,هكذا تقطف الأناشيد,حمى الرحيل,ست نوافذ للصمت,انكسارات مزمنة)إنها رسائل موجعة بثها الشاعر العليل إلى متلقيه,وهي تروي متانة تشبث الشاعر بناسه,ووطنه,ولاسيما في قصائد العمود,والتفعيلة,إذ إن  للأوزان ,والقوافي أثرا في تلقيها بنحو جميل منسجم[10] مثلما في النص الفائز بجائزة الشعر في قصيدته(باق ألوح للندى),فنراه يقول:

باق

على نهر الفرات

سفينتي جسدي

وأشرعتي ثيابي

ما زلت أغزل

من خيوط الشمس

سرا لانسكابي

عبقا

وما زلت الذي

يحيا ويهتف .. للتراب[11]

 انه عمق انتماء الشاعر إلى تراب وطنه, على الرغم من هول معاناته,وجسامة همومه,لكنه ما برح يتغنى بوطنه[12],ويستطرد الشاعر حيدر عبد الخضر في نداءاته للأصدقاء الشعراء,وللوطن,وللجنوب,ومدينته الناصرية الخالدة,بأنه حامل لنبوءاته المؤكدة,وأناشيده المرة,فنراه يقول:

قولوا..

لوطني

للجنوب

للناصرية

لكل هؤلاء..

بأنني منذ أن طفحت

على خاصرة

الكون

..

وأنا أحمل

في دمي

       نبوءة الأتربة.. [13]

  فلا عجب أن تصطبغ نصوص الديوان الشعري  بلون الدم,كتلك الأيقونة الحمراء التي تشير إلى خيط الدم الظاهر في غلاف الديوان,فثمة وشائج سرية تربط بين الاثنين,وبسبب نثرية النصوص,فان الصور, والمضامين تشكل العلامة المهيمنة على فضاءات النصوص الدالة على احترفات الذات الشاعرة التي تحيلنا إلى عذابات الشاعر الحقيقية,وليست المتخيلة,أو المفتعلة مما أضفى ذلك على نصوص المجموعة صدق التجربة,وجمالية الأداء الفني,وعلى مراثيه المحتشدة بطوفان الألفاظ,والصور,والتشبيهات ذات الظلال النفسية التي تومئ للقارئ بإشارات تحيله إلى نفس الشاعر المضطربة من جراء اضطراب الواقع نفسه[14] ,إن التوصيفات اللاذعة التي أطلقها الشاعر على غرار(أرواح مالحة,غبار الدم,أرواح جافة,أسرار معطوبة,وصايا عاطلة,قلوب ذابلة,الفضاء الصدئ,الكلمات المتخثرة,الأقدام المطفأ,قصائد الجحيم,الصراط العقيم,الهياكل القطنية, الخ)إنها تشير علانية إلى معجم لغوي شامل يعين القارئ على تلمس خطى الشاعر,وأسلوبه الفني في كتابة النص الشعري[15].

المراجع:

[1] ينظر جريدة الصباح,ع 2164 :11 0

[2] سيمياء العتبة الشعرية : د0 حمد محمود الدوخي :297 0

[3] ينظر السياق والنص الشعري من البنية الى القراءة : علي ايت :106 0

[4] ينظر  كسر افق توقع القارئ عند شعراء المعلقات : رمضان احمد عامر : 304 0

[5] ينظر معجم السيميائيات : فيصل الاحمر : 227 0

[6] ينظر تخطيط النص الشعري : د0 حمد محمود الدوخي : 40 0

[7] ينظر : معجم السيميائيات : 226 0

[8] ينظر جريدة الصباح الجديد:11 0

[9] هذا غبار دمي:حيدر عبد الخضر:52 -53 0

[10] جريدة الصباح ع 2164 ,في 31 كانون الثاني,2011 :11 0

[11] وأرخ نبضي القصب, مجموعة شعرية مخطوطة للشاعر حيدر عبد الخضر:22 0

[12] ينظر جريدة الصباح ع 2164 :11 0

[13] هذا غبار دمي:90 0

[14] جريدة الصباح ع 2164 :11 0

[15]  ينظر المرجع نفسه:11 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى