أزمة المجال السياسي الإسلامي.. قراءة في كتاب ” الفتنة والانقسام” لـ”عبد الاله بلقزيز “

أحمد بابانا العلوي | المغرب

خصص الاستاذ عبد الاله بلقزيز ضمن مشروعه  الفكري  التأ ريخي النقدي  للتراث الإسلامي ..سلسلة من المؤلفات الهامة تناول في بعضها اشكالية تكوين المجال السياسي الاسلامي.. والجدير بالذكر في هذا المقام كتاب “الدولة والدين في الاجتماع العربي الاسلامي وكتاب االدولة والمجتمع جدليات التوحيد والانقسام ثم كتابيه في  تكوين المجال السياسي الاسلامي الاول بعنوان  النبوة و السياسة والكتاب الثاني بعنوان الفتنة والانقسام(ط/3/عام 2015).

 اهمية هذه الكتب وغيرها من كتابات الاستاذ عبد الاله انها تطرح قضايا واشكالات جوهرية تغوص في تعقيدات الاجتماع السياسي للمجتمعات الاسلامية وتفتح كوة تضيئ السبيل للباحثين  وتحفز  على اختيار المنهج العقلاني القويم لاستشراف المستقبل لتمكين المسلمين  من استعادة فاعليتهم ودرهم الحضاري والانساني على مسرح التاريخ ..

 لهذا اخترت ان اتوقف عند ما اثاره الاستاذ عبد الاله حول اشكلية المجال السياسي الاسلامي او الاحرى ازمة السلطة السياسية في الاجتماع الاسلامي عبر التاريخ.. وسوف اعرض فقط  لمضامين الكتاب الثاني من تكوين المجال السياسي الاسلامي” الفتنة والانقسام” .

.ذكر المؤلف في مقدمة هذا الكتاب بانه يستانف ما بداه في الجزء الاول” النبوة والسياسة” الصادر سنة 2005 بمعنى انه في هذا الكتاب يتناول فترة الخلفاء بعد النبي عليه السلام وما شجر من احداث جسام خلال هذه الحقبة من تولية ابي بكر الى مقتل الامام علي ..حيث  كان الهاجس هو البحث على توازن يحافظ على الكيان الذي اسسه النبي( دولة المدينة) ليحمل رسالته الدينية وينشرها بين الناس..

وقد شهد المجال تطورا اكبر وتعقدا اشد في لحظة الانتقال من دولة النبوة الى دولة الخلافة ..ففي العهد العمري توسع نطاق الدولة فازدادت الجاجة الى الجيش والى المال والى اطر سياسية وادارية وقضائية ودينية تزود الدولة الامبراطورية بمن يشغل الوظائف والمناصب والمسؤوليات العليا في الدولة.. ونتيجة لهذا التوسع الامبراطوري للدولة الاسلامية وانضمام اقوام وثقافات وملل ونحل  ضمن مجالها .. فكان  يجب استيعابها وادماجها في النسيج الديني والسياسي في المجال السياسي الاسلامي …

لقد ادى هذا التطور المتسارع الى تحول المجال السياسي الاسلامي الى الى امبراطورية شاسعة الاطراف متعددة  الاعراق والثقافات.. وقد تولد عن هذا التطور  السريع تناقضات عميقة لم يكن في وسع المجتمع والدولة تفادي تاثيرها ونتائجها..

يقول المؤلف بهذا الصدد بانه حاول قراءة المجال السياسي الاسلامي لحظة الخلافة الراشدة من طريق تحليل مختلف الديناميات الحاكمة له :”جدلية الديني والسياسي فعل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية..جدلية المركز والاطراف جدلية النص والاجتهاد..” متوخيا من وراء ذلك بناء ادراك متكامل لسياقات ذلك التكوين ومآلات الاجتماع السياسي الاسلامي اعتمادا على المصادر التاريخية الاسلامية محاولا بناء صلة نقدية بها وبمروياتها ..ومع تحري الدقة في بناء الاحكام والاستنتاجات من خلال التدقيق في الروايات التاريخية وتجنب استسهال الاطمئنان الى معطياتها ..(ص/11)

يتضح من هذه التوطئة منهجية المؤلف وطريقته في مقاربة وتحليل اشكاليات المجال الساسي الاسلامي بغرض الوصول الى العوامل الفاعلة في ازمة المجال الساسي بمختاف ابعاده ومكوناته ومحدداته :” ازمة السلطة والدولة والسياسة والمجتمع..”

وضمن هذا الاطار قسم المؤلف كتابه الى قسمين..

في القسم الاول تناول فيه مسالة الصراع على السلطة (ما بعد النبي..)

وفي القسم الثاني تطرق فيه الى مسالة التمرد والانشقاق..

..دارت  فصول القسم الاول من الكتاب  على مسالة الصراع على السلطة في الاسلام المبكر لحظة الانتقال من عهد النبوة وادراته الى عهد الخلافة وادارة الصحابة وهي لحظة كما يقول المؤلف صنعتها متغيرات ذات اثر بالغ في حياة الجماعة ومستقبلها ..

 لقد ترك النبي فراغا ما توقعه القوم وما عرفوا باي الوسائل يواجهونه ..فالنبي كان هو القائد والمرجع والمعلم بامور الدين والدنيا .. واليه يعود تدبير شؤون الجماعة وقيادتها في الحروب..و اليه يحتكم الناس في كل امر. او خلاف .. وبه الاسوة والاقتداء..وللنبوة هالتها وقدسيتها ..

والمؤمنون الذين صحبوه وعاشوا معه وتقاسموا معه الصراء والضراء ..ما عرفوا غيره اماما ورمزا لجماعتهم.. فهو فيهم رسول ورئيس الدولة وقائد الجيش والقاضي والمربي وكفيل اليتامى والمحرومين ..والاب والقدوة والمثال ..اذا امر يطاع واذا نهى فيمتثل لنهييه واذا تكلم حسم .. (ص/16)

 ومن ثم كانت وفاة النبي صدمة عظيمة اصابت المسلمين بذهول وشعور بالفراغ الرهيب واليتم الجماعي الشديد الوطاة.عليهم.. ورغم هول المصاب كان لا بد من ملء الفراغ القيادي..والذي يحصل في مثل الحالات الشبيهة ان تؤول امور سده الى عامة الناس وخاصتهم .. الا ان النبي كان قائدا استثنائيا في التاريخ وفوق ذلك وقبله ..كان نبيا يوحى اليه ..وكان معلوما لدى الصحابة ان خلافته انما في تدبير شؤون المسلمين من بعده..ومع ذلك فقد استعظموا التصدي لذلك الامر ليس لجهلهم بامور الدولة فقد خبروا بعضها .. ولكن بسبب الخشية وعدم اليقين بان احدهم يملك القدرة على القيام به على الوجه الانسب..

 لقد احدثت نازلة غياب النبي فراغا في السلطة .. هز الاجتماع السياسي ونجمت عنه  ديناميات عميقة سوف تؤثر في مالات حقبة الخلافة وما تلاها ..

 يرى المؤلف ان اول علامات ذلك الفراغ الكبير في السلطة يرجع الى افتقار الجماعة الاسلامية الى نص يشرع لاجتماعهم السياسي ولمسالة السلطة ونظام الحكم.. كجماعة ما ادركت معنى للسياسة والدولة الا في اقترانها بالدين وقيام امرها على مقتضاه … فالدولة التي ورثها المسلمون( دولة المدينة ) او الدولة النبوية . اقامها على مقتضى الدين..وهي تبدو اليوم دولة سياسية بالمعنى الكامل للكلمة .. وتسميتها بدولة تيوقراطية اسقاط غير مبرر وغير ذي سند تاريخي ..(ص/24) لان السلطة تفقد الراسمال النبوي و بالتالي اصبح مفروضا على جماعة المسلمين الانتقال من سلطة النبوة الى سلطة خلافة النبي والسلطة بعد النبي لا عصمة لمن يطلبها او يتولاها او لمن تؤول اليه ..فهي تابعة للموازين الاجتماعية ولاحجام القوة ..وضمن هذا السياق يمكن فهم الخلاف بين الانصار والمهاجرين ..

ومن علامات  الفراغ ايضا فقدان الخلفاء راسمال الكاريزما المحمدية ( اجتماع القيادة والنبوة) الراسمال السياسي الذي كان يتمتع به النبي في وسط قومه” القيادة السياسية المحنكة لجماعة ومجتمع وامة ودولة..” مما فتح امامه طريق الظفر ..ومكن الدعوة ان تفرض نفسها بقوة السياسة..(ص/26) علامة اخرى في الفراغ الذي احدثه غياب النبي ويتعلق بالشرعية التي كرستها الحقبة النبوية في الادراك الجمعي الاسلامي و المتمثلة في التداخل والتماهي بين القيادة السياسية والقيادة الروحية في شخص واحد يمثلها ويجسدها معا ..بعد وفاة النبي حصل انفصال بين الحدين وباتت القيادة السياسية مجردة من راسمالها الديني وبالتالي فقدت اهم ديناميات السياسة والسلطان والمشروعية ..وهكذا كان الانفصال داخل الشرعية بين الديني والسياسي يدفع بالسلطة الى البحث عن شرعية من السياسة.. فهي لم تملك ادعاء العصمة..(ص/27). وفي احسن الاحوال مجرد اجتهاد محكوم بسياقه قد تزول الجاجة اليه بتغير الظروف التي كانت وراءه .. ونتيجة  لهذا التمايز بين شرعية النبي وشرعية  سلطة الخلفاء التي هي بالاساس شرعية سياسية وتبعا لذلك فهي موضوع للنقد والتنازع ..

بتوسع نطاق الدولة وكيانها انطلاقا من الفتوحات مما سيكون له الاثر الحاسم في تقرير انماط الصراعات التي جرت على السلطة بين الصحابة وما تنج عنها  من اشكال وتوازنات سياسية استقرت عليها تلك الصراعات  وما لابسها  من التحالفات وانبثق عنها من مذاهب فقهية ..

هل ادى الخلاف بين الصحابة حول الخلافة الى شل قدراتهم مما جعلهم عاجزين على ملء الفراغ وحفظ الاجتماع السياسي من الانفراط والتبدد؟

يجيب المؤلف على هذا السؤال الحاسم بقوله ” لم يفشلوا بل بذلوا اوسع جهد في طاقة بشر ان يبذله من اجل الذهاب بالمشروع التاريخي الى التحقق واحرزوا نجاحات تبهر خاصة في عهد الشيخين (ابوبكر وعمر) وحفظوا وحدة الجماعة السياسة من الانفراط وحافظوا على وحدة الدولة وهيبتها وسلطانها في الجزيرة..ان ما جرى من احداث جسام سيشكل المفتاح لفهم التحولات الكبرى في المجال السياسي الاسلامي الحديث التكوين..(ص/30)

وهكذا فان المجال السياسي الاسلامي بعد حقبة النبوة سيشهد تبدلات  غيرت تكوينه ومجراه واعادت تشكيله على نحو جديد حافظ فيه على سمات التكوين ولو على نحو رمزي ولكن ضروري من اجل استمراريته واسعار لنفسه بعض القواعد والادوات التي تناسب التطور المنشود طبقا لضرورات قوانين التاريخ وحتمياته ..

لقد ادى الصراع على السلطة بين مختلف الفرقاء خلال هذه الحقبة المبكرة من تاريخ الاسلام والمسلمين الى التغير الحثيث في ديناميات السياسة والانتقال من الدينامية الدينية الى الدينامية العصبوية ..الخ وهو ما حاول المؤلف ان يرصد تجلياته السياسية واليات احتوائه وفضه من اجل اعادة انتاج  وحدة الدولة  والجماعة السياسة  وذلك في فصول القسم الاول من الكتاب ..

قام المؤلف في فصول القسم الثاني من الكتاب بتحليل عميق لآزمة السلطة والخلافة في الاسلام وما نتج عنها من صراع ونزاع بين القوى المتنافسة والمتصارعة على السلطة ..

وتطرق للجدليات الحاكمة للاجتماع السياسي وحددها في الحقائق التالية:

-1- جدلية المركز والاطراف وقد ظلت  حاكمة طيلة الفترة  التي اعقبت وفاة النبي..و كان اثرها حاسما في صناعة وقائع التاريخ الاسلامي وتوجيهها في تلك الحقبة..

-2- جدلية الديني والقبلي  كان لها اثر بالغ  في وقائع تاريخ هذه الحقبة بحيث توحي بان مفعول الدين كان اساسيا في تقرير الحوادث  والظواهر والصراعات ..غير ان التدقيق في اخبارها يقطع بوجود  اشكال  تلبس الابعاد القبلية  والعصبوية في الصراع على السلطة..

منذ اجتماع السقيفة  وتولي ابي بكر الحكم وصولا الى اختيار عثمان وما حصل  في نهاية ولايته  من تحشيد وتجييش..كان العامل القبلي حاضرا في المشهد باعتباره العامل الرئيس في اذكاء  الصراع ..ففي حرب الجمل وصفين انحاز المقاتلون الى هذا الفريق او ذاك مما يدل على دور العامل القبلي في تفجير الاحداث .. بحيث يصعب فهمها  بمعزل  عن هذه الجدلية التي يتداخل فيها الديني بالقبلي تداحلا تلازميا واقترانيا ..(ص/296)

-3- جدلية النزاع على السلطة بين بني امية وبني هاشم  والتي توجد تاثيراتها  وادوارها في قلب التطورات و المتعطفات  السياسية وهي اساس كافة الاومات التي  استبدت  بالجماعة  والدولة .. لقد مر الصراع بين القطبين من اربع لحظات تاريخية  بدات مع بزوغ الدعوة المحمدية  وصراعها مع اعدائها ..ثم جاءت لحظة الانفجار  باغتيال الامام علي وتنصيب معاوية خليفة ..

-4- جدلية السلطة والثروة  بحيث كان تاثير الطلب على الثروة  عاملا  من عوامل الصراع  على السلطة ” حروب مصالح استعارت مفردات دينية  ونتجت عنها تحالفات  سياسية ..” فكان لعامل الثروة دور كبير اثر في تاجيج  الصراع  على السلطة  مما اوصل الازمة الى مداها وادى الى الانشقاق  داخل كيان الامة..

لقد قادت هده الجدليات  الى اعادة  تشكيل  المجال السياسي الاسلامي على نحو مختلف  الى حد بعيد عما كان عليه في العهد النبوي ..و اسفرت عن هذا الوضع ظهور ديناميات  سلبية تمثلت  في تاسيس العلاقات السياسية على الغلبة والاستبداد بدلا من  من الشورى والتراضي ..فكان مدخلا الى الانتقال من الفتنة الى الانقسام ..(ص/298)

الخاتمة..

ان الهدف الذي توخيناه من هذا العرض  هو الوقوف عند اطروحات المؤلف التي تبحث  في تطور الاجتماع السياسي الاسلامي ..وعن ابعاد ازمة السلطة في المجال السياسي  واسبابها والعوامل  المؤثرة فيها والمحركة لها ..

بحيث لم تكن المسالة مجرد نزاع  بين قطبين ينتصر فيه هذا الطرف او ذاك ..ولكنها كانت خلافا بين نظامين متقابلين  وعالمين  متنافسين .. احدهما يتمرد  ولا يستقر  والاخر يقبل الحكومة  كما استجدت  ويميل  فيها  الى البقاء والاستقرار..

صراع بين الخلافة الدينية  والدولة  الدنيوية .. وليس موضع الحسم فيها  ان ينتصر  هذا الفريق او ذاك ..بل موضع الحسم  فيها مبادئ  الحكم كيف تكون  اذا تغلب احد النظامين على خصمه ..ان تكون مبادئ الورع والزهد او مبادئ الحياة على اساس الثروة والمال ..

فالحسم هنا  انما تغليب مبادئ الملك او مبادئ  الخلافة .. ولا بديل في علاج الامر على غير هذا الوجه ..

واذا التبس الموقف  بين الخلافة  والملك  فوجب  ان يزول التباس على وضع  صريح ..ولن يزول الا اذا بلغ الخلاف مداه .. وكتبت الغلبة لحكم من الحكمين ..

هذه هي العلة  التي تنطوي فيها جميع العلل الظاهرة والخفية.. وهي الخلاف بين مبادئ الخلافة الدينية  ومبادئ الدولة الدنيوية ..  وضرورة الفصل بين قيادة  المنافع  وقيادة الصلاح التي تطمح  الى الاصلاح والتغيير ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى