تأويل الخراب: قراءة تفكيكية في جماليات الهزيمة في نصّ لشاعر العراقي حيدر الحجاج
قصيدة: عِندَ قُبْلَةِ الحَرْبِ تَنَامُ أَحْلَامُنَا

بقلم: كاظم أبو جويدة
أولا – القصيدة: عِندَ قُبْلَةِ الحَرْبِ تَنَامُ أَحْلَامُنَا
قبل عقودٍ طويلةٍ
نامَتْ أحلامُنا
وكنّا – نحن أولاد المرارةِ
عازمينَ على هدمِ الخرابِ
لكنّ أحلامَنا ذاتَها
الأحلامَ المنتصبةَ القامة
الناطقةَ بالمواويلِ
وبشجنِ الصبيةِ اللامعينَ،
كانتْ حائلاً بيننا
وبينَ سفنِ الهجرةِ الأولى
ولهذا ظلّتْ قاماتُنا تلحسُ المدينةَ
وتنامُ على شجنٍ غابرٍ
كلَّ ليلةٍ بالشجنِ نفسِه
عن الأحلامِ وغيابِها
ومراراتِها الطويلةِ!!
تلك أوزارُ الحربِ تنامُ معي
فهذه خوذتي
وتلك خراطيشُ مَن كانوا معي
في الهزيمةِ الأخيرةِ
على ما أظنُّ
حتى قُبلة الحربِ الأخيرةِ
كان طعمُها شائكاً
مثلَ بقيةِشائعاتِ الهزائمِ
التي تتناغمُ
مع نشرةِ الأخبارِ الكاذبةِ
وهي تُتلى على الأمهاتِ
المفجوعاتِ بسيلِ الأغاني
التي تدّعي النصرَ
تلك أوزارُ الحربِ معلّقةٌ كنياشينَ
وأوسمةٍ على مؤخّراتِ
القادةِ الذين يخشَوْنَ من نسائِهم
ويتبجّحونَ على ضعافِ الجنودِ
تلك النهاياتُ أيضاً تنامُ معي
من فرطِ الأحاجي
التي فُرِضَتْ علينا
كوابلٍ من الشتائمِ
وقد اعتدْنا عليها
كنبيذٍ مُرٍّ
أو موسيقى نلهو بها عندَ
آخرِ الليلِ
لمضاجعةِ أحلامِنا
التي تنهارُ
مع آخرِ النهارِ أو كخوذتي التي
تلمعُ من ذلك الرصاصِ
الذي كفّنَ حياتَنا ببؤسٍ شاسعٍ
مع الإمّعاتِ التي تتربّعُ
على كرسيِّ حياتِنا الفارغةِ تماماً
وهي تنتظرُ مثواها الأخيرَ
قربَ قردٍ آخرَ يتلمّظُ ويضحكُ عالياً
ويا للروعةِ!
الحياةُ الفارغةُ ستنتهي بقبرٍ وحيدٍ
على قارعةِ الألمِ!
ثانيًا – القراءة التفكيكية
العنوان: “عِندَ قُبْلَةِ الحَرْبِ تَنَامُ أَحْلَامُنَا”بشكل عام العنوان في القصيدة أعمق من مجرد عتبة نصية، وقد يتجاوز ذلككعقد دلالي مكثف يختزل البنية العميقة للنص بأكملها، يحمل المفارقة الأساسية ويُنبئ بالانهيار القادم للحقيقة وتجلي تفاصيلها.
العنوان هو البوابة التأويلية التي تُحدد أفق التوقع وتُوجّه القراءة نحو حقل دلالي محدد. لذلك نجد هنا، اشتغال العنوان كمختبر للتناقضات: “القبلة” (الحب/الحياة/البداية) تُضاف إلى “الحرب” (الموت/الدمار/النهاية)، مُنتجةً تركيباً مستحيلاً – قبلة لا تُحيي بل تُميت. الإضافة البيانية تخلق وحشاً لغوياً، كياناً هجيناً يجمع النقيضين في صورة واحدة.
الفعل “تنام” يحمل مفارقة مزدوجة: الأحلام يُفترض أن تحدث أثناء النوم، لكنها هنا تموت فيه؛ والنوم استعارة للموت لا للراحة، موت ناعم بلا عنف ظاهر. “عند” (ظرف اللحظة الحاسمة) تربط التناقضات في نقطة انفجار واحدة: اللحظة التي يلتقي فيها الحب بالعنف، حيث يصبح الفعل الأكثر حميمية (القبلة) هو ذاته الفعل القاتل.الأحلام لا تتحقق ولا تستمر، بل تنام، تدخل عدماً أبدياً عند أول تماس مع الواقع، كأن الواقع نفسه قبلة سامة تقتل كل أمل عند ملامستها.
معمار النص: ولأن الواقع المرير لا يغازل أحلامنا الشفافة بالمجمل العام لذلكنهضت القصيدة على مفارقة غريبة: الأحلام التي كان يُفترض أن تدفعنا نحو التحرر صارت هي ذاتها السجن. هذا الانقلاب الدلالي الذي تعاضد مع جزئية المعنى عند عتبات الميتافورة هو أكبر من مجرد لعبة شعرية، إنما تشخيص دقيق لواقع استحالت فيه المقاومة إلى شكل من أشكال الاستسلام المؤجل. الحلم أصبح قيداً، والرجاء تحول إلى سجن.
رقص الشاعرمتفنناً على ثلاثة حبال لأزمنة مختلفة، لكنها جميعها في الحقيقة تندرج قي خانة زمن واحد: الهزيمة. فالماضي “قبل عقود طويلة” صار نكبة أولى تلد كل النكبات التالية، كأن التاريخ العربي تحول إلى سلسلة من الإخفاقات المتوالدة – وهذا ما تسميه المناهج الحفرية التاريخية بالبحث في الأصول، أي تتبع كيف تنتج كل كارثة الكارثة التالية في سلسلة لا تنتهي، عبر رصد شبكات العلاقات والسلطات التي تتوالد من بعضها. الزمن الثاني هو الحاضر؟ فعل واحد يتكرر: “تنام”. الجنود ينامون، الأحلام تنام، الأوزار تنام، حتى الحياة نفسها “فارغة” تنتظر قبرها. نوم مزمن، موت حي، وجود بلا فاعلية. المستقبل اختفى تماماً، حلّت مكانه دائرة مغلقة: “كل ليلة بالشجن نفسه”. نفس الليلة، نفس الألم، إلى الأبد.
هذا التكرار الجهنمي يشبه ما طرحته الفلسفات الدورية على غرار نيتشه وتمثلات فكره في العود الأبدي في أقسى صورها، حيث يتأكد إعادة تمثيل نفس الهزيمة مرة تلو أخرى، كأننا محكومون بلعنة أبدية. التاريخ لم يعد خطاً يتقدم، صار دائرة تدور حول نفسها، حيث تتكرر كل لحظة بشكل لا نهائي مما يحول التطور إلى مجرد وهم.
المشكلة الحقيقية في النص تكمن في الأحلام نفسها. الشاعر يقول إنها “كانت حائلاً بيننا وبين سفن الهجرة الأولى”. الأحلام تمنعنا من الهجرة، من التحرك، من الفعل الحقيقي. لأنها “منتصبة القامة، الناطقة بالمواويل” – شكل المقاومة موجود: القامة منتصبة، الصوت عالٍ، لكن المضمون مجرد مواويل، أغانٍ حزينة نبكي فيها على أنفسنا. فالموال في سياقه الدلالي الشعبي الواقعي عزاء وليس سلاحاً.
هنا تتحول الأحلام إلى جهاز أيديولوجي كما تصفه المقاربات المادية للوعي – ليست وعياً زائفاً بسيطاً، إنما آلية نستبطن من خلالها هزيمتنا طوعياً عبر مؤسسات ثقافية واجتماعية تشكّل ذواتنا، نظن أننا أحرار ونحن نردد شعارات المقاومة، بينما نعيد في الحقيقة إنتاج عجزنا دون قسر مباشر. الأحلام صارت المخدّر الجديد الذي يبقينا في مكاننا.
أعنف ما في النص وصف القادة: “أوزار الحرب معلّقة كنياشين وأوسمة على مؤخرات القادة”. الأوسمة التي يُفترض أن تُعلّق على الصدر بفخر، معلّقة على المؤخرات. ليست مجرد سخرية، إنها إهانة متعمدة لكل خطابات البطولة الرسمية، تعرية كاملة للخطاب الرسمي من بلاغته الاحتفالية. اللغة هنا تمارس عنفاً رمزياً مضاداً – تستخدم القوة الناعمة ذاتها التي تُمارس عادة عبر اللغة والثقافة لفرض معايير الهيمنة، لكن بالعكس، لتفكيك الخطاب الرسمي وكشف زيفه وعنفه المستتر.
الأدهى أنهم “يخشون من نسائهم ويتبجحون على ضعاف الجنود” – في البيت جبناء، في الثكنة طواويس. مع الأقوياء صامتون، مع الضعفاء صارخون. هذا تشريح نفسي لشخصية القائد الهزيل، حيث الجبن والزيف عناصر تأسيسية في بنيته الوجودية، وليست عيوباً عارضة.
“هذه خوذتي التي تلمع من الرصاص” – جملة واحدة تحمل حرباً كاملة. الخوذة كوجود عنيف يعيش القلق أكبر من كونها مجرد معدن، إنها شاهد. اللمعان ليس جمالاً، إنه أثر رصاص مرّ بقرب الرأس. الأشياء المادية في النص أصدق من البشر: الخوذة، الخراطيش، القبر.
الكلمات الكبيرة (النصر، البطولة، المقاومة) كلها كاذبة. “الأغاني التي تدعي النصر” تكذب، و”نشرة الأخبار الكاذبة” تخدع الأمهات الثكالى. الصدق الوحيد موجود في القبر على قارعة الألم.
ثم يأتي هذا التعبير الغريب: “أولاد المرارة عازمين على هدم الخراب”. كيف تهدم شيئاً مهدماً أصلاً؟ كيف تدمّر الدمار؟ كيف تُلغي حالة الانهيار التي صارت هي البنية الأساسية للواقع؟ المهمة متناقضة منطقياً قبل أن تكون مستحيلة عملياً. أولاد المرارة – الفقراء، المهمشون، أبناء الطبقة الخاسرة – يريدون إعادة البناء، لكن الأساس نفسه غير موجود. الخراب صار هو المادة الأولى التي نعيش فوقها.
اللغة متوترة، تتراوح بين الشعري الرفيع (“الناطقة بالمواويل”) والشعبي الحاد الصارخ المتوثب (“مؤخرات القادة”). هذا المزج يكسر أحادية الصوت الشعري، يعكس تشظي الذات والواقع معاً. الاستعارات حادة: “تلحس المدينة”، “النبيذ المُرّ”، “الرصاص الذي كفّن حياتنا”. اللحس فيه إذلال، التكفين فيه موت رمزي، التلمظ فيه حيوانية.لنقف هنا طويلاً، كما وقف الحجاج نفسه. في حوار جانبي بيننا، أخبرني أنه توقف أمام هذا المشهد مراراً قبل أن يكتبه، كأنه يحفر في صخرة الذاكرة بحثاً عن جوهر اللحظة. المصدر واقعة حقيقية: جندي طويل القامة، زميل للحجاج في جيش الحروب القهرية، يُجبَر صباحاً – أمام الصفوف – على الانحناء وتقبيل بسطال عريف قصير. تلك الليلة، اختار الجندي الانتحار.
لكن الحجاج لم يكتب “تقريراً” عن الواقعة، بل رفعها إلى مرتبة الاستعارة الكونية لعلاقة السلطة بالإنسان. الفعل “تلحس” – بكل ما يحمله من حيوانية وإذلال – ليس مجرد انحناء قسري، بل طقس ممنهج يحوّل القامة من رمز للكرامة والانتصاب إلى أداة للخضوع والاستلاب. القامة الطويلة، التي كان يُفترض أن تكون مصدر فخر، تصير لعنة قياسية: كلما ارتفعت، وجب أن تنحني أكثر، وأن يكون سقوطها أفدح.المدينة – في هذا السياق – لم تعد فضاءً جغرافياً، بل تمددت إلى معنى فلسفي: إنها الجسد السلطوي الشامل بكامل أعضائه وأدواته (البساطيل الحمراء، العرفاء، الضباط). حين “تلحس القامات المدينة”، فالمعنى الأعمق: الإنسان يلعق جسد قاهره، يقبّل أدوات استعباده، يشارك – قسراً – في إتمام طقس إذلاله الجماعي اليومي.الانتحار هنا ليس هزيمة، بل آخر بيان كرامة: رفض الجسد أن يكون أداة في مسرحية القهر.
الأقسى في الصورة هو التكرار: “كلَّ ليلةٍ بالشجنِ نفسِه” – هنا يكمن الموت البطيء، ليس في فعل الإذلال ذاته، بل في تكراره المُميت حتى يصير عادة. الشجن “الغابر” (القديم) يتجدد كل ليلة دون تغيير، وكأن الزمن توقف عند لحظة الخضوع الأولى. الجندي/المواطن المغلوب على أمره لا يُقاوم لأنه استبطن القهر، صار جزءًا من تكوينه، ينام عليه كما ينام المرء على فراشه. وهنا المفارقة المُرّة: القامات التي كانت “عازمةً على هدم الخراب” صارت هي نفسها تلحس أرضية ذلك الخراب، في دورة أبدية من الهزيمة الصامتة.
الصور البصرية تخلق مشاهدية سينمائية عميقة الاثر: الخوذة التي تلمع، القبر على قارعة الألم، القرد الذي يضحك. القصيدة تتحول إلى متتالية من اللقطات المرئية، تقنية تعتمد على بناء مشاهد متحركة داخل النص، مسرح كامل للهزيمة يمكن تخيله كسلسلة من المشاهد الفيلمية.
استخدام “أوزار” يستدعي السياق القرآني مباشرة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. الوزر ذنب فردي حسب النص الديني، لكن الشاعر يقلب المعنى: الأوزار هنا جماعية، متوارثة، نحملها كلعنة لا فكاك منها. الحرب تنتج أوزاراً تنام مع الذات، تعيش معها وتتغذى عليها تلتهم أعمارنا بجلد للذات لا تنتهي معالمه.
ينتهي النص بسخرية سوداء قاتلة: “قبر وحيد على قارعة الألم… ويا للروعة”. أي روعة في قبر وحيد؟ هذه سخرية من نوع مختلف تماماً – استخدام الفكاهة والتهكم للتعامل مع المأساة، بحيث يصبح الضحك آلية دفاع ضد العبثية، طريقة لفضح قسوة الواقع عبر المبالغة في تصويره كأمر “رائع”. حين يفقد الواقع أي معنى، يصبح الموت نفسه “رائعاً” – ليس لأنه جميل، فقط لأنه النهاية الوحيدة الممكنة لحياة فارغة.
القبر “وحيد” – عزلة تامة حتى في الموت، انفصال كامل عن أي معنى جمعي أو تضامن إنساني، تلك الوحدة المطلقة التي تحدثت عنها الفلسفات الوجودية باعتبارها الحالة الأصلية للإنسان في مواجهة العدم. القبر على قارعة الطريق يجعل الموت مشهداً عاماً، هزيمة مرئية للجميع.
وبجانب القبر “قرد أخير يتلمّظ ويضحك” – صورة غروتسكية مثيرة، صورة تجمع بين المرعب والساخر، بين الجميل والقبيح في مشهد واحد يثير القلق والاشمئزاز معاً، ذلك البعد الغروتسكي الذي تناولته دراسات الثقافة الشعبية والكرنفالية. القرد رمز للانحطاط، للعودة إلى ما قبل الإنسان، لكن الأفظع أنه يضحك. الطبيعة نفسها تسخر من المأساة البشرية.
“المثوى الأخير” هنا مثوى “للحياة الفارغة” – الموت يأتي كنهاية لعدم، كختام لغياب. النص يرسم طبقات اجتماعية متمايزة: الأمهات المفجوعات يتلقين أخباراً كاذبة ويُخدعن بأغانٍ تدعي النصر – ضحايا مزدوجات تفقد أبناءها ثم تُكذَب عليها. الجنود الضعاف يتعرضون لتبجح القادة، يحملون الخراطيش، ينهزمون، يصبحون مادة للموت.
هذا النص يقدم تأملاً قاسياً في فشل المشروع التحرري العربي. تحولت الأحلام الثورية إلى كوابيس مزمنة، وانهارت الخطابات البطولية أمام واقع الهزيمة المتكررة. القصيدة تشتغل كمرثية للأمل – تبكيه وتؤبنه كما تُؤبن الشخصيات، مانحة الأمل صفة كيان حي كان موجوداً ثم مات. نصب تذكاري للخيبة الجماعية، صرخة في وجه التاريخ الذي يعيد إنتاج كوارثه دون رحمة.
“عِندَ قُبْلَةِ الحَرْبِ تَنَامُ أَحْلَامُنَا” نص يعيش داخل الهزيمة، يتنفسها، يقول بوضوح قاسٍ: حتى أحلامنا بالمقاومة صارت جزءاً من هزيمتنا. ربما هذا أصدق ما يمكن قوله عن الحالة العربية الآن: نعيد إنتاج هزيمتنا كل ليلة بنفس الشجن، نفس الأغاني، نفس الأحلام النائمة. والقبر الوحيد على قارعة الألم ينتظرنا جميعاً.
“عِندَ قُبْلَةِ الحَرْبِ تَنَامُ أَحْلَامُنَا” نصّ يتحرر من الوزن العروضي والقافية الموحدة، لكنه يحتفظ بالكثافة الاستعارية العالية (“القامات تلحس المدينة”) والإيقاع الداخلي المتولّد من التكرار الدلالي (“كل ليلة بالشجن نفسه”)، مع بنية سطرية مقصودة تفصل بين وحدات المعنى الشعري. نص يعتمد على الانزياح اللغوي الصادم والاقتصاد في اللفظ، حيث كل كلمة محمّلة بطاقة دلالية مكثفة تخدم الصورة الكلية للإذلال والقهروالأحلام المبعثرة. إذن تجنيس هذا النص يندرج تحت عنوان (قصيدة النثر) وبامتياز جمالي متفرد.




