النزعة الوطنية المشروخة و النزعة المعادية للإسلام السياسي

سمير عادل| مفكر سياسي عراقي

(1)

العقلية القومية في إيران، كما هي العقلية القومية في تركيا، لا يمكنها التمدد في المنطقة وفرض هيمنتها السياسية والاقتصادية، في خضم تنافس محتدم بين الاقطاب الاقليمية الاخرى مثل السعودية والإمارات وإسرائيل، دون تغليفها بأيديولوجية قادرة على النفاذ والتغلغل في بلدان المنطقة.

أن تغليف القومية البرجوازية التركية أو القومية البرجوازية الايرانية بالإيديولوجية الإسلامية، هو الوسيلة الناجعة لتحقيق استراتيجية فرض النفوذ الاقتصادي والسياسي، وتشكيل جماعات وقوى سياسية محلية تتناسب وتتفق مع مشاريع تحقيق استراتيجيات تلك البرجوازيات، التركية والإيرانية في المنطقة.

ومن اجل توضيح ذلك أكثر، على سبيل المثال إن الهيمنة السياسية الإيرانية في لبنان لا يمكن إيجاد ارضية سياسية واجتماعية لها دون تغليفها بالإسلام، كما هو الحال ايضا في اليمن والعراق وسوريا، بغض النظر عن العناوين على الغلاف، مثل المقاومة والممانعة أو الحرب على الإرهاب. ويصح نفس الشي وبقدر متساوي على التمدد التركي في العراق أو في بلدان كانت جزء من الإمبراطورية العثمانية.

أي أنه لا يمكن مواجهة النزعة القومية المحلية في تلك البلدان من قبل التمدد القومي التركي أو الإيراني، الا بأيديولوجية اكبر منها، والا يطرح سؤال على حزب الله اللبناني وتحالف المليشيات العراقي المتمثل بالإطار التنسيقي وجماعة الحوثي في اليمن ومجموعة الحلبوسي- خميس الخنجر في العراق وآخرين، من أين يستمدون حقانيتهم كي يمثلوا جزء من نفوذ تلك القومية البرجوازية التركية والايرانية في بلدانهم أو مناطق انتماءاتهم؟، كيف يردون على توغل النفوذ القومي الإيراني والتركي في العراق وبقية البلدان؟، كيف يستطيع حزب الله و الإطار التنسيقي الدفاع عن النفوذ القوي الإيراني في العراق او في لبنان؟، أو كيف يستطيع تحالف الحلبوسي-خميس الخنجر تبرئة تركيا من قصف قواتها المجمع السياحي في دهوك وقتل وجرح أكثر من ٤٠ شخص مدني؟، كيف يقومون بتبرير النفوذ التركي في العراق والذي يمتلك ٥ قواعد عسكرية فيه وأكثر من ١٠٠ نقطة عسكرية في شمال العراق، وتركيا تصول وتجول كما تشاء دون اي رقيب أو رادع؟!

بعبارة أخرى، أن الحيلولة دون المواجهة السافرة مع النزعة الوطنية المحلية، يفسّر سرّ تمسك البرجوازية القومية في إيران بنشر التشيع وتفسيرها للتاريخ الإسلامي ومروياته وفق رواية الإسلام السياسي الشيعي، وأيضاً يكشف عن سر استماتة تركيا بالدفاع عن الإخوان المسلمين، وهو الاسلام السياسي السني، ومحاولة إحياء أمجاد الإمبراطورية العثمانية، حيث كانت تركيا وما زالت تقدم الدعم المالي والسياسي والعسكري والأمني لكل الجماعات والعصابات الإسلامية المنتمية والمنشقة والتي خرجت من تحت عباءة الإخوان المسلمين، من كل حدب وصوب في سوريا ومصر وليبيا وتونس، وأكثر من ذلك كانت راعية لداعش ودولته الإجرامية بشكل غير مباشر قبل انتفاء مقتضيات المصلحة، وتحت الراية الإسلامية أسست عشرات الجوامع والمساجد في مناطق نفوذ الإمبراطورية العثمانية، لتحويلها إلى مراكز الانطلاق السياسي والهيمنة الاقتصادية، والتأثير على مراكز صنع القرارات في عواصم العديد من البلدان مثل البوسنة والهرسك وأذربيجان وألبانيا وأوكرانيا وحتى في بلدان مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا..الخ.

لقد قامت البرجوازية القومية التركية باستغلال كِلا الثورتين المصرية والتونسية وهبوب نسيمهما على المنطقة لتكون جزء من المعادلة السياسية الجديدة، وترتيب دورها ومكانتها من خلال تقديم نفسها كعرابٍ للإسلام السياسي السني ومشروعه الإخواني في المنطقة، وبنفس القدر لعبت القومية البرجوازية الايرانية نفس الدور، حيث وصف علي الخامنئي مرشد الجمهورية الإسلامية “الثورات العربية” بأنها صحوة اسلامية، وقامت إيران بتقديم كل الدعم للمليشيات والعصابات التي شكلتها في بلدان المنطقة.

إذا ما حددنا حديثنا عن العراق، فإن النزعة الوطنية التي تمثل القومية المحلية والتي لا يمكن فصلها عن النزعة القومية العروبية، توجه اليوم سياط نقدها وتصب جام غضبها على النفوذ الإيراني في العراق، وقد نجح الممثل السياسي للنزعة الوطنية بتصوير العراق كأسير للنفوذ الإيراني من زاوية قومية صرفة، وان سبب الفقر والعوز والفساد وغياب الدولة والقانون وكل الفوضى السياسية والامنية هو بسبب إيران، ولذلك نجد أن عدد من الشعارات التي رفعت في انتفاضة أكتوبر وفي احتجاجات الصدر الأخيرة، وفي التظاهرات التي سُميت بتظاهرات “المدنيين” في بغداد، وهي النسخة المعدلة والمظللة للتيار الصدري، ( إيران برّه برّه ، بغداد تبقى حرّة)، في حين لا رقيب ولا حساسية مفرطة لنفس النزعة الوطنية ولا حديث بحرقة قلب على تغلغل الرأسمال التركي والشركات التركية بحراب القوات التركية المنتشرة على مساحة كبيرة في كردستان العراق، وقصفها المتواصل على القرى والاقضية وقتل المدنيين، والجدير بالذكر أن حجم التبادل التجاري مع العراق وصل إلى أكثر من ٢٠ مليار دولار في عام ٢٠٢٠ وتسعى تركيا لزيادتها الى ٥٠ مليار دولار، وتشكل العلامات التجارية التركية ٩٠٪ في الاسواق العراقية (حسب رئيس غرفة الصناعيين ورجال الأعمال نواف قليج في تركيا والعراق) ، وهو الأكبر بما لا يقارن مقارنة مع حجم العلامة التجارية والتبادل التجاري الايراني.

إن هذا التصوير المخادع والمشوّه والمغرض والمخطط له بعناية سياسية فائقة من قبل الممثلين السياسيين للنزعة الوطنية، هو محاولة لطمس ماهية الصراع السياسي على السلطة بين جناحين في نفس العائلة الاسلامية السياسية الشيعية من جهة، ومن جهة أخرى هو مسعى لإبعاد المشروع الإسلامي من النقد، كواحد من المشاريع السياسية لأكثر أجنحة الطبقة البرجوازية تخلفا وانحطاطا وغرقاً بالرجعية حتى النخاع، والذي اثبت فشله الذريع وتناقضه مع التطور الإنساني الذي وصل إليه في المجال العلمي والمدني وحقوق الإنسان، علاوة على ذلك كشف عن تناقضه الصارخ مع تطلعات الإنسان في الحرية والمساواة.

وتختلف التجارب الإسلامية الفاشلة بدرجات في معيار رجعيتها واجرامها في كل بلد، حسب توازن القوى في المجتمع، إلا أنها متساوية من ناحية المحتوى، سواءً أكان إسلام سياسي شيعي أو سني، والامثلة كثيرة مثل إيران الملالي والدول الفاشلة التي تدور في فلكها مثل لبنان والعراق وسورية واليمن، والإسلام السياسي السني في تركيا والمغرب وتونس ومصر وأفغانستان طالبان…الخ.

إن هذه النزعة الوطنية تجد ارضية اجتماعية سياسية خصبة لها في العراق، فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود من حكم نظام البعث القومي للعراق، تم فرض الهيمنة القومية العروبية في المنطقة، ودون التعبئة الايديولوجية القومية وترسيخها في المجتمع، لم يكن بإمكانه خوض حرب ثمان سنوات مع إيران تحت لافتة حماية البوابة الشرقية للأمة العربية، و تبرير احتلال الكويت، وتحميل أعباء الحصار الاقتصادي الوحشي على كاهل الاغلبية المطلقة لجماهير العراق، واخيراً غزو واحتلال العراق.

صحيح أن التيار القومي العروبي والوطني تراجع سياسيا بعد غزو واحتلال العراق بسبب سقوط سلطته السياسية، إلا أنه على الصعيد الاجتماعي أصبح أكثر قوة وتوسعت جذوره في عمق الوعي الاجتماعي.

وعلى أقل تقدير، خلال أكثر من عقد من الزمن، لم يكن للنزعة الوطنية أو القومية المحلية الممزوجة مع القومية العروبية أي تمثيل سياسي لها في السلطة السياسية، وكل القوى العروبية والوطنية مثل جماعة اياد علاوي والحزب الشيوعي العراقي ارتبطت صورهم بشكل مباشر وغير مباشر بالاحتلال، حيث كان اياد علاوي احد عرّابي احتلال العراق منذ مؤتمر لندن عشية الحرب وغزو العراق، والحزب الشيوعي أصبح عضوا في مجلس الحكم الذي شكله بول بريمر الرئيس المدني للاحتلال، وكجزء من حصة الشيعة في المجلس عبر سكرتيره حميد مجيد موسى، وصورة كليهما تتناقض مع وصف الوطنية وتعريف الوطنية، والتي إحدى خصائصها في القاموس السياسي للبرجوازية عدم المهادنة مع الاحتلال وسياساته.

بمعنى آخر، لقد غاب بشكل كلي ممثل النزعة الوطنية والعروبية في التمثيل السياسي في السلطة منذ عام ٢٠٠٣ أي عام الغزو.

تحايل النزعة الوطنية على النزعة المعادية للإسلام السياسي:

في انتفاضة أكتوبر عام ٢٠١٩، رفعت النزعة الوطنية والقومية العروبية رأسها ولأول مرة، وكانت احد اكبر التيارات الاجتماعية قوة على صعيد النزعة السياسية، وصدرت لها صحيفة باسم (التكتك)، وفي غضون ذلك، تم حرق عشرات المقار للأحزاب والقوى والمليشيات الإسلامية، وتم تمزيق صور رموز عرّابي الإسلام السياسي الشيعي في المدن الجنوبية مثل الخامنئي والخميني، إلا أن كل تلك الأعمال وقعت تحت الأفق القومي المعادي لإيران، وليس على خلفية معادية للإسلام السياسي.

بيد أن الجانب الآخر من اللوحة يحاول ممثلي النزعة الوطنية طمسه، فهناك نزعة معادية ملموسة للإسلام السياسي، لكن تم توجيها، اي توجيه غضب الجماهير ضد القوى الموالية لإيران، والمحاولة لتفريغها سياسيا، وابقاء اذكاء نيرانها بالحدود القومية، للحيلولة دون وصولها الى حرق كل منظومة الإسلام السياسي الحاكمة في العراق.

ويمكن رؤية هذه النزعة المعادية للإسلام السياسي في صفوف جماهير العراق بشكل مادي وقاطع دون اي عناء، فمن تابع او عاش او شارك ايام تظاهرات تموز ٢٠١٥ في بغداد والتي رفعت شعارا (باسم الدين باكونا الحرامية) او شعار (من دخل بيها ابو العمامة صار البوك للهامة) وانتشر كلا الشعارين، كالنار في الهشيم، ليصبح شعارا واحدا مركزيا في كل تظاهرات مدن العراق، و ثم تظاهرات ٢٠١٨ في تموز ايضا حيث طرد المتظاهرون مقتدى الصدر وحيدر العبادي الذي كان حينها رئيسا للوزراء من احتجاجات البصرة، وكانت زيارتهما المتفاوتة في التوقيت، هي محاولة لامتصاص غضب الجماهير الثائرة ضد سلطة الاحزاب الاسلامية الفاسدة، وفي غضون ذلك تم حرق مبنى مجلس محافظة البصرة وهرب جميع أعضاء مجلس المحافظة بما فيهم المحافظ الحالي اسعد العيداني، كما سبقتهم بالهروب، المليشيات الاسلامية، وحرق معها عشرات المقرات التابعة للأحزاب الاسلامية، وفي انتفاضة أكتوبر وخلالها رفعت شعارات معادية لمقتدى الصدر وتياره السياسي (شلع قلع واللي كايله وياهم) من قبل الاف من النساء والتحرريين من الرجال ردا على تصريحات الصدر بفصل الذكور عن الإناث، وكان اسقاط حكومة عادل عبد المهدي اول ضربة موجعة لمنظومة الاسلام السياسي وفقدان السلطة التنفيذية، وبين هذا وذاك، قاطع اكثر من ٨٢٪ من جماهير العراق انتخابات ايار ٢٠١٨ و اكثر من ذلك الرقم في انتخابات تشرين الاول ٢٠٢١، كل هذه المعطيات تبين ان النزعة المعادية للإسلام السياسي على الصعيد الاجتماعي بالرغم من قوتها وتجذرها يوما بعد يوم، افتقدت إلى راية سياسية وتمثيل سياسي، بعيدا عن التيار الوطني والقومي العروبي الذي تتحرك بوصلته باتجاه معاداة إيران ونفوذها في العراق، وليس لديه اية مشكلة مع الاسلام السياسي، في حين أن جذر المشكلة، الذي عبرت عنه الاغلبية المطلقة من جماهير العراق، في جميع الاحتجاجات الغاضبة، وفي الانتخابات المذكورة وقبلها اسقاط الحكومة، يعود إلى رفض سلطة الإسلام السياسي كسلطة حاكمة في العراق، و كواحد من اجنحة الطبقة البرجوازية التي ليس لديها اي خلاف من حيث البرنامج الاقتصادي مع السياسة الليبرالية التي يشرف على تنفيذها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

(2)

أن جميع أجنحة الإسلام السياسي حاولت بدهاء ملئ الفراغ السياسي الذي تركه التيار القومي والمحلي الوطني، صاحب راية مواجهة “الرأسمال الأجنبي” بغضّ النظر عن مصدره و نفوذه الاقتصادي والسياسي، لترفع شعارات من شأنها أن تكون قادرة على تعبئة المجتمع، فنجد القومية الايرانية المغلفة بالإسلام وحلفاؤها في المنطقة ترفع راية “المقاومة والممانعة” في مواجهة الأقطاب الدولية الغربية والإقليمية المنافسة لها لترسيخ مواطئ أقدامها في العراق، بينما الطرف الآخر الموالي للغرب والمحيط العربي، رفع شعار التخلص من الهيمنة الإيرانية، عبر التغني بالرومانسية الوطنية التي وصلت ذروتها في انتفاضة أكتوبر.

التيار الصدري ولي عنق النزعة الوطنية:

وعلى هذه الارضية استغل التيار الصدري الفراغ الذي تركه التمثيل السياسي للنزعة الوطنية، وحاول ملأه، فمن جهة تملك النزعة الوطنية وتيارها رأسمال اجتماعي كبير، وبالإمكان لي عنقها وركوبها، واستخدامها كسلاح ضد منافسيه على السلطة السياسية، وهم ممثلو المشروع القومي الايراني في العراق، ومن جهة أخرى الحفاظ وإنقاذ الإسلام كأيديولوجية ومنهجية وهوية سياسية من أي نقد ومواجهة اجتماعية في المجتمع، وخاصة احتواء وكسر اعتبار النزعة العظيمة المعادية للإسلام السياسي في المجتمع العراقي.

ومن يتابع المنحى السياسي للتيار الصدري منذ عام ٢٠٠٣ وحتى احتجاجات تموز ٢٠١٥، يرى انه كان جزء من تأسيس المشروع الإسلامي الشيعي في العراق، وقام زعيمه مقتدى الصدر باتخاذ مدينة (قم) مركزاً له لإدارة مشروعه السياسي، وحصل من نظام الملالي كل الدعم العسكري والمالي واللوجستي والاستخباراتي، كما تم الإشراف على تدريب ميليشياته (جيش المهدي)، ومن خلال ذلك الدعم فرض القوانين الإسلامية في مناطق نفوذ جيش المهدي، و فرض الحجاب على النساء ومنع كل أشكال الموسيقى والغناء فيها، وقام بحملة منظمة من الهجمات على مراكز بيع أقراص الاغاني ومحلات بيع المشروبات الكحولية وتم تصفية العشرات من العمال الأبرياء في تلك المحلات عبر عمليات القتل وزرع العبوات الناسفة وتفجيرها، كما تم تنظيم حملة منظمة في تهشيم رؤوس المثليين بالبلوكات الاسمنتية، وصولا الى ما بعد الحملة العسكرية في ربيع ٢٠٠٨، التي سميت (صولة الفرسان) التي قادها المالكي وبدعم كبير من القوات الأمريكية، وتم تصفية عدد ليس قليل من عناصر جيش المهدي اضافة الى اعتقال المئات منهم.

واستمرت عملية محاولة أسلمة المجتمع من قبل التيار الصدري على قدم وساق، ولم تقف ولو لحظة واحدة، وبعد عام ٢٠٠٩ أسس التيار الصدري، مجموعة (المهدويين) والتي أعلنت بأنها ستقوم بدراسة الفقه والفلسفة والتاريخ الإسلامي لمواجهة العلمانية والإلحاد في المجتمع العراقي، كما لعب التيار الصدري دورا كبيرا لإنقاذ السلطة الإسلامية الميليشياتية الطائفية، التي كان يرأسها المالكي من قبضة انتفاضة شباط ٢٠١١، بفعل هبوب نسيم الثورتين المصرية والتونسية على المنطقة.

بهذا المعنى لم يرفع التيار الصدري الراية الوطنية إلا في احتجاجات تموز ٢٠١٥، في رده على الشعارات المناهضة للإسلام السياسي ورموزه، كما أشرنا، حيث دعا الصدر إلى عدم رفع أية أعلام حزبية غير اعلام العراق، كمحاولة يائسة لإنقاذ الإسلام كهوية وايديولوجية ومنهجية سياسية وفكرية واجتماعية، والتصدي لهجمة الجماهير عليها، بعد اقتران الاحزاب الاسلامية بعمليات الفساد والنهب والاغتيالات والتطهير الطائفي.

ولعب تغيير العامل الإقليمي دوراً في اضافة ( النكهة الوطنية) على حساب الهوية الاسلامية، وخاصة بعد سقوط الهويات الطائفية، التي كانت رأس حربة في ذلك الصراع، وتحديداً بعد تحويل رياح الثورتين المصرية والتونسية و تفريغهما من محتواهما، وتوجيه عصفهما نحو صدور الجماهير المنتفضة من أجل الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية، ومقايضتهما بالأمن والامان مقابل إدامة سلطة القمع والاستبداد والإفقار.

أي أصبحت الهوية الإسلامية والايديولوجية الاسلامية والمنهجية الإسلامية وكل مشروعها السياسي تحت طائلة السؤال، ليس في العراق وحده فحسب بل في المنطقة والعالم، وكل ما يندى له جبين الانسانية اقترن بـ ممارسات وافعال الأحزاب والقوى الإسلامية وميليشياتها وعصاباتها من قمع الحريات وعمليات الفساد، سواءً بشقه السني في مصر وتونس وتركيا وسورية وليبيا او بشقه الشيعي في ايران العراق ولبنان واليمن، وبات إرهاب هذه الجماعات عبر داعش يضرب عمق عدد من البلدان الأوروبية، التي قدمت الدعم لكل أصناف الإسلام السياسي، السني والشيعي، في إيران وفي أفغانستان وسورية ومصر..الخ منذ أواسط القرن العشرين وحتى يومنا هذا.

وإذا ما عدنا الى موضوعنا الأصلي وحسب مقتضيات الحاجة السياسية ضمن متطلبات مرحلة سياسية جديدة وخاصة بعد الانتهاء من سيناريو داعش والحاق هزيمة سياسية بالمشروع الإسلامي في المنطقة، خرج الى النور في العراق تحالف التيار الصدري مع الحزب الشيوعي العراقي، و بقدر ما كان الأول بحاجة لمسح آثامه و جرائمه الطائفية والوحشية، وكل تاريخه في فرض مشروعه الإسلامي بالحديد والدم، الذي امتازت به ميليشياته كسائر المليشيات الاسلامية الاخرى، اضافة الى محاولة في تعميق اللون الوطني وإبرازه بدلا من هويته الإسلامية، ويتبنى بالنهاية خطابا شعبيا بامتياز يمزح بين الدين والقومية من أجل طمس هويته الحقيقية وإظهار هوية وطنية جديدة، بنفس القدر كان الحزب الشيوعي بحاجة الى ذلك التحالف للخروج من مأزقه السياسي ومشروعه الوطني الذي تشوه مرة عندما دخل في مجلس الحكم كما ذكرنا، ومرة اخرى فشل، عندما تحالف في انتخابات ٢٠١٠ مع جماعة اياد علاوي القومية الموالية لكل السياسات الامريكية في العراق والمنطقة.

ولم يدخر التيار الصدري جهداً في قيادة النزعة الوطنية، وحاول عبر اللعب على الوتر القومي المحلي، وعلى وتر غضب الجماهير من كل المنظومة السياسية الحاكمة أن يجرها إلى حركته الاخيرة، الا انه مُني بفشل ذريع.

واليوم يحاول الرعاة الخارجيين لمشروع الصدر إعادة ترتيب صفوف التيار الصدري وتقديم أوراق اعتماده من جديد، عبر إظهاره بأنه زعيم التيار الوطني في العراق في مواجهة النفوذ الإيراني، فعلى سبيل المثال عندما تسرّب وكالة مثل (رويترز) صورة لمقتدى الصدر يرتدي كوفية عربية، وهو يستقبل اسماعيل قاآني قائد فيلق القدس، وتنسب له أقوال بأن الصدر خاطب الأخير، ما شأن إيران بالوضع السياسي في العراق، وتضيف (رويترز) بان اللقاء كان متوترا ولم يكن وديا، وتعزف على وتر ذلك الخبر وسائل اعلام اخرى كما في (سكاي نيوز العربية) على سبيل المثال، ليظهر مقتدى الصدر في برنامج (كلام جد مع نديم) بأنه البطل الذي يصارع بضراوة للوقوف ضد النفوذ الإيراني والجماعات الموالية له، تبيين كل هذه المعطيات بشكل لا لبس فيه، أن هذا التيار ترتفع حساسيته الوطنية فقط تجاه ايران، اما الاطراف الفاعلة الإقليمية والدولية الاخرى وخاصة امريكا الذي تقف خلف مشروع الصدر، فلا حساسية منها سوى بالإعلام هنا وهناك، لرفع العتب وذر الرماد في العيون.

وما يبعث على السخرية في هذا المشهد الوطني الدرامي الرومانسي، الذي يشبه المشاهد الدرامية في الافلام الهندية أو المسلسلات التركية، اولئك الذين نصبوا أنفسهم كممثلين لانتفاضة اكتوبر، او التشرينيين كما يحلوا أن يسمون انفسهم، يرددون خلف الصدر (ايران برا برا) وكأن العراق اسير إيران فحسب ، وليس اسير الإسلام السياسي وسلطته الميليشياتية المجرمة، وأن التطهير الديموغرافي في المناطق المصنفة بالسنية ومادة ٤ ارهاب والتغييب في المعتقلات والسجون، الذي حدث ومازال يحدث لم يكن جزء من مخطط مشروع الاسلام السياسي الشيعي في خضم الصراع على السلطة.

وما يحدث اليوم بمناسبة عاشوراء من منافسة بالحضور الميداني والإعلامي بين رموز البيت الشيعي وفي مقدمتهم مقتدى الصدر وعمار الحكيم والعامري..، وما يهدر من أموال في عمليات البذخ والإنفاق المهول على المواكب الحسينية، والتطبيل الدعائي للمناسبة، وتأجيل كل شيء حتى الحديث عن مستقبل ٤٠ مليون إنسان بعد الزيارة الاربعينية، يكشف عن محاولات ادامة فرض مشروع الاسلام السياسي الشيعي الذي لم يهدأ يوما، عبر إبقاء المجتمع العراقي في دائرة مغلقة للإسلام السياسي الشيعي كسياسة جهنمية للحيلولة دون انفلات قبضة السلطة السياسية من يديه.

اليوم يقف التيار الصدري ودعاة أصحاب انتفاضة تشرين في خندق واحد، خندق المعاداة للنفوذ الايراني، فإذا كان الأول يستخدم الثاني كأداة ضغط سياسي من أجل تعويض خسارته ومحاولة لفتح ثغرة في انسداد أفقه السياسي كما بينّا في مناسبات سابقة، فإن الثاني اختار لنفسه موقع المهرج، الذي لن يكن دوره أكثر من إضحاك الجمهور المتفرج والترفيه عنه.

ان النزعة الوطنية والقومية العروبية التي لا تتحرك بوصلة معاداتها سوى باتجاه إيران، وتعتبرها الحلقة المركزية في صراعها على السلطة، اقل ما يمكن أن توصف بأنها نزعة وطنية مشروخة بامتياز، على الأقل من وجهة نظر المنظومة الأخلاقية والسياسية للبرجوازية الوطنية التي أكل عليها الدهر وشرب.

تلك النزعة المشروخة لا ترى القواعد العسكرية التركية في العراق، ولا ترى هيمنة الشركات الغربية مثل شيفرون واكسيون موبايل الامريكية وتوتال الفرنسية ولوك اويل و روز نفت الروسية وشيل الهولندية-البريطانية و بتروجاينا الصينية في الحقول النفطية- وتجني ارباح عظيمة بسبب توفير بيئة مناسبة للاستثمار من خلال فرض شروط عمل قاسية على العاملين في تلك الحقول النفطية، ولا ترى كيف أن حكومة الكاظمي تنفذ البرنامج الاقتصادي للسياسة الليبرالية الجديدة في العراق التي هي واحدة من أهم مشاريع الاحتلال والسياسة الأمريكية.

واخيرا وعلى انغام ايقاع انتفاضة أكتوبر، كانت هناك مساعي حثيثة لطمس الماهية المعادية للإسلام السياسي لحساب التيار الوطني، وحصر كل مآسي جماهير العراق بالنفوذ الإيراني والمليشيات التابعة له، في حين أن أصل القضية، هو ان توغل المشروع الايراني في المنطقة كما هو المشروع التركي مرتبط بالإسلام السياسي، وبدعم الغرب له بأشكال مختلفة وحسب مصالحه في خضم أية تحولات سياسية.

وهذا يقودنا الى نتيجة بأنه دون تصفية الحساب مع الإسلام السياسي، وقطع دابره كسلطة سياسية ومنظومة فكرية سياسية واجتماعية و كمشروع رجعي معادي لكل المعاني الإنسانية بشكل مطلق، يصعب قطع اذيال ايران وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية في العراق، ولا يمكن الحديث عن الحد الأدنى لحياة آدمية آمنة في العراق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى