الرئيسية / مقالات / بين الألم والأمل

بين الألم والأمل

خالد رمضان | كاتب تربوي مصري
ما أقساها من حياة، لا يصل فيها حيٌّ إلى مبتغاه، بين فرح، وترح، بين ألم وأمل على حد قول البارودي: تربي الفتى حتى إذا ما تم أمره … دهته كما ربى البهيمة جاذر.
نخرج إليها باكين صارخين، وكأننا نرفضها قبل أن نلجها، ٱلام عظام، وكأن الوالدة تلفظ أنفاسها الأخيرة، يرتفع صوتها، تتوالى آلامها، تتمزق أحشاؤها حتى يخرج ذلك المخلوق الرهيب إلى تلك الدنيا ليصارع الحياة، ويعاني ويلاتها، وصدماتها القاسية، فكأنه مرمى للسهام، أو ماخرة تتقاذفها الريح في عُرض البحر يمنة ويسرة .
قيل لأحد الملوك: لا راحة ولا نعيم على هذه البسيطة، فقال: كيف ذلك وأنا ملك ولدي متع الدنيا كلها، فأتى بأجمل جارية عنده، وأخذها في أبهى حدائقه، وأحضر له الخدم كل ما لذ وطاب، وأخذا يتبادلان الغرام ، فكان يطعمها العنب في فمها بفمه، وهي كذلك كانت تفعل، وبينما هما على هذه الحال إذ وقفت حبة في حلقها فلم يسعفها حتى وافتها المنية .
مشقة الحياة كأس مرير لا مناص من تذوقه لأنها ليست سرمدية، ولا أبدية، بل هي قنطرة لحياة أخروية .
وبين ظلام هذا الألم يشرق ضوء الأمل، وهو لطف الله تعالى بعباده، فالمرأة حينما تتصبب عرقا ، وتتمزق ألما يخرج الله من أحشائها فرحة عمرها، حين تمسك بيده الصغيرة تنسى الولادة وويلاتها ، والمريض حين يعافيه الله تعالى فكأنما ما ذاق ألما، وتنسيه لذة العافية ٱلاما قاسية، والمسافر حينما يعود لأهله، و الفرحة والبهجة في عيون أبنائه، وزوجه تذوب تلك السنوات المريرة في نشوى الفرحة والسعادة، وذلك الأب الكادح الذي قد يخرج في الظلام، ويعود في الظلام حينما يعانقه أولاده، وتبش له زوجه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.
في كل غرفة مظلمة طاقةٌ من نور ، وفي كل صدمة ومصيبة فرح وسرور.
فلا حزن يدوم ولا سرور
ولا بؤس عليك ولا شقاء
إذا ما كنت ذا قلب قنوع
فأنت ومالك الدنيا سواء
نبي الله يونس في وسط البحر، وداخل أمعاء الحوت، ظلمات وتهلكات محققات، فإذا وسط هذا الظلام الدامس شمس أضاءت له الدنيا بأسرها ، فٱمن معه الآلاف والٱلٱف، وموسى كليم الله حين خرج منها خائفا يترقب، فإذا برب الأرض والسماء يكلمه ويمن عليه بما لم يمن به على أحد من العالمين، رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث هجّروه من أهله وبلده ودياره، فإذا به يعود ، وبقوة قهرت كل الطغاة المعاندين المكابرين.
من رحم الشدائد تولد اللطائف ، فتجتمع القلوب النافرة، وتأتلف النفوس الباغضة.
الألم والأمل وجهان لعملة واحدة، فلن تذوق لذة الأمل، حتى تتجرع ويلات الألم، فلولا فلولا صراخ الوليد، ما كانت حياة، ولولا إحراق غصن الطيب، ما شممنا أزكى الروائح، ولولا انصهار الحديد، ما انتفعنا بأسياخه الصلبة ، ولولا مرارة الدواء ما كان البرء والشفاء، فاغتنم ألمك لتحقق أملك.

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

كيف تشتم خصمك بـ ” أدب “؟

بقلم: توفيق شومان | لبنان بعدما غدا الذم والشتم، والسب والهجاء، ميزة أغلب أهل السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *