قراءة في ديوان (ماذا.. لو؟) للشاعرة السورية ليندا عبد الباقي

بقلم: سمير عبد الصمد

يقع الديوان في 127 صفحة، من الحجم الصغير، متضمنًا نحو 100 قصيدة نثرية. وأول ما يلفتُ الانتباهَ عنوانُ الديوان (ماذا… لو..؟) وهو عنوان القصيدة الأولى فيه، مسكونٌ بعنصري الاستفهام والتعجب، ليُدخِلَ القارئَ في جوٍّ من التساؤلِ والحيرة.

تبدأ القصيدة:
أفرغْنا سِلالَ العشقِ … قُبلةً … قُبلةً، بكفَّينِ ناعستين
تغفو على أجفانِ يقظةٍ
أهدابُها مواسمُ حِنطةٍ لِنُعاسِنا، وأرغفةٌ تشهقُ باحمرارِ موقدِنا
ماذا …لو… امتدَّ ليلُنا
عانقَ النجومَ والشموعَ والـمصابيحَ والفجرَ
وأضاء… بوحَنا

تطرح القصيدةُ/ العنوانُ تساؤلًا يدلُّ على حيرة العقل وتشظِّيهِ، مركِّزةً على أحلامٍ ترى أنه من الصعبِ تحقيقها: امتداد الليل ليعانقَ النجومَ والشموعَ والمصابيحَ والفجرَ. إنه الأملُ بالقادمِ الأجمل الذي لا يمكن إيقافُه؛ فكيف يستطيعُ الليلُ/ الرمزُ أن يتحدَّى  كلَّ مصادر النور والتحرر، لكنه أملٌ يصطدمُ بواقعٍ مريرٍ لا تستطيع تحدِّيه:

ماذا لو سرَّعنا
دورانَ الأرضِ حتى الثمالةِ!
لنلتفَّ كدخانٍ ماردٍ، يرفعُ المدى..
لسماءٍ ثامنة.

في قصيدة (حاء وباء)، توظِّف الشاعرةُ مصطلحاتِ اللغةِ والقواعدِ، في إيقاعٍ سرديٍّ متناسقٍ، مثل: جملة اعتراضية، جملتي الشرط، الضمير المتصل، التاء المتحركة والساكنة، والأحرف الناصبة:

لا جملة اعتراضية تمرُّ بنا
قاب قوسين وأعلى
كنتَ جملتي الشرطيةَ الجازمة
وكنتُ ضميرَك المتصل
كنتُ تاءً ساكنة
وكنتَ المتحركة
حيث لا أحرفَ ناصبةً
على ناصيةِ الأمل
ولا مواقفَ مشبهةٌ بالفعل
كنَّا أحلامًا مرفوعة
للسماء الثامنة بالضمِّ
أيُّ قدرٍ؟؟
نسي الحاءَ
وبالباءِ جرَّنا بالكسرِ.

وهي نهاية مملوءة بالحزن وخيبة الأمل، لاستحالةِ تحقيق الحلم، فما أقسى أن تتلاشى الأحلام، ويكون مصيرُ نهايتِنا مجرورًا بالكسر!

توظف الشاعرةُ شكل قصيدة الهايكو/ الومضة في كثير من نصوصها الشعرية. وقبل الغوص في هذه النصوص، أشير إلى بداياتِ فنِّ الهايكو الشعرية وإلقاء إنارة توضيحية حوله. يقول د. محمد جمال صقر الأستاذ في كلية الآداب بجامعة السلطان قابوس (سابقًا) في كتابه: ظاهرة النص الشعري القصير: (الاقتصاد والملاءة والإدلال والإدهاش والمثاقفة، كل أولئك أسرار من أسرار ظاهرة النص الأدبي العربي القصير المعاصر المخبوء في طوايا أحوال الأدباء وأقوال النقاد)، ويضيف: (يُنسب فنُّ  الهايكو إلى الفلاحين اليابانيين الذين كانوا يلتقون بعدَ الفراغِ من أعمالهم الشاقة، يلعبون هذه اللعبة الأدبية، بحيث يؤلِّفُ أحدُهم بيتَ شعرٍ رفيعَ الأسلوب من سبعةَ عشرَ مقطعًا لغويًا، يجمع فيه ما لا ينبغي أن يجتمع، أو تفريق ما ينبغي أن يتجمع) وقد أخذت هذه الظاهرة الشعرية تنتشر في العالم، وتأثر بها كثير من الشعراء العرب، مُبدعين قصائدَ قصيرةً جدًا (تتناسبُ مع الاقتصاد والسرعة، وتتميزُ بالإيجازِ والتركيزِ وكثافةِ التوتر، عصبُها المفارقةُ الساخرةُ والإيحاءُ والانزياحُ والترميزُ، ولها ختامٌ مفتوحٌ قاطعٌ أوحاسمٌ مدهشٌ؛ أي أن لها قَفلةً ملائمةً للحالة، تحكمها الوحدةُ العضويةُ) “انتهت الاقتباسات من كتاب د. محمد جمال صقر”

اخترتُ من نصوص الديوان (ماذا… لو)، قصيدةَ،
بعض غناء:

يا ذا البكاءِ
يا صوتَ انكسارِ الغيمِ/ مطرًا
لِتعلنَ انكساري/ شعرًا منفردًا/ وبعضَ غناء.

وقصيدة ظلال:

منذُ نظرةٍ/ وأنا أستظلُّ ذاك الرمشَ
الذي باتَ سيفًا
على عنقِ القصيدةِ
وحبلًا يعلقُني
على مشانقِ الدمعِ.

وقصيدة حيرة:

صافيًا كَبِركَةِ ماءٍ
وأغرقُ في دوائرِ حيرتي.

وقصيدة رغيف الأماني:

لا تُخربشْ بأصابعِ اللهفةِ
على زجاجِ موشى بكبريائي
جرحُك يصيحُ
ويَعجِنُ بدمٍ ودمعٍ مكلومٍ
رغيفَ الأماني.

وقصيدة شريطة سوداء:

كيف يجرؤُ الحزنُ أن يلثمَ صباحَك بقبلةِ غدرٍ
ويضعُ على بياضِ
قلبِكَ شريطةً سوداء.

لم يكن اختياري هذه الومضاتِ الشعريةَ عشوائيًا، بل قصدتُ منها ما يتناسبُ مع الإطار العام الذي تقتفيه كثيرٌ من قصائد الديوان، حيث تتكاثفُ كلماتُ الخيبة والأسى، مثل:
انكسار/ سيف/ مشانق الدمع/ دوائر حيرتي/  جرحي/ يعجن بدمع/ ودم مكلوم/ الحزن/ شريطة سوداء.
وهذا يتناغم مع جو الحزن الذي يحيط بالشاعرة، التي لا تستطيع بإحساسها المرهف أن تتجاوز المرحلة التي يعيشها الوطن، وتعبر عن مشاعرها بطريقة فنية، حيث تتكثفُ الدلالات، وتُختزلُ الكلماتُ، وتبتعد عن اللغة المباشرة؛ لتغوصَ في المجازِ الدلالي واللغوي معًا، في جوٍ من الإيجاز والسرعة والاقتصاد في الكلماتِ؛ لتعبِّرَ عن وجع عميق يكتنف الذات الشاعرة.
   لم تتخلَ الشاعرة في ديوانها عن صوت الأنثى، ففي قصيدة صدى الماء، نسمع:

أسمعُ صدى الماءِ نداءً
وأصمُّ قلبي بحنكةِ كلِّ النساء
لا، لن أحكي للبردِ أسرارَ الدِّفءِ
كلما تقنَّعتْ شينُ الشوقِ بزمهريرِ الشتاء
حتى لا تفضحَ العرَّافةُ قِرطًا تعلَّقَ بالشوقِ
أو حروفًا تدحرجتْ إلى كهفٍ شُيِّدَ على حاءٍ وباء.
    إن التأمل في كلمات القصيدة تلفتُ انتباهه كلمات، مثل:
حنكة النساء، الشوق، قرط.
 لنلِجَ إلى عالم الأنثى الخاص، وهذا يتردد في كثير من القصائد، التي يجعل ذاتها الشاعرة لا تتخلى عن حقيقها، وتتماهى في أسلوب الشاعر الرجل، بل تبني أسلوبَها ولغتَها من خلال ثقافتها الخاصة، والرؤية التي تنظر بها إلى الحياة باتساعها وشموليتها.

ولا بدَّ أن أعرِّج على القصيدة الأخيرة، لا ناقة لنا… ولا جمل:

على بُعدِ قذيفةٍ
تربَّص الموتُ خلفَها؛
ليقطفَنا
نحن من نسابِقُ الشمس
لإشراقةِ وطنٍ
نزرعُ الدماءَ حنطةً على أعتابِ الموتِ
ونصهرُ الجسدَ… لِعُبوةٍ ناسفةٍ
لا ناقةَ لنا … ولا جملَ
وأنتم تتراقصون في ساحاتِ دمِنا
مع أشباحِ بيوتِ بيضاءَ … وسوداءَ
على بُعدِ حذاء
رفقًا بالملائكةِ أيها الشياطين
لم يبقَ لنا سوى الشهادةِ
تتراكضون لاختلافِكم،
والشيطانُ على بُعدِ قذيفة.

    تُلخصُّ هذه القصيدةُ ما يعانيه الوطنُ من هموم، والشاعر هو الأجدر أن يعيش قضايا وطنه نظرًا لرهافة أحاسيسه، ورقة شعوره، وهنا تنعكس الصورة، فالشاعرة تطلب من الشياطين أن تترفَّق بالملائكة، إنها صورة مضطربة تعكس اضطراب الحياة، وتناقضها، حيث يتربص الموت بكل من يسابق الشمس كي يبحث عن إشراقة الوطن، فتنسكب الحنطة/ رمز العيش والبقاء، على أعتاب الموت، كل ذلك يجري في لعبةٍ تتراقصُ فيها الدماءُ، لعبةٍ لا ناقةَ لنا فيها ولا… جملَ.

تستغل الشاعرة طاقاتها التعبيرية اللغوية لتوقظَ العقل والوجدان من غياهب السكون والجمود، لتعبِّر عن مجالاتِ الحياة بكل تداعياتها:
دمعها وابتسامتها، فرحها وحزنها، آمالها وآلامها.
وفي كل ذلك تبرزُ طاقةَ الأنثى.

الشعرُ عند ليندا عبد الباقي صورٌ تتلاصق بها إلى حدِّ أنك لا تستطيع أن تفصلَ بين السيرة الذاتية والقصيدة الإبداعية، في رومانسية شعرية تحملها قوةُ العبارةِ، وجمالُ التعبير والانحيازُ للغة المبسطة القائمة على الانسياق الطبيعي للأساليب اللغوية.
ومع ما سكن  وجدان الشاعرة بأن شعر الحداثة، بكل أشكاله، رغم قوته ونضجه ما زال غير مقبول من مجمل جمهور المتلقين، الذين ما زالوا يتحلقون حول القصيدة التقليدية التي تداعب مشاعرهم، نجدها في قصيدتها تنحاز نحو العمق والنضوج التعبيري، تسكبُ من خلال موسيقاها الداخلية وتناسقِ كلماتِها ورِقَّةِ إيقاعِها ما يغري المتلقي بأن يبحث بين السطور عن كل ما هو جديد وجميل.

إن الولوجَ إلى عالم الشاعرة ليندا وسبر أغواره مثيرٌ، حيث تحاصرك كلُّ قصيدةٍ برؤى مختلفة، كلما أبحرت فيها انفتحت أمامَك آفاقٌ جديدةٌ لا حدودَ لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى