مقال
أخر الأخبار

بين الاستعلائية النخبوية والوعي الشعبي التلقائي

مختار عيسى | القاهرة

لم يعد خافيا ، حتى على أصحاب العين الرمداء من أدعياء الحكمة ، ومحترفي الميكنة المزاجية ، أن مايطلق عليه تجوّزا ، النخب الثقافية العربية ، يقف على بعد أميال وعيوية ، من إدراك بسطاء الشعب حقيقة الصراع الدولي والمحلي بين ربائب واشنطون وتل أبيب ، ومرتكزات القوى الوطنية في الأقطار العربية ذات الثقل النوعي التاريخي في معادلات التحرر من التبعية وتأكيد الاستقلال الوطني ، حتى إن تأخرت بفعل عوامل الضغط الاقتصادي والخلل الهيكلي بعض الإنجازات الاجتماعية والسياسية الساعية لتحقيق حياة أفضل للإنسان العربي المحاصر بقدر هائل من التحاريض الرأسمالية على الانتقال إلى استنساخية النمط الغربي في الحياة بما يهدد ركائز هويته العربية .
وما عكسته وتعكسه الأحداث خلال السنوات السابقة رغم تسارعاتها بصورة تُعجز الملاحقين رصدا واستيعابا وتحليلا ، يؤكد أن الوعي الشعبي ببساطته وتلقائيته وعفويته كان أكثر جلاء وسطوعا ، وإدراكا لطبيعة هذا الصراع ، وأن من أصروا ويصرون على وسم الشعوب في مجموعها بافتقاد الوعي ، وأنهم هم وحدهم أصحاب الرؤى المخترقة للحجب ، جافتهم الحقائق على الأرض ، ولم تصل بهم سماوات تفكيرهم النخبوي الاستعلائي إلى سدرة المعنى ، وجوهر المعرفة …
لا أميل ـ قطعا ـ للفصل التعسفي بين شرائح المجتمع ،خصوصا مجتمعاتنا العربية، ولا لهذا السعار الممنهج الذي يصر كلاب القنوات المأجورة والعميلة ، لتأكيد الانحياز لتصورات فوقية تضع خرائط وهمية وحراكات خيالية على هذه الخرائط لقوى متوهمة تستجيب لإملاءات سادة الرأي والوعي ـ حسب التوجه المسبوك في معامل قوى ( الاستدمار ) الجديد. ولكنني مع رفض الميل هذا ، أكاد أؤكد سطوعه على شاشة المشهد دون أن تؤثر عمايات الألوان على آليات الفرز والتحديد لعوامل القوة والضعف لدى كلا الجانبين : النخبة المستعلية ، والشعب الواثق من وعيه الفطري ، والذي أثبتت التجارب قدرته على الإطاحة بمخططات تدمير الأوطان وتخريبها تحت اللافتات البراقة ، واستطاع ـ بالفعل على الأرض ، لا الهروب إلى سماوات التفكير العاجية ـ الانحياز إلى الوطن ومقدراته ، والقبض على جمرته الوقادة ، حتى إن عانى في سبيل ذلك من تأخر ما يوده من إنجازات اقتصادية واجتماعية وسياسية .
قديما عبرعبد الرحمن الأبنودي شعريا عن ما سماه ” الدائرة المقطوعة ” بين الطليعة والجماهير ، منحازا إلى ضرورة التواصل وإلا فالخسائر فادحة ومستمرة إذا ظللنا على هذه الازدواجية والانفصالية ، نخبوية عاجية البرج ، وجماهير لها تطلعاتها وفق مقاييسها الخاصة ، ويبدو أن الأزمة لاتزال شاخصة في المشهدين السياسي والاجتماعي المعاصرين ، فأصحاب الأفكار البللورية من سكان مدينة البارانويا لايجيدون سوى سكب النظريات في ندوات مغلقة محدودة التأثير ، ولايدركون أن المثقف الحق ، هو من لايسعي لقيادة ( طابور) الشعب بأفكار معلبة، بل هو من يصطف في هذا ( الطابور) يتعلم من أفراده، يستخلص منهم ، لا أن يملي عليهم ، وإن كان ثمة من دور تنويري، فيكون داخل الصف ، لا خارجه ، على أرض الواقع المتصلة بالحبل السري للوطن ، لا في سماء الانفصال بعيدة التي لاتطالها أحلام البسطاء ، ولا تحملها أعمدة الوطن التي جاهدت أجيال لرفعها صونا لهويتها ووحدتها وتماسك بنيتهاإزاء هجمات التغريب والتخريب التي لا حدود لتنوعاتها وتجلياتها عسكريا واقتصاديا وثقافيا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى