مقال

الضحية والجاني في التطليق بالإعلانات الأمريكاني

حسين متولي
الكاتب الصحفي حسين متولي

لم أتعجب من حالة التكذيب التى حضرت على ألسنة نسويات هاجمن دراما “جعفر العمدة” في سيرة امرأة حصلت على التطليق مخالعة بحكم قضائي دون علم زوجها أو حضوره، وذهابها للزواج بآخر ارتضى أن يكون “بعلا” لمختلعة بتلك الطريقة، لكن تعجبي لمجتمع وإعلامه تابعا هذه الكارثة منذ سن القانون رقم 1 لسنة 2000 ، وتجاهل مفكروه ونواب البرلمانات المتعاقبة مواجهة قصور تشريعي يعزز فرص تكرارها ويضيع الحقوق.
هذا التكذيب وذاك التناسي دفعا تباعا باتجاه ظهور فئة من النسوة يتباهين بالاختلاع، مدعيات أن أحكام التطليق هكذا بالمحاكم “شرف عظيم”، وأن الزوج بموجبها بات “مخلوعا” يحمل عارا يلاحقه في مجتمع تعزز تطبيقات تشريعاته غاية النسوية في الانتصار لطرف مسبقا، حتى باتت ألسنة محامين تكرر لنا أن دفاعهم عن نسوة في المحاكم مضمون النتائج، وعلى العكس لو كان موكلوهم رجالا.
كنت شاهد عيان في العام 2000 حينما جلس مساعد وزير العدل الذي وضع القانون رقم 1 لسنة 2000 بندوة في كلية الآداب بجامعة عين شمس أمام علماء الاجتماع وخبراء القانون مدافعا عن تمريره ومبررا تفاصيله، حضرت ناقلا صحفيا لما دار فيها، وقتها علق الدكتور محمد نور فرحات أستاذ فلسفة القانون الراحل عن الدنيا منذ أسابيع، بأن تمرير تعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية دون تعديل المواد من 9 إلى 13 في قانون المرافعات والخاصة بطرق تطبيق إعلانات التقاضي، سيخلق حالة من الفوضى بمخالفة النظام العام ومنع انعقاد الخصومة القضائية بين الزوجين حال رفع الزوجة قضية تطليق للمخالعة، حيث تسمح هذه المواد للمحضرين بالامتناع أو التكاسل عن الانتقال وتسليم إعلانات التقاضي الخاصة بالدعوى إلى الزوج “المدعى عليه”، وزعم عدم وجوده أو الاستدلال عليه أو غلق مسكنه، ثم الادعاء بتسليم تلك الإعلانات لمأمور قسم الشرطة التابع له سكنه، “الإعلانات الإدارية” وهو ما قد لا يحدث فعليا، أو متى حدث فلا ينتقل مندوبا عن المأمور لمسكن الزوج مجددا لإخطاره باستلام إعلان الدعوى.
وقد تسمح هذه الحالة بعملية تزوير مادي لتوقيع المأمور أو ممثله باستلام الإعلانات نيابة عن الزوج، وتثبت هذه الحالة بمراجعة دفتر “الوارد” بالقسم، ناهيك عن إمكانية تحرير بيان غير صحيح عن “غلق سكن الزوج” على خلاف الحقيقة، ورغم أن من ينوب عن وزارة الإسكان في تحصيل فاتورة المياه ومثله عن البترول محصلا لفاتورة الغاز وثالثهم عن وزارة الكهرباء لتلقى قيمة استهلاك التيار، وجدوا المسكن مفتوحا وتعاملوا مع صاحبه، أما مندوب وزارة العدل “المحضر” في إعلانات التقاضي “الأمريكاني” فنفس المسكن تجده مغلقا في أوراق قضايا التطليق مخالعة، وقد يتكرر نفس الإدعاء بقضايا النفقات والحجز وغيرها، وتكون مساءلته “إداريا” في أي شكوى أمام رئيس المحكمة الابتدائية.
مرت السنوات وشهدت المحاكم ما حذر منه أستاذ فلسفة القانون، وأصبحت الإعلانات الإدارية “الأمريكاني” حاضرة بقوة في إجراءات سير دعاوى التطليق مخالعة وحاسمة في أحكام تتم دون علم أو حضور الأزواج بانعقادها، وكأن الضحايا يحدثون أنفسهم: هل سلبنا القانون حقنا في “العصمة” ليضعها في أيدي المحضرين؟ وهل إخطار مأموري الشرطة بالدعاوى المرفوعة ضدنا يعني أنهم ينوبون عنا في متابعة قضايانا؟ أم أن الزواج نفسه باتت بنود عقوده مدونة على أوراق طلاق قبل أن تبدأ الحياة الزوجية؟.
دعك من تفويت القانون ذاته فرصة الإصلاح بين الزوجين عبر حكمين من أهليتهما على دراية بحياتهما وتفاصيل مشاكلهما، إن وجدت، وتفضيل المشرع اختلاق دور لإخصائي اجتماعي وخبير نفسي وشيخين من مؤسسة دينية، رغم أن الإعلانات الأمريكاني تستبعد دورهم المزعوم نفسه في خلق فرص الإصلاح، وتمنح المختلعة عبر تلك الإجراءات فرصة الافتراء على رجل في غيابه دون حقه في الدفاع عن نفسه.
السؤال الذي تطرحه نسويات في هذا الاتجاه عن جهل بالقانون والواقع دائما لا محل له من الإعراب وغير مؤثر في تفسير الظاهرة التي ينكرنها بسحب الحديث إلى اتجاه آخر: لماذا تلجأ نسوة ومحاميهن إلى الإجراءات “الأمريكاني” في التطليق مخالعة إلا إذا كان الأمر متعلقا بتعنت الرجل ورفضه التطليق وهروبه من المواجهة؟.
في أصل التطليق مخالعة، أي معاوضة وافتداء المرأة ذاتها من علاقة الزواج برجل “لا تعيب عليه دينه ولا خلقه” ولكن تبغض “العيش” معه أي لا تبغض “شخصه وسلوكه” بالضرورة، يلزم القانون القاضي بالاستجابة لمطلبها ليخرج منطوق الحكم “حكمت المحكمة بتطليقها طلقة بائنة للمخالعة”، وهنا يعترض رجال على فكرة منازعة المشرع لهم عصمتهم فيأخذها منهم ويمنحها للقاضي.
أيا كانت النتيجة؛ فالتطليق على هذه الحالة يقع في محاكم مصر هكذا على خلاف واقع تشريعي بدول إسلامية أخرى يقع الطلاق مخالعة وافتداء بحضور الزوج واسترداده مهوره و هباته الكاملة من الزوجة ثم قيامه بنفسه بتطليقها أمام القاضي، وهو تطبيق يماثل فكرة الطلاق على الإبراء إتفاقا أمام المأذون، استنادا لتفسير يؤكد أن “نصح وإرشاد” الرسول صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس في “استرد الحديقة وطلقها تطليقا” يعني حضور وتواجد الطرفين واحترام وتقدير الرسول لما أقرته المرأة نفسها بإرادتها الحرة عند عقد الزواج، أن تكون العصمة بيد زوجها، ومن ثم بات منطقيا ومقبولا أن يكون “الطلاق لمن بيده الساق”، وهو أصل نظنه شرعيا يتفق وقاعدة قانونية أن “العقد شريعة المتعاقدين”، وطالما أن أحد بنود عقد الزواج، بوصفه عقدا خاصا بشروط طرفيه، يقول إن العصمة بيد الرجل وبموافقة المرأة ذاتها فلا يجوز لمشرع أن ينتزعها فيمنح غيره إياها.
أما وقد تعنت الرجل في استخدام هذا الحق متى حضرت زوجته إلى القاضي طالبة التطليق مخالعة ومعاوضة وافتداء، فيحق له التفريق بينهما أو تطليقها للضرر مع احتفاظها بكافة حقوقها الشخصية كنفقات العدة والمتعة ومؤخر الصداق، درءا لشبهة مفسدة تهدد مجتمعا حال إصابتها بضرر نفسي أو تحول سلوكها قبل عشرة لا تطيقها معه.
في سيرة “الخلع” غالبا ما يواجه رجال معايرة اجتماعية غير مبررة تدحضها نصوص القرآن ذاته، إذ أن أهل العلم يفسرون موقف الرجل والمرأة تجاه بعضهما في علاقة الزواج بأنهما يمثلان الستر والغطاء لبعضهما البعض، كما في الآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم [هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ] (البقرة: 187)، أي هن ستر لكم وأنتم ستر لهن، لأن كلا الزوجين يستر صاحبه ويمنعه من الفجور ويغنيه عن الحرام، والعرب تكني عن الأهل بالستر واللباس والثوب.
فمن تظنون تقع عليه المهانة والإساءة متى رددت نسويات متباهيات بخلع “الستر- أزواجهن” وكل منهن أمام المحاكم “لا تعيب عليه دينه ولا خلقه” حينما تطلب الطلاق!! ربما كرهت في سلوك المكايدة أن يبادلها رجل السخرية من حالها بعد اختلاعها لنفسها، متى راوغها بأنها “خلعت من يسترها”، أو استدعى حديثا فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “وإن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات، وما من امرأة تسأل زوجها الطلاق من غير بأس؛ فتجد ريح الجنة، أو قال: رائحة الجنة”
صححه الألباني (صحيح الترغيب)، ولا أذكر بعد وصولنا إليه بالبحث إلا حق أهل علم الحديث الأقدر على تفسيره وتأكيده.
والحال هكذا؛ فقد ترك المشرع قصورا في قانون المرافعات يسير بدعاوى التطليق مخالعة ويوجه أحكام دعاوى الأحوال الشخصية طيلة 23 سنة مضت، نشرت خلالها الصحف وأذاعت برامج التوك شو صرخات رجال ليس لسلب التشريع عصمتهم المثبتة بموافقة الزوجة في عقد الزواج فقط، وإنما لتحايل تلك العينة من النسوة المختلعات “بالقانون” والتحصل على أموال منهم دون ردها تمثل هبات ومهورا إضافية غير مكتوبة بعقد الزواج.
في 19 يوليو 2020 وافق مجلس النواب خلال الجلسة العامة على تعديل المادة الأولى من قانون تنظيم دار الإفتاء لتنقل تبعيتها من “وزارة العدل” إلى “مجلس الوزراء”، ورفض المجلس مقترحا من بعض النواب بتبعية الدار للأزهر الشريف، هذا ما يجعلنا نعتقد بأن “مؤسسة” على طبيعتها هذه وبقانون تنظيمها وتبعيتها، تتجنب التدخل بالتعليق أو التعقيب على أحكام التطليق مخالعة خاصة التي تمت بإعلانات “أمريكاني”، وتعتبر المسألة برمتها شأنا قضائيا لا دخل لها فيه يمس استقلال عمل “مؤسسة” أخرى.
هنا نرصد ظنا للبعض بأن حاصل عملية التقاضي بتشريعات تحتاج إصلاحا ومراجعة، هو نشأة حالتي الغالب والمغلوب في المحاكم، دون النظر إلى مضمون الأحكام أو التعليق عليها.
قانونا وإجرائيا؛ قد نجد ما يدعم تفضيل نسوة ومحاميهن التطليق مخالعة بإعلانات أمريكاني، فتلك الطريقة تجنبهن رد المهور و الهبات الحقيقية التي تحصلن عليها بوصفهن “زوجات” وقد منحها الرجال لهن فقط لأنهن “زوجات لهم”، وهى تزيد كثيرا عن “مقدم الصداق” ويجوز حال انعقاد الخصومة في قضايا التطليق مخالعة استردادها، طبقا لنصوص القانون المدني، لكن بوقوع التطليق دون انعقاد الخصومة بحضور الأزواج لا يحق لهم استرداد هذه الهبات سواء كانت مبالغ مادية أو هبات عينية، سيارة أو عقارا أو أرضا، وقد تنشأ دعاوى قضائية لاحقا ضد رجال مطلقين يكونون فيها مطالبين بسداد نفقات وأموال غير مبررة تسد غاية مطلبها واحدة من تلك الهبات غير المستعادة.
فموانع استرداد الهبات يوضحها نص المادة (502) في الفقرة “د” بهذه الحالة، فيُرفض طلب الرجوع فى الهبة “إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر ولو أراد الواهب الرجوع بعد انقضاء الزوجية”.
أمام هذه المادة يصمت الجميع ويكتفى الرجال بالبكاء على أموالهم وشقاء أعمارهم و “جري السنين”، وينصحون من يريدون الزواج بأن يكونوا بخلاء حريصين على أموالهم خلال فترة زواجهم، حتى يحضر تعديل تشريعي جديد يحقق مكتسبا غير مفهوم غايته اقتسام ثروة الزوج عند الطلاق.
بعد التأصيل القانوني لمبرر وجود حالة “وداد” بطلة دراما “جعفر العمدة” التي تنكرها نسويات مجالس ومنظمات ويقرها التشريع والواقع العملي لتطبيقه، لم نعد نفهم كيف يمكن للأجيال المقبلة تقبل مشروع الزواج وخوضه بكل ما لا يتضمنه من ضمانات استقرار واضحة كافية، إذا ما أضفنا إلى كارثة التطليق مخالعة بإعلانات أمريكاني قيام المشرع برفع سن الحضانة وتطبيق نظام تخيير الصغير بين أبويه، وتجاهل تطبيق حق الرعاية المشتركة للطفل بين والديه وأهليتهما، بخلاف حق القاضي الجنائي بقانون الإجراءات في الحكم غيابيا بقضايا اتهام الأزواج بتبديد أثاث بيت الزوجية دون استدعاء الزوج وسؤاله ودون وقوع طلاق، أو قل كيف يمكننا الزعم بأن الزواج سينتج “مشروع أسرة” جديدة مستقرة في ظل امتيازات طوعية جاذبة لأحد طرفي العلاقة نحو مكتسبات الطلاق المادية الزائفة؟.
وكم ذا بحياتنا من المضحكات المبكيات نصمت عنها لنحجز لرأس كل منا مكانا في الرمال.

*نقلا عن مجلة الهلال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى