سياسة

تزاوج العهر السياسي والإعلامي في التطبيع

جميل السلحوت| القدس المحتلة

رغم الهزائم المتلاحقة التي يعيشها العالم العربيّ منذ حوالي نصف قرن، والتي أخرجت الأمّة من التّاريخ الحديث، وجعلت غالبيّة الأقطار العربيّة مجرّد كيانات متناحرة، يتسابق حكّامها في قهر شعوبهم، من أجل تثبيت ولائهم لقوى أجنبيّة امبرياليّة، ومع هذا فإنّ وسائل الإعلام العربيّة في غالبيّتها تعجّ بالخطب الرّنانة حول “انتصارات وإنجازات حضارية واقتصاديّة وتحرّريّة وهميّة”، وفي هذا تسويق للهزائم وتجميل لها، ولو انتبهت الشّعوب العربيّة التي أكثر من 25% منها تعاني من الأمّيّة الأبجديّة، إلى ما يجري لاختلفت الأحوال. فعن أيّ انتصارات يتحدّث غالبيّة “القادة” سواء في الأنظمة الحاكمة أو في “أحزاب وتنظيمات” تزعم أنّها طلائعيّة وثوريّة! فهل ننشّط ذاكرتنا قليلا؛ لنرى حال أمّة كانت ماجدة وما عادت! ففي العقود الثّلاثة الماضية جرى احتلال العراق وتدميره وهدم دولته وقتل وتشريد شعبه، وتغنّوا بذلك رافعين شعار “تحرير العراق من الدّكتاتوريّة”، وهذا ما جرى ولا يزال في سوريّة منذ العام 2011، وسمّوه “ثورة”، وكذلك الحال في ليبيا، وسبق ذلك تقسيم السّودان، والاقتتال الحاليّ من أجل تقسيم ما تبقّى منه، وكذلك تدمير الصّومال، وسبق ذلك حرب على الجزائر شنّتها قوى ظلاميّة في العشريّة السّوداء بين 1992 و2002 وحصدت أرواح أربعمائة ألف جزائريّ، وهناك الحرب على المستضعفين في اليمن منذ العام 2015، وفصل قطاع غزّة المحتل عن الضّفّة الغربيّة المحتلة منذ منتصف العام 2007 لإقامة إمارة إسلاميّة، ومنذ ذلك التّاريخ يعاني أكثر من مليوني فلسطينيّ في القطاع من حصار يشارك فيه العرب والعجم، كما أنّ الضّفّة الغربيّة وجوهرتها القدس مستباحة لقطعان المستوطنين، حتّى بات المسجد الأقصى في خطر شديد.
وتمّ “بنجاح كبير” تدمير الاقتصاد المصريّ، وحصار سوريا ولبنان ومن ورائهما إيران، بهدف القضاء على المقاومة وبالذّات حزب الله اللبنانيّ، وقطع المعونات عن الأردنّ لإجباره على تغيير موقفه من القدس ومقدّساتها.
التّطبيع المجّاني لتكريس الاحتلال
لا يحتاج المرء إلى كثير من الذّكاء؛ ليعرف أنّ أمريكا شريكة رئيسيّة في احتلال الأراضي الفلسطينيّة والعربيّة المحتلة في حرب العام 1967، وتعمل على تكريس هذا الاحتلال من خلال الدّعم العسكريّ والاقتصاديّ والسّياسيّ اللامحدود لإسرائيل، وما الحديث عن حلّ الدّولتين إلّا من باب إدارة الصّراع لكسب الوقت من أجل فرض حقائق استيطانيّة على الأرض يصعب تجاوزها.
وفي أوجست 2020 وباحتفالات باهتة وقّعت ثلاث دول عربيّة هي الإمارات والبحرين والمغرب اتفاقات تطبيع مجّانيّة مع اسرائيل التي لم تقدّم لهم شيئا، واعتبرت الجامعة العربيّة وأنظمة عربيّة هذه الاتّفاقات قرارات سياديّة! وهذا يعني ضمنا تنازلها عن الأراضي العربيّة المحتلّة بما فيها القدس ومسجدها الأقصى عام 1967، وعندما زعموا في وسائل الإعلام بأنّ هذه الاتّفاقات لصالح الشّعب الفلسطينيّ ومن أجل التّسريع في حلّ القضّية الفلسطينيّة، فقد “كافأتهم” اسرائيل باستباحة أراضي الضّفّة الغربيّة بجوهرتها القدس ونهبها للإستيطان، واستباحة الدّم الفلسطينيّ وحرمات المسجد الأقصى.
والمتابع لاتفاقات أفراهام للسلام بين أبناء ابراهيم من زوجته السّيدة سارة”اليهود”، وبين أبناء جاريته هاجر”العرب”، سيجد أنّ أمريكا هي من ضغطت وفاوضت وفرضت هذه الاتّفاقات؛ لتطبيق مشروعها “الشّرق الأوسط الجديد” لإعادة تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفيّة متناحرة، ولتصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصّهيونيّ التّوسّعي.
لكنّ أيّا من المطّبّعين لم يطلب بل لم يطرح إنهاء الاحتلال الإسرائيليّ، وحقّ الشّعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلّة بعاصمتها القدس الشّريف. ولنتذكّر ما قاله الرّئيس الأمريكيّ الأسبق جورج دبليو بوش بأنّه قابل القادة العرب جميعهم ولم يطرح أيّ منهم إقامة دولة فلسطينيّة!
السّعوديّة والتّطبيع
لم يعد سرّا أنّ السّعوديّة التي تمثّل الثّقل العربيّ اقتصاديّا وسياسيّا، قد استجابت لضغوطات الرّئيس الأمريكي السّابق ترامب، وأقامت تحالفات استخباريّة وعسكريّة مع اسرائيل؛ لمحاربة إيران التي تعمل أمريكا على تحجيمها ومنعها من أن تكون الدّولة الإقليميّة الأولى؛ لتبقى الهيمنة الإسرائيليّة على المنطقة، كما أنّها سمحت للخطوط الجوّيّة الإسرائيليّة بالمرور عبر الأجواء السّعوديّة.
ورغم أنّ اسرائيل تحكمها منذ بداية العام الحالي حكومة فاشيّة، وانتقادات أمريكا الخجولة لسياسات هذه الحكومة العنصرية، وتناقضاتها حتّى مع قطاعات واسعة من شعبها، إلّا أنّ أمريكا لا زالت تمارس ضغوطاتها على السّعودية؛ كي تطبّع تطبيعا كاملا مع اسرائيل، وهي تعلم أنّه إذا ما تمّ ذلك فإنّ الأنطمة العربيّة في غالبيّتها ستتبرّأ من القضيّة الفلسطينيّة التي تعتبر قضيّة العرب الأولى. ويلاحظ ممّا يرشح في وسائل الإعلام أنّ طلبات السّعوديّة؛ كي توافق على التّطبيع لا تتضمّن إنهاء الاحتلال ومخلّفاته، ولا تنصّ على حقّ الشّعب الفلسطينيّ في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلّة. وأمريكا التي تضغط لتصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصّهيونيّ التّوسّعيّ تدرك هي وحلفاؤها أنّ هكذا تطبيع لن يجلب السّلام للمنطقة، بل سيدخلها في صراعات دامية، لأنّ الشّعب الفلسطينيّ وقوى التّحرّر العربيّة لن يتنازلوا عن حقوقهم التّاريخيّة في فلسطين ولا في غيرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى