فكر

الإنسان.. خصيم مبين

محمد عبد العظيم العجمي | كاتب مصري
    يصادفك القرآن كل حين، بتوصيف مُلابسٍ للإنسان، كأنه قد جُبِلَ عليه.. ولا يأل من التذكرة بعهده من الخلق والنعم، لكيلا تغفله أو تزيد في غفلته ملهيات العطايا، وزهرة الحياة الدينا؛ فيوقفه آخذا بتلابيبه، مذكرا ببعض منن النعم عله يتذكر أو يخشى.
    ومن هذا وصفه له بـ”الخصيم المبين”، ولكن أيَّ خصيم مبين؟!! إنه هذا الذي كان منذ أيام قليلة (نطفة)، لم يكن خلقا مكتملا، ولا شيئا مذكورا، ولا حياة ولا نشورا؛ بل فقط نطفة يتأفف صاحبها من قوامها وملمسها ومنظرها، ثم ينشأ في هذا المهاد والوساد، والطعام والشراب، وحتى يكون قُرّة عين وحبة الفؤاد، فإذا به بعد هذه المنن (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)!!
وكان الأولى أن يكون السياق بعد الخلق والتكوين “فإذا هو شكور منيب”، أي مديم على شكر نعمة الخلق، منيب حال الغفلة والعصيان.. لكن ذلك لم يكن على سبيل العموم؛ إنما فقط على حال من الخصوص والندرة لا يتعدى ذلك، حتى قال “وما كان أكثرهم مؤمنين”، وقال “وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين”.
وتأمل حالة الاختصار في مراحل الخلق، فهي معلومة الذكر لا يتسنى لعاقل أن ينكرها، وهي “النطفة والعلقة والمضغة والعظام واللحم والاستواء والعقل.. الخ “، لا يذكر القرآن كل هذا ، وكأن الإنسان أنكره بل نسيه، ثم يفاجئك القرآن بقوله: “فإذا” وهي (حرف يفيد المفاجأة)، مع سرعة التحول التي أفادها حرف الفاء.. وكأن المتحدث وهو الله ، يشي للمستمع وهو (الإنسان) أن يتوقف عند هذا الحال من عدم ترتب النتائج على المقدمات؛ حيث تحول الإنسان من النقيض إلى النقيض، وكأن ذلك لم يكن متوقعا من مثل هذا المخلوق بعد هذا العطاء!!
وربما وجدنا ذلك جليا في أحاديثنا المرسلة، يقول المرء لصاحبه “أهذا جزاء الإحسان؟ أهذا جزاء المعروف؟ ألم أصنع لك وأصنع؟ ثم يكون هذا شكري وهذا رد معروفي!!
     كذلك نلمح في طيات الكلام مما ليس مبسوطا، لكن الدلالة عليه واضحة، وسياق الآيات جاء يعرض به بعد نعمة الخلق الأول من هذا المبدأ المهين، ألا وهي نعمة “البيان”، التي أُغفلت كذلك في خضم النعم المغمور بها، والمُسبغة عليه إسباغا لا تفارقه كأنها الثياب، وهو يتقلب فيها الليل والنهار؛ يعمد هذا المخلوق إلى نعمة البيان فيحرِّفها عن مواضعها، وهي حال الشكر إلى حال مناقضة وهي “الخصام”.. فأي بيان هذا الذي ألهمه حتى يبارز به ربه بالكفر والنكران، ثم يقول “مَنْ يُحيي العظام وهي رميم “؟!! وفي الحديث: بَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ قَالَ: “يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ، أنَّى تُعجِزني وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ فَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْكَ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: أتصدقُ. وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟ “

    ونعمة البيان.. نعمة منوطة بالرحمة، وإن لم تحفها الرحمة ويحدوها العلم؛ فإنها لا شك حائدة عما ألهمت من أجله، فيقول القرآن: “الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)”}الرحمن{، هذا البيان أعظم نعمة بعد الخلق، وقد ارتقى فيه الإنسان إذ لم يبن عن حاجته كما تبين سائر المخلوقات برمز أو إشارة؛ إنما كان بيان فصاحة وجمال وبلاغة، حتى يأخذ بالألباب، ويأسر العقول، ويستميل النفوس، وتستملحه الأوراح وتصغي إلى سماعه “إن من البيان لسحرا”.
     إن المثل الإنساني في القرآن ليستوقف النفوس العاقلة الباصرة، ويأخذ بنواصيها شطر ربها الذي أوجدها من عدم وأمدها من عدم، ثم هو كأنه آخذ بحُجزها لينقذها من النار، وهي تتفلت منه..
وإن الآية رغم قلة مفرداتها، لتقرع مناطات العقل والفكر في الإنسان، وتوقظه من غفلته السادرة، وتقلقه من سباته المتصل، ليرعوي كلما غوى، ويتذكر كلما نسي، ويعود إلى رحاب ربه شاكرا منيبا، لا “خصيما مبينا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى