عابرون

وجدان خضور / فلسطين 

هنا على السفح والسهل في الحقول والمروج المنزوعة الظلال، ونحن على شفا الغروب وبركان من الوقت الضائع نصدح بدندنة مواويل وغناء في لحنها إكسير أمل. الأرض المطرزة بالسنابل على أُهبة الصباح، والسياج صار جذاذا بليلة الخطيئة وما زلنا ننتظر فجر النصر.

عابرون بالدّلجة وحشرجة الصمت، وليلنا يأتلق بالمدفعية يباغتوننا بالنور دون تريث حتى يشتعل في حلكة الجمود نارا.
واقفون هنا، ثابتون هنا، حتى بعد المقايضة نزداد انغراسا وانتشارا؛ نطرز الأرض بالورود ونرصع سماءها بلآلئ الشهداء. يُستَقْبَلونَ في محافلها بالقرنفل والياسمين. هنا وبعد أن تقرحت الجراح مضغنا عوسج الصبر عرضا وطولا في انتظار فجر انبثاق. لم يبقَ بي موطئ قدم للتجارة، وأنا على حافة الغد يشحذ الصلصال صليل الحرية في جسد الوعد. وبرغم شدة الحصار وبرغم الركام وخديج الربيع الذي سقط كأوراق الخريف، راح الحمام بين درع السلام والرصاص، باحثا عن عش معافى من الاحتلال، باحثا عن موعد مغسول بالصباح.

كلما لاح لي الأمس قلت له: قف ليس الآن موعدنا، تعال في الغد لينضج الزيتون ونعصره ضحكات على ثغر الصمود. فنحن منذ الأزل وحيدون في وجه الإعصار، وحيدون على الشاطئ في صرخة طفلة نزعوا منها جناحيها، وحيدة في برزخ الوجود. وحيدون وسط الرصاص الذي طال الطفل فأصبح بعضا من كهرمان. رصاص سمعه الضوء، سمعته المجرات لكن لم يكن له أي صدى في الأوطان فصارت خسائرنا كل يوم، شهداء وجرحى، بيوت وبساتين، شهداء من التين والزيتون والبرتقال. ثلمة تلو ثلمة في نبض المنهاج الممزوج بمسرح الأحداق والأحداث في حلبة الصراع.

في دروبنا المضاءة بشمس منفية أرى مخيما تزمجر فيه العواصف من جميع الجهات، مغلولة أيديهم حين تسعر الريح خدّها للغضب في صدأ قلوبهم الناتئة بالحقد والقلق. فالشرق خلع عباءته وهام يتسربل الغرب بكل إذعان، والغرب يتئد في حز نصله على نحورنا ويحررون الصفقة الرعناء. والجنوب محايد كسَروِ السياج، أما الشمال فإنه حتما يمرر الريح من فجاجهم البعيدة.

أيتها الغصون ظللي حبيبي وخبئيه فإن الدحنون مبلل بعرقه والنرجس تنفس من عبقه والزعتر انتعش من فواح انتماءه حين (أباتشي) حامت تراوده عن روحه ، لتكن ثمرا يا حبيبي في جسد الوطن، لتكن نخلا خصيبا في عالم على عرشه صلف هجين، وإنا وإن تواطأ الليل عابرون هذا الظلام متلفعين بالفجر وباليقين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى