مفهوم المُتمجِّد في كتاب طبائع الاستبداد

د. أحمد برقاوي | أكاديمي فلسطيني

كتبت هذا النص عام ٢٠٠٣ ونشر ضمن كتاب الاصلاح الديني ومصائره لعدد من المؤلفين

ليس من قبيل المصادفة أن يدخل الكواكبي موضوعه ـ الاستبداد ـ بذكر المفاهيم المترادفة والمتقابلة. إنما أراد مباشرة أن يضعنا في مناخ الخيارات الإنسانية، فالمفهوم الأساس هو الاستبداد وتقوم مقامه مفاهيم أخرى: استعباد، اعتساف، تحكم. أما المفاهيم المناقضة فهي مساواة، حس مشترك، تكافؤ، سلطة عامة.

أما مفهوم المستبد فمترادفاته: جبار، طاغية حاكم بأمره، حاكم مطلق. وليس هناك ما يقابلها من مفاهيم بل يهيب بالمفاهيم المقابلة للحكومة المستبدة فيه: عادلة، مسؤولة، مقيدة، وشعورية.

ثم ينتهي بمفهوم الرعية التي يرى من مترادفاتها: أسرى، مستصغرين، بؤساء، مستنبتين. والصفات ـ المفاهيم المناقضة: أحرار، أباة، أحباء، أعزاء.

في النقائض هذه يضعك الكواكبي ـ مباشرة ـ أمام حرية الاختيار، إنه في حقيقة الأمر يطلب منك أن تكون إما أسيراً أو مستضعفاً، أو مستصغراً أو بائساً أو مستنبتاً، وإما أن تكون حراً أبياً. حياً. عزيزاً. ولست تحتاج إلى كبير عناء لتعرف المراد.

المشكلة في الأصل سياسية، لأن الاستبداد كما يرى “صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً، والتي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية من حساب ولا عقاب… وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة أو على أمثلة تقليدية أو على إرادة الأمة….

شر مراتب الاستبداد، التي يتعوذ بها من الشيطان هو حكومة الفرد المطلق”(1).

لكن المشكلة السياسية تنتج وضعاً أخلاقياً، فجميع المفاهيم التي ذكرت هي مفاهيم أخلاقية، إنها مفاهيم دالة إما على انحطاط أخلاقي هو ثمرة الاستبداد أو مفاهيم دالة على سمو أخلاقي تنتج بالضرورة عن تجاوزه، أو نقيضه.

ينتج الانحطاط الأخلاقي من تلك العلاقة بين المستبد والرعية. أو من الرعية كما يريدها المستبد. إنه يريدها أن تكون كالغنم دراً وكالكلاب تذللاً وتملقاً.

مرة أخرى نحن في قلب القيم الأخلاقية. الأغنام والكلاب. وصفان لحال الرعية، أي انحدار الرعية إلى مرتبة الحيوانات، وبالتالي فقدانها الصفة الإنسانية، المفهومان المعبران عن درجة الحيوانية التي تصل إليها الرعية التذلل والتملق. فضلاً عن وظيفتها في مد المستبد بأسباب الحياة.

واستخدام مفهوم الرعية ناتج بالضرورة عن مقابله ـ المستبد.

فمفهوم الرعية يشير إلى كم من الكائنات قائمة خارج مفهوم الأنا الحر. غير أن هناك حلقة وسيطة تقوم بين المستبد والرعية هي حلقة المتمجدين. إنها بلغتنا المعاصرة ـ جمهور الانتهازيين.

ولم يستخدم الكواكبي مفهوم الانتهازية غير الشائع في عصره.

ففي نص مدهش من نصوص طبائع الاستبداد بعنوان: الاستبداد والمجد، يعري الكواكبي هذا الصنف من الناس، بوصفهم آلة المستبد لإخضاع الرعية.

ها نحن الآن أمام مفهومين متقابلين متناقضين: المجد و التمجد.

أما مفهوم المجد فيعرفه الكواكبي كما يلي: “المجد هو إحراز المرء مقام حبٍ واحترام في القلوب”(2) وزيادة في التحديد يضيف إليه صفتين أساسيتين الحرية والكرامة.

فالحر يفضل الموت على حياة الذل مثل حياة ابن خلدون الذي خطأ أمجاد البشر في إقدامهم على الخطر إذا هدد مجدهم ذاهلاً عن أن بعض أنواع الحيوانات ومنها البلبل وجدت فيها طبيعة اختيار الانتحار ـ أحياناً ـ تخلصاً من قيود الذل، وأن أكثر سباع الطير والوحوش إذا أسرت كبيرة تأبى الغذاء حتى تموت، وأن الحرة تموت ولا تأكل بعرضها”.(3).

وهكذا يتحدد المجد في حقل مفاهيم أخلاقية أثيرة لدى الأنا: الحب، الاحترام، الحرية، الكرامة، ولسان حاله، يقول: إن الحياة خارج هذه المفاهيم لا قيمة لها، وبالتالي فالموت أولى بالإنسان إن هو فقد وجوده السامي هذا.

فالحب علاقة معشرية طوعية، علاقة تقوم بين الأفراد ويسعى إليها الأنا دون قهر للآخر. والاحترام: حالة يحوز الإنسان فيها بنظر الأنا على مكانة تقدير. والحب والاحترام لا يقومان إلا في حقل الحرية والكرامة الإنسانية.

ولكن كيف يحقق الإنسان مجده، أي كيف يحوز على الحب والاحترام ويظهر حراً كريماً؟… الطريق إلى ذلك البذل في سبيل الجماعة.

فحضور الآخر هو الحضور الأقوى عند الماجد، وبالمعنى الأخلاقي يعني أن الأنا قد تحررت من الأثرة وسارت على طريق الإيثار. يضيف الكواكبي صفات أخلاقية أخرى لإغناء مفهوم المجد. الكرم والفضيلة والنبالة. والحق أن الكرم والفضل والنبل جميعها صفات ذات ارتباط بالعلاقة بالآخر. رغم أنها صفات ذاتية للمجد والماجد.

فالمجد إذاً صفات أخلاقية يتميز بها الأنا وسلوك أخلاقي يقع أثره على الآخر إيجابياً.

لكن الاستبداد ـ كما يقول الكواكبي ـ أصل كل فساد، يفسد الاستبداد المجد ويقيم مقامه التمجد”(4).

فالتمجد في تعريف الكواكبي: القربى من المستبد بالفعل كالأعوان والعمال، أو بالقوة كالمتلقبين بدوق وبارون والمخاطبين بنحو رب العزة ورب الصولة، أو الموسومين بالنياشين أو المطوقين بالخمائل”(5).

أو هو: أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية، أو أن يتقلد الرجل سيفاً من قبل الجبار يبرهن على أنه جلاد في دولة الاستبداد”(6).

نحن هنا أمام فئة ـ بنية تحيط بالمستبد عماله وأعوانه ومن تكرم عليهم المستبد بالألقاب، وأدواته قمعه من كل الأنواع.

وكما للماجد بنية أخلاقية تميزه، كذلك للمتمجد بنيته الأخلاقية. فهو معادٍ للعدل، نصير للجور خالٍ من الوجدان والشرف والرحمة والدين”(7).

إن هذا الصنف من النفوس الوضيعة ذو مهامٍ يفصلها الكواكبي استناداً إلى وظيفتها الفعلية كما كانت في عصره.

يسعى المستبد إلى الإكثار منها لتدعيم الاستبداد كاشفاً حقيقتها الفعلية التي تختفي وراء التظاهر بحريتها.

فالمتمجد في حقيقته عبد عند المُستبد وموضوع إهانة، لأنه ليس أكثر من أداة رخيصة تقوم بـ:

تغرير الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعها. فيسوقها لحربٍ اقتضاها محض التجبر والعدوان على الجيران فيوهمها أنه يريد نصرة الدين، أو يسرف بالملايين من أموال الأمة على ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة واجهة المملكة، أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعداء ظلمة باسم أنهم أعداء لها، أو يتصرف في حقوق المملكة والأمة كما يشاء هو باسم أن ذلك من مقتضى الحكمة والسياسية”(8).

بلغة معاصرة: المتمجد هو البوق الإيديولوجي عند المستبد الذي يزيف الوقائع والحقائق، هو الذي يقلب الأمور رأساً على عقب، لأنه يخفي أهداف المستبد الذاتية الضيقة ويحولها إلى أهداف باسم الأمة، مستخدماً المفاهيم الأخلاقية الأثيرة لدى الناس ولصقها بسلوك المستبد… كحب الوطن، وتوسيع المملكة وتوسيع المنافع العامة والدفاع عن الاستقلال.

لاشك أن عبد الحميد هو المقصود بهذا الكشف والتحليل، وربما أنه أخفى في هذا لسببين: الخوف من المستبد، أو لإعطاء معنىً كلي للمستبد والمتمجد.

أما السبب الرئيسي في سلوك المتمجد هو البحث عن المنصب في الحكومة المستبدة. وهنا، تظهر آلية اختيار المستبد لمتمجديه.

فالمستبد المحنك يطيل أمد التجربة في المناصب الصغيرة، فيستعمل قاعدة الترقي مع التراخي ويسمون ذلك برعاية قاعدة القدم. ثم يختم التجريب بإعطاء المتمرن خدمة يكون فيها رئيساً مطلقاً ولو في قرية. فإن أ ظهر مهارة في الاستبداد، وذلك ما يسمونه حكمة الحكومة، فبها ونعمت. وإلا قالوا عنه يا ضيعة الأمل منه(9).

أو أن المستبد يذلل الأصلاء بكل وسيلة حتى يجعلهم مترامين دائماً بين رجليه كي يتخذهم لجاماً لتذليل الرعية.

ويستعمل عين هذه السياسة مع العلماء ورؤساء الأديان الذين متى شم من أحدهم رائحة الغرور بعقله أو علمه ينكل به، أو يستبدله بالأحمق الجاهل، إيقاظاً منه ولأمثاله من كل ظانٍ من أن إدارة الظلم محتاجة إلى شيء من العقل أو الاقتدار فوق مشيئة المستبدين(10).

في تحليل هذا النص، نحصل على ما يلي: إن المتمجد ظاهرة لا أخلاقية، قد يجدها المستبد من جميع فئات المجتمع. من الناس العاديين ومن الأصلاء ومن رؤساء الأديان ومن العلماء… الخ.

وآية ذلك، أن المستبد يجعل من الاستبداد حالة كلية من هنا نفهم قول الكواكبي: “الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفراش إلى كنّاس الشوارع”(11).

نحصل هنا على نوع من العلاقة المتبادلة الآتية، فالمستبد يختار أولاً الأسافل أخلاقياً، ثم يعمم هؤلاء الأسافل الاستبداد كحالة كلية، فيشيع الاستبداد في كل أرجاء الامبراطورية فالكنّاس الذي هو وظيفة وضيعة في نظر الكواكبي وعصر الكواكبي يتحول في دولة الاستبداد إلى مستبدٍ، إذاً كل في حقله مستبدٌ في حكومة الاستبداد.

وهكذا يتحول المجتمع إلى جحيم. فتدمر الهيئة الاجتماعية كما يزول فعل النظام الأخلاقي المتعالي.

فالأسافل يكثر عددهم ويقل تبعاً لشدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى جيش الانتهازيين واحتاج إلى مزيد من الدقة في اتخاذهم بمعيار السفالة، فكلما كان الانتهازي، المتمجد أكثر سفالة كان أكثر قرباً، فيكون الوزير الأعظم المستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة ومن ثم من دونه لؤماً وهكذا (12).

وبالخلاصة: إن المستبد لا يخرج قط عن أنه خائن، خائف محتاج لعصابة تعينه وتحميه فهو ووزراؤه كزمرة لصوص، رئيس وأعوان(13) كما يقول الكواكبي.

ترى أليس من صحوة لهذا الصنف من المتمجدين، الانتهازيين، ألا يمكن أن يتحول وعيهم بالاستبداد إلى مقارعته؟

يغلق الكواكبي الباب أمام هؤلاء للصحوة وإن أظهروا ميلاً للإصلاح. وبهذا الصدد يقول: لا يغتر العقلاء بما يتشدق به الوزراء والقواد من الإنكار على الاستبداد والتفلسف بالإصلاح وإن تلهفوا وإن تأففوا… فكيف يجوز تصديق الوزير والعامل الكبير الذي ألف عمراً طويلاً لذة البذخ وعزة الجبروت في أن يرضى بالدخول تحت حكم الأمة

(14).

لكنه لا ينكر وجود مصادفة ما تجعل من الذين أرادوا الاستبداد عمراً طويلاً ينهون ويولون، ولكن لا ينبغي على الأمة أن تتكل على أن يظهر فيها أمثال هؤلاء، لأن وجودهم من نوع الصدف التي لا تبنى عليها آمال ولا أحلام(15).

هذه النتيجة التي يصل إليها الكواكبي قادته لأن يضع الآمال بالأمة التي لا يحك جلدها غير ظفرها، ولا يقودها إلى العقلاء بالتنوير والإهداء والثبات حتى إذا ما اكفهرت سماء عقول بنيها قيض الله لهم من جمعهم الكبر أفراداً كبار النفوس، قادة أبراراً يشترون لها السعادة بشقائهم والحياة بموتهم(16).

وبعد: لا يحتاج المرء لكبير عناء ليكشف عن البديل الذي طرحه الكواكبي للاستبداد. ولكن كيف السبيل عنده لتجاوز حالة الاستبداد؟

“الاستبداد ينبغي أن لايقاوم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً، نعم الاستبداد قد يبلغ من الشدة درجة تنفجر عندها الفتنة انفجاراً طبيعياً، فإذا كان في الأمة عقلاء يباعدون عنها البلاء، حتى إذا سكنت ثورتها نوعاً وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذٍ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة، وخير ما تؤسس يكون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد، ولا علاقة لها بالفتنة”(17).

هنا يبرز موقف الكواكبي من العوام. وهو موقف النبيل النخبوي أو قل يميز الكواكبي بين تمرد العقلاء الساعين إلى المجد وبخاصة مجد النبالة وهو البذل في سبيل الجماعة. وبين تمرد العوام الآني.

حيث فكرة الحرية والموت في سبيلها هو أساس وعي النبيل العاقل العالم المدافع عن الكرامة. فيما تمرد العوام تمرد آني، ويأتي لأسباب مخصوصة مهيجة فورية كما يقول (18).

فالعوام لا يثور غضبهم إلا عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبد على مظلوم يريد الانتقام لناموسه أو عقب حرب يخرج منها المستبد مغلوباً، أو عقب تظاهر المستبد بإهانة الدين أو عقب تضييق شديد عام أو حالة جماعية أو مصيبة. أو عقب تعرض المستبد لناموس لعرض، أو تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة، أو عقب ظهور موالاة شديدة من المستبد لمن تعتبره الأمة عدواً لشرفها (19).

لا يؤيد الكواكبي هبة العوام لأن أهدفها من الهبة غير واضحة وعفوية.

فيما مقارعة الاستبداد تحتاج إلى تعقل أهم مظاهره هو معرفة الغاية والخطة، وتعميمها على الناس. إذ دون تحديد الغاية بصراحة ووضوح وإشهارها بين كافة الناس يفسد العمل ويتحول إلى انتقام وفتن.

لكن هذا لا يمنع ضرورة تنبيه حس الأمة بآلام الاستبداد وحملها على البحث في القواعد السياسية المناسبة لها، وهذا يحتاج إلى وقت حتى يحصل التلهف الحقيقي على نوال الحرية في الطبقات العليا، والتمني في الطبقات السفلى. كما يقول الكواكبي.

والحق أن معجم الكواكبي يثير نوعاً من اللبس في فهمه. فهناك العقلاء و النبلاء والمستبد والمتمجد والعوام والأمة و الطبقات العليا والطبقات السفلى والخواص والرأي العام. ولو أعدنا ترتيب هذه المفاهيم وتحديدها من خلال نص “طبائع الاستبداد” لوجدنا أن مفهوم الأمة هو مفهوم لكل فئات الناس الأغنياء منهم والفقراء، العقلاء والبلهاء، النبلاء والعوام، والطبقات السفلى والطبقات العليا.

ثم إن العوام مفهوم يشير إلى سواد الشعب دون الخاصة، لكنه يضم في ذاته الأغنياء والفقراء.

وبالتالي لا ينتمي الأغنياء إلى صنف النبلاء، وآية ذلك أن النبيل صفة عائلية نفسية قبل كل شيء وأحياناً ترد إلى الأصالة في العائلة.

فيما مفهوم الغني ومفهوم الفقير ذا علاقة مباشرة بالثروة.

أما الطبقات العليا والطبقات السفلى فإن نص الكواكبي يسمح لنا بالقول: إن الطبقات العليا هي فئة النبلاء والعقلاء و الخواص. فيما الطبقات السفلى هي ما دون ذلك، إنها العوام والفقراء.

ولهذا نفهم لماذا تتلهف الطبقات العليا على نوال الحرية فيما الطبقات السفلى تتمناه”.

والفرق بين التلهف والتمني فرق في الكيف والكم.

فالمتلهف حزين وشاعر بالكرب والظلم ومحترق. ولهذا فدافعه إلى الفعل شديد، فيما التمني شعور سلبي. بل إن كل فئة من هذه الفئات السابقة تبني علاقة خاصة بالاستبداد.

ففيما النبلاء والعقلاء والخواص هم أعداء الاستبداد رغم محاولة المستبد الاستعانة ببعض العقلاء الذين سرعان ما يقعون في تناقض معه. فإن، الأغنياء هم كما يقول الكواكبي أعداؤه فكراً وأوتاده عملا ً، فهم ربائط المستبد يذللهم فيثنون ويستدرهم فيحنون، ولهذا يرسخ الذل في الأمم التي يكثر أغنياؤها”(20).

أما الفقراء، وإن كان المستبد يخافهم خوف النعجة من الذئاب كما يقول الكواكبي فإنهم يخافونه الخوف دناءة ونذالة خوف البغات من العقاب، فلا يجسرون على الافتكار، فضلاً عن الإنكار… وقد يبلغ فساد الأخلاق في الفقراء أن يسرهم فعلاً رضاء المستبد عنهم بأي وجه كان رضاؤه(21).

ومع ذلك فإن الاستعداد الفكري لاستبدال الاستبداد لا يجوز أن يكون مقصوراً على الخواص، بل لابد من تعميمه حسب الإمكان ليكون معضوداً بقبول الرأي العام. وكان الرأي العام هنا هو المجتمع ككل.

والمتمجد ليس صفة طبقية بل هو صفة نفسية ـ أخلاقية.

فالمستبد يستعير متمجديه من كل الفئات الاجتماعية على حسب درجتهم في السفالة واللؤم بلغة الكواكبي.

لاشك أن الكواكبي في وصفه الاستبداد وتعريته جمهور الانتهازيين المتمجدين قد كشف للعامة السلوك الظاهري للمستبد وأعوانه، كشف آلية سلوك المستبد وآلية دعمه معاً.

لكنه ظل وصفياً، متوقفاً فقط عند ما تشاهده العين المجردة، إذ لا يخفى على المرء سواء أكان من العامة أم من الخاصة آلية سلوك المستبد وأعوانه.

وهو وصف على أية حالٍ مفيد كي يدرك المستبد أنه ظاهري للعيان فيما يذهب إليه، ويدرك المتمجد أن الآخرين الذين يقع عليهم فعل الاستبداد ـ وهم أدواته ـ عارفون بهم وبنفوسهم الوضيعة.

لكن سؤال الاستبداد أعمق من مجرد الكشف عن ظاهره، بل السؤال الأساسي في الاستبداد: ما الشروط التي تجعل من الاستبداد واقعاً، فسلوك المستبد وأشكال فعل أدواته لاحقة لظهور الاستبداد، نازعة لاستمراره أنفاً عن رافضيه.

فالاستبداد بكل أشكاله ظاهرة تاريخية تجد تفسيرها الأول في بنية اجتماعية ـ اقتصادية وأخلاقية محددة، قام ويقوم على عصبيات مرتبطة بمستوى التطور التاريخي ـ الاجتماعي والاقتصاد لهذا الشعب أو ذاك.

فالمجتمع القبلي الذي يتحول إلى دولة لا يمكن إلا أن تكون القبيلة الأقوى عدة وعدداً وبفضل تحالفات مصلحية هي العصبية التي تحمل القبيلة إلى سدة الحكم الوراثي المستبد.

فيكون الاستبداد حالة طبيعية بهذا المعنى، المهم هو الكشف عن العصبية التي تخلق الاستبداد، العصبية بوصفها ثمرة من ثمرات حال المجتمع الكلية، إنها القاع الأساسي الذي يصدر عنه الاستبداد. لأنها تنطوي بالضرورة على المصلحة، والتي هي مفهوم ينتج القوة التعسفية للسلطة.

ثم إن استمرار السلطة كما هي، يخلق الوعي بآلية الحفاظ عليها رغم التغيرات التي تصيب المجتمع. وهنا نقع على الظاهرة التالية: فإذا كان الاستبداد نتيجة طبيعية لمستوى تطور المجتمع في لحظة من لحظات تاريخه، فإن استمراره يحتاج إلى مواجهة الشروط الجديدة التي تتناقض مع بقائه.

هنا يزداد الاستبداد تعسفاً ويصير بحاجة أكبر لأدوات القمع المادية والإيديولوجية.

بل إن وعي الاستبداد حالة ينتجها تطور المجتمع نفسه.

إذ قد يمر حين من الدهر دون أن ينشأ لدى الناس هذا الإحساس بالاستبداد. فتطور البنية التي أنتجت الاستبداد سابقاً يخلق الشرط الضروري لمواجهته، لأنها تخلق قوى اجتماعية جديدة، لم تعد قادرة على تحمل الاستبداد كظاهرة تمت إلى الماضي. وليس إلى الحاضر.

فآل عثمان الذين حكموا البلاد والعباد منذ القرن السادس عشر ظلوا بمأمن من التمردات النافية للاستبداد بالمعنى السياسي ـ الاجتماعي للكلمة. صحيح أنهم واجهوا حركات انفصالية، لكنها لم تكن حركات ضد الاستبداد أصلاً. بل حركات تريد أن تخلق استبدادها الخاص بها. حتى جاءت التحولات الكبرى في العالم وفي الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، تحولات في الاقتصاد والثقافة والحراك الاجتماعي والتكون الطبقي.

فظهر الوعي باستبداد الدولة العثمانية بوصفها دولة تنتمي إلى عصر مضى، ولم تعد مطابقة لنزوع الفئات الاجتماعية الجديدة وعلى رأسها المثقفون الذين عبوا من معين الثقافة الأوروبية ووعوا نزوعات الفئات التجارية الجديدة.

وفي اللحظة التي يظهر فيها التناقض بين السلطة المستبدة كسلطة تنتمي إلى الماضي، والبنية الاجتماعية الاقتصادية الثقافية الجديدة، تظهر السلطة المستبدة أقصى درجات الاستبداد الممكنة، من قتل وسجن وتعذيب ونفي، ويتحول المتمجدون الانتهازيون إلى وحوش ضارية.

وتكون هذه الحالة في الغالب بداية نهاية السلطة المستبدة. دون أن ينفي ذلك ظهور استبداد جديد قائم على عصبية أخرى بحيث يتحول النظام الجديد رويداً رويداً من حالة استبداد قديم إلى حالة استبداد جديد استناداً على قول إيديولوجي آخر.

ولاشك أن تغير عصبية الاستبداد من عصبية قديمة إلى عصبية جديدة، يترافق مع تغير في طبيعة القوة، وليس في آلية استخدامها. وفي درجة القمع وليس في كيفيته.

وهنا لا أقصد بالعصبية الجديدة إلا العصبية الأخرى التي أتت على العصبية الماضية. إذ قد تكون العصبيتان متشابهتين من حيث الجوهر.

وقد تنشأ عصبية جديدة مختلفة كل الاختلاف مع استمرار آلية الاستبداد على نحو أشد.

فالانتقال قد تم مثلاً في روسيا من استبداد قيصري قديم إلى استبداد ستاليني حديث، هنا تغيرت العصبية وتغيرت أشكال ممارسة الاستبداد دون أن يصيبها ـ هذه الأشكال ـ تغير في جوهر الممارسة، اللهم إلا حفر القبور الجماعية فالاستبداد ذو المنشأ العائلي أخلى المكان للاستبداد ذي المنشأ الإيديولوجي، وهكذا…

أما خوف الكواكبي من العامة أو العوام، فهو خوف الارستقراطي النبيل الذي لديه بالأساس موقف مزدر لمن هم أدنى في النسب والحسب، وشعور بالاستعلاء عليهم، وخوف من عنفهم ولا عقلانيتهم.

وكأن الاستبداد لا يقع إلا على عقلاء الأمة ونبلائها وأصلائها، وهي الفئات الأكثر إحساساً ـ كما يفهم من نصه بالغبن والقهر من سلوك المستبد.

لكن التعويل على النبيل والعاقل لا يمنع أن تكون عند الكواكبي نزعة إنسانية أخلاقية تدعو إلى المساواة بين البشر على مستوى الحقوق والواجبات والثروة، وهذا أمر آخر.

وبعد: لقد مدنا الكواكبي بنص للقراءة لم يصبه البلى بعد. وهذه هي المأساة الكبرى.

الهوامش:

(1) ـ طبائع الاستبداد، بيروت، 1982، ص 29.

(2) ـ ص 54

(3) ـ ص55

(4) ـ ص54

(5) ـ ص55

(6) ـ ص56

(7) ـ ص57

(8) ـ ص57

(9) ـ ص 61

(10) ـ ص63

(11) ـ ص63

(12) ـ ص 63

(13) ـ ص64

(14) ـص65

(15) ـ ص67

(16) ـ ص68

(17) ـ ص 156

(18) ـ ص156

(19) ـ ص58

(20) ـ ص79

(21) ـ ص8

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى