مقال

أي الكوارث أفظع؟

نجيب طلال|ناقد ومسرحي مغربي

في لحظات يقـف المرء عاجزا أمــام الفواجع والكوارث الطبيعية، عـاجزا عَـما يمكن أن يفعله إزاء ما صادفه صدفة وبدون إشعار مسبق، مثل ما وقع (الآن) في بلادنا ، وفي ليبيا الشقيقة : زلزال مدمر، زلزال مخيف، لدرجة أنه خلف الذهُـول والدهشة و الجرح الضمني، والاضطراب النفـسي، للعَـديد من عباد ربوع المملكة، ناهينا عن الضحايا المتمركزين في منطقة (الحوز) حيث تمركز الزلزال بقوة وبأس شديد ! وتمركز إعصار ”دانيال” في مدينة (درنة) متمددا للمدينة (البيضاء) بوحشية سيوله الكارثية التي جرفت المئات من عباد المدينة [الليبية] هنا وهناك، من الوادي الأحمر الذي استيقظ من سكونه إلى البحر الذي لم يصبح متوسطا / هادئا! بل كبيرا/ مرعبا! مفزعـا ! فقدس الله روح ضحايا[الحوز/ درنة] وما جاورهما، وتبت العلي القدير خطى وحسنات العاملين من أبناء الشعبين . شعْـب أبي بكل اللغات، شـعْبٌ تجاوز لحظة العجز، والخوف. لممارسة الفـعل المتميز بروح المسؤولة والجدية والحماس، بعيداً عن الديماغوجيات والخلفية السياسوية، التي اعتاد عليها بعض قناصي الفرص والظرفيات! إنها لممارسة حقيقية، ميدانية، تنم عن روح الوفاء والعرفان؛ والإيمان بالتضامن الإنساني وبالتكافل والتآزر والتعاون تكلل “عيانيا” في البحث عن المفقودين بين السيول، وتـَرقـب ما سيحمله البحر من جثث، ومن حركية إنسانية، في جمع الإعانات الغِـذائية والمساعدات الطبية والهبات الإيوائية من أفـراد ذاتيين/ بسطاء، وجمعيات / خارج أجنحة الأصنام ، وبعيدة عَـن المصالح النفعية الشخصية واللعـب على الحبال كالبهلوانات، وعن تلك [الأحزاب] التي أصيبت ب(الزهايمر السياسي) وخارج لائحة النفع العام (بلادي) وخارج منظومة الزعامة والصراع عن السلطة (ليبيا) فالمبادرة التطوعية ؛ التي نعيش أطوارها عمليا ، واستنفار الجهود المبذولة هنا وهناك وحملات الإغاثة الإنسانية والعاجلة لإغاثة المتضررين من الزلزال والفيضانات، والتي تنقل عبر وسائل التواصل الإجتماعية، والمواقع والصحف الإلكترونية والقنوات العـربية/ الأجنبية، المواكبة للمصاب الجلل، سواء [الزلزال أو الإعصار] فهما أساسا خارج منطوق الأجندات التي تسعى لخنق مستقبلنا وحياتنا وأحلامنا السرمدية، بل هي منغمسة في قضية المـوت والحياة التي صنعها “الزلزال/ الإعصار” إنه بالتأكيد فعل طبيعي ومن مدركات الطبيعة، وتحولاتها الجيولوجية. لكن : أي الكوارث أفـظع ؟ تلك التي وقعَـت في بلادي، أم في ليبيا؟
يبدو سؤالا ساذجا، أو{ربما} اعتراني الغباء من جَـراء تقـدمي في السن؟ أو هنالك اختلاط الأمور في ذهنيتي، من كثرة توالي الأحداث المرعبة والمؤلمة؟
ورغم ذلك أتساءل: هل الزلزال كارثة الكوارث..؟ أم إعصار دانيال كارثة الكوارث؟ بداهة (أي/ فرد) سيحتار في الرد الشافي والإجابة الكافية، لأنه أساسا لا نملك مقاربة واحدة للكارثتين ،لأننا (الآن) في مرحلة جد حرجة من الحدث والمصاب الجلل ، وبالتالي فمنطق الجواب وجوهره ”حاليا” سيبقى ملتبسا وحمال أوجه، تجاه السؤال: أي الكوارث أفظع؟ ونلاحظ بأن هنالك تفاوت في الرؤية والتصريحات للذين يخوضون تجربة الإنقاذ أو المساهمة على أرض الواقع، أو المكتوبين بنار الكارثتين. وذلك بناء على وضعية المكان وكذا تفاوت الوضع النفسي والذهني لأولئك . وبالتالي فلا يمكن أي كان أن يرى الأمور من الزاوية التي أراها، أو يراها الآخـر. وخاصة نحن خارج مدار الكارثة ، ولكن الصُّور تـُنـقل إلينا من معمعان الميدان ، صور كارثية ووقائع غير مزيفة إلى حد بعيد، من الصعْـب جدا التشكيك فيها ، بل لامحالة تصديقها، لأن القنوات الدولية والعربية والمحلية، تنقل نفس الصور، صور بشعة، مؤلمة، مرعبة، مبان منهارة بالكامل وطرق فالِجة ومشقوقة ومقطوعة وجثث منتشرة ومترامية بين الأزقة والحواري وعلى شواطئ المدينة؟ ومتاع وأمتعة متناثرة هنا وهناك في الشوارع والخراب، وهي أصلا أمست خرابا، وفي كل صورة يمررها الإعلام المواكب عن كثب مجريات هَـول الكارثتين؟ ينفلت السؤال، أي قوة جارفة هاته التي جمعت السيارات والمركبات وحولتها لعجين وقطع غيار غير صالحة للاستعمال؛ بدون معمل للتفكيك؟ ناهينا عـن انقطاع التيار الكهربائي وتعطيل شبكة الاتصالات؟…. (درنة/ ليبيا) طبعا: نعلم جليا، إنه الإعصار! إنه الفيضان ! إنه التسونامي ! ونكتفي بالقول: أن سبب الكارثة العظمى انهيار سدي مدينة {درنة} وكفى ! ألا يحق لنا أن نتساءل : أليست هنالك قوة خفية مضافة للإعصار؟ أليست هنالك قوة خفية مضافة للزلزال الذي حول المد اشر والقرى لأتربة وترابا؟ وحوَّل الأمان والطمأنينة والإستقرارلهلع ورعْـب وخوف شديد؟ إذ لازال بعض المواطنين خارج منازلهم ودكاكينهم ومحلاتهم يفترشون العَـراء في {بلادي} و لحد قـراءة هذا الموضوع، من أي قارئ {مفترض}. أما منطقة (درنة) فهي في عِـداد المنكوبين !!
وبين الزلزال والإعصار، أسئلة كثيرة ومختلفة تتقاذف و تتناسل… ومن حيث لا تدري تنفتح ذاكرتك مرغمة لاسترجاع أحْـداث معاشة في طفولتك أو شبابك أورجولتك …أو استرجاع مشاهد من تلك الأفلام الأمريكية التي أبدعت بكل إمكانياتها واحترافيتها، في تصوير عَـوالم الزلزال ، ولاسيما الكوارث الطبيعية (الأوبئة/ براكن/ زلازل/ طوفان/ نيران/ انهيار جبال/ …] بالنسبة للسينما العالمية ؛ تعتبر عنصرا أساسيا في الصناعة والإنتاج . وإن لم تخن ِ الذاكرة. هنالك أربعة أفلام رهيبة متنها{ الزلازل} المدمرة للمباني والطرقات، وانتشار الموتى والجثث مثل [الزلزال الكبير في لوس أنجلس/ Le Grand Tremblement de terre de Los Angeles] وهنالك أفلام حول ” التسونامي” بكثرة. من الصعب سردها هاهنا. فهل ياترى نستطيع أن ننتج إبداعا/ سينمائيا / مسرحيا / من خلال ما عِـشناه من كوارث طبيعية؟ ومن طفوح للمشاعر الإنسانية وغـَريزة البقاء؟ ومن سماع حكايا وقصص جوانية الحَـدثين: أولها زلزال (الحوز) وآخرها فيضان (درنة)؟ إنه حلم منتصف الليل! أو أضغاث أحْـلام! لا فرق، لكن الفرق أننا عاجزون ! مكبلون ! مقـيدون ! برؤية السياسي؟ ومنطق الفقيه ؟ ومنظوم البيروقراطي؟ وعَـوالم الخرافات؟؟
ألم تحاول المذهبية استغلال الكارثتين لمنطق الفقيه والإمامة (1) وفي هذا الوقت خرجت بعض التدوينات، تربط الكوارث الطبيعية بالفساد المستشري وانهيار القيم في تلك المناطق ! سبحان الله. وهناك من كان عَـدميا ولم يحاول أن يقدم حتى العزاء للضحايا /الشهداء، ولم يستطع أن يسدي خدمة أو يقدم نصيحة ، أو دعْـوة حتى، للتبرع بالدم جراء ما نعيشه من كارثة (2) وهناك من استغل الظرفية لاستغلال المساعدات للاغتناء من ورائها، إنهم تجار وسماسرة الأزمات ! والبعض يسرب العَـديد من الأخبار الزائفة. لأهداف مجهولة ؟ (3) وبالتالي فالسؤال المثير والذي نعيد طرحه للجدل أي الكوارث أفظــع ؟
هل الزلزال أفظع من الإعصار؟ أم الإعصار أفظع من الزلزال؟ نتيجة الإنهيارالقاتل والمفاجئ للبشرية تحت الأنقاض؟ كمعطى زلزالي. ونتيجة الغـرق المميت والمفاجئ للبشرية تحت الخراب وسيول المياه ؟ كمعطى إعصاري.
أسئلة محيرة. وإن كان لا فرق بأن كلاهما كـوارث مهولة ، مرعـبة. وفي آخر المطاف هي طبيعية، بناء على تحولات الطبيعة. لكن في تـقديري: أفظــع الكوارث؟ التخلف، واللامبالاة، وانعِـدام الرؤية المستقبلية/ الاحتمالية – لأي طارئ كارثي سيأتي على بعثة، كما وقع في الحوز/ درنة. وكذا انعِـدام الإمكانيات والإمكانات لمقاومة الزلازل والإعصار، للتخفيف على الأقل من حِـدة رعبه ودماره ومحاولة تقليص عدد ضحاياه على الأقـل، لتلافي انتشار الجثث المترامية، أوالتي لازالت تحت الخـراب وتحت المياه، والتي ستشكل خطرا بيئيا، وظهور داء الطاعون لا قـدر الله. أي نعم لامرد للقضاء الله وقـَدره. ورغم ذلك آن الأوان للتلاحم والتضامن الحقيقي وليْـس الظرفي، لإعادة ترتيب الأولويات من مستشفيات واقتناء المعِـدات ألأساسية والمتطورة ، تزامنا مع بناء الإنسان باعتباره رأس مال لمواجهة الكوارث الطارئة. لأن كثيرا من نفحات الأمل المشرق ومن التصورات والاستراتيجيات تنمو في حركية التباين والتغـاير المسـتمر بـين الأحداث السـابقة ؛ واللاحقة . وليس بالتقاعس واللامبالاة .
      ونجَـدد الرحمة والمغفرة لكل ضحايا زلزال “بلادي” وإعصار “الشقيقة ليبيا” واللهم اغفِـرلهم ما تقدم وما تأخـَرمن الذنوب يا الله، يا الله، بمغفرتك ولطفك. والصبر والصبر والسلوان لذويهم وأقربائهم أينما كانوا.

للاطلاع:

1) انظر: مقتدى الصدر: عن أسباب الكوارث الطبيعية.. ” غضب سماوي” و”ذنب ليبيا غير مغفور” بقلم: مجيد عبد القادر/ Majid Abdelkader- في موقع اورونيوزعربية/ Euronews بتاريخ 13/09/2023 /
2) فيديو للفايد حول “زلزال الحوز” يكشف عن العقيدة الجديدة التي بات يتبناها، بقلم – عابد عبد المنعم صحيفة (هوية بريس) في 09 /09/ 2023
3) أخبار زائفة حول زلزال الحوز؟ احذروا من هذه الشائعات” متابعة لصحيفة كواليس اليوم – في 12 /09 2023

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى