فكر

ذكريات الطفولة

د. محمد سعيد حسب النبي | أكاديمي مصري
“منذ عهد غير بعيد سألتني عما يخيفني منك، فلم أدر كعادتي معك بم أجيب، ويرجع ذلك من ناحية إلى ذلك الخوف الذي يملك علي نفسي إزاءك، وإلى أن دوافع هذا الخوف كثيرة ومتعددة يصعب الكلام عنها في دقة وتفصيل”. جاءت العبارة السابقة ضمن رسالة طويلة وجهها الكاتب الألماني “فرانز كافكا” إلى أبيه يلقي عليه اللوم بسبب تلك العلاقة المتوترة التي دامت بينهما طيلة حياته وحتى وفاته، حيث قامت العلاقة بينهما على الخوف، والذي أدى إلى كثير من المشكلات النفسية؛ فالأب لم يحاول فهم نفسية ابنه فهماً صحيحاً، بل عامله كما لو كان نداً له، ويروي كافكا قصة مؤثرة في طفولته؛ فقد عاقبه الأب بوضعه في الشرفة وسط الظلام والبرد دون رحمة أو حنان، لأن الطفل أراد أن يشرب وكان يصرخ باكياً. ولم يفطن الأب إلى الطبيعة البشرية في تلك المرحلة العمرية، ولم يقدرها حق قدرها، ولم يعالجها بطريقة سليمة.
ودارت الأيام وصار كافكا أديباً كبيراً وتقلبت عليه أحداث كثيرة، وحملته الأيام إلى مراحل جديدة من العمر، لكنه لم ينس ذلك الحادث الذي وقع في طفولته، ولم تتغير شخصية الأب، وظل على سلوكه نفسه ومعاملته القاسية لابنه. وأصبحت روايات كافكا من أروع ما أنتجته المشاعر الإنسانية، وشاهداً على معاناة الإنسان ومآسيه. ولعل تجارب كافكا في الطفولة انعكست على أدبه الذي صبغ بالحزن والكآبة، كما أن حساسيته المرهفة لونت قصصه وأعماله الأدبية التي بلغت مستوى رفيعاً للغاية. ومات كافكا وهو مشغول بقضايا ثلاثة وهي الحياة المريرة لإنسان القرن العشرين، وقصة حبه التي لم تكتمل، وعلاقته المريعة بوالده.
إن فهم التركيبة النفسية للطفل مهم للغاية، وضروري بالنسبة للمتصلين بالطفل وخاصة الأب، فدور الأب في حياة الإنسان يبدأ من اللحظة الأولى في طريق الحياة، وإذا كانت الأم هي مصدر الدفء في حياة الأبناء وسبباً من أسباب النمو والبقاء؛ فإن الأب هو الواسطة بين الأبناء والمجتمع، حيث يمثل العالم الخارجي، وسلوكياته هي الخطوط العريضة التي تكسب الأبناء مفاهيم الحياة، وعلى قدر سلامة شخصية الأب وسويته تتحدد شخصية الأبناء في المستقبل ومقدار نجاحهم في مواجهة صعوبات الحياة وتقلباتها.
إن رسالة كافكا إلى والده درس كبير من دروس الحياة الإنسانية، إنها موجهة في الظاهر إلى والد كافكا، ولكنها في الحقيقة موجهة إلى كل والد، إنها درس في فن الأبوة، يتعلم فيه كل أب أن يكون شيئاً جميلاً في حياة أبنائه، وأنيجعل من نفسه ذكرى باقية من ذكريات الوعي الأساسي بالحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى