أدب

مسار شائك.. قصة قصيرة

محي الدين الوكيلي| المغرب

قبل أن تخرج من منزلها ألقت نظرة من الشرفة تستطلع المكان، الطريق خال إلا الساحة المجاورة لدكان القرية، تفحصت الوجوه، الكل حاضر، شبابهم و شيوخهم. تذكرت أنه في هذه الفترة من السنة تقل الأنشطة الفلاحية في القرية، و يصبح معها التواجد في الساحة المجاورة لدكان القرية واجب حضور لا يمكن التخلف عنه أو التخلص منه. بالمقابل، كانت هاته الفترات بالنسبة لنساء القرية، عنوانا لتقييد حركتهن. فالرجال أخذوا لأنفسهم مكانا استراتيجيا لا يمكن للنساء التحرك دون المرور بجواره مما يجعل الخروج من المنزل وقطع الطريق من هناك مخاطرة غير محمودة العواقب. بل هناك من النساء من منعهم أزواجهم من المرور في أوقات الذروة. و أوقات الذروة عادة ما تكون بين العصر و المغرب.
على كل حال، كان لا بد لها من الخروج، فالمهمة التي تود تنفيذها لا تقبل التأجيل. رمت ” بالحايك ” على جسدها، تأكدت انه يلفها لفا، نظرت في المرآت، ابتسمت و هي ترى جسدها ووقد صار يطبعه البياض إلا فتحة صغيرة تمكنها من رؤية الطريق، همت بالخروج، و قبل ذلك ألقت نظرة أخيرة من النافذة. “الجماعة ” في مكانها، قهقهات الرجال تتعالى في السماء لتصل إلى مسامع النساء في بيوتهن. حاولت أن تتبث في مخيلتها المسار الذي ستأخذه، فهي تعرف أن نظرات الرجال ستشتت تركيزها لا محالة ، همت بالخروج و هي تقول بصوت خافت لكنه مسموع:
الله يجعل السلامة.
كان الطريق الذي سوف تقطعة لا يزيد عن أربع مائة متر. الطريق منحدر شيئا ما فالقرية توجد في مقدمة جبال الريف. لم تكن حالة المسار مشكلا في حد ذاته بالنسبة لها فقد تعودت على قطعه مرات عديدة. المشكلة الوحيدة التي تؤرقها حين تكون الجماعة قد أخذت مكانها هو كونها تضطر لتغيير المسار قليلا حتى تتحاشى المرور من أمام الرجال المجتمعين قرب الدكان. هذا التغيير و إن كان قصيرا إلا أنه يجبرها على المرور من مكان جد منحدر و كثير الإنزلاق. و هو ما كانت تخشاه جل النساء.
خرجت من منزلها بعد أن أحكمت إغلاق بابه الخشبي، جمعت “الحايك” حول جسدها و تأكدت أنه لن يعرقل سيرها و انطلقت في رحلة تعرف أنها محفوفة بالمخاطر. آنذاك كان صوت المختار لا يزال يسمع من بعيد و هو يعيد على الجمع بطولاته الوهمية، قهقهات الرجال ترتفع عاليا و هم يشجعونه على الإستمرار في الحكي في تواطئ مكشوف. انطلقت نحو هدفها بخطوات واثقة. على الأقل كان يبدو لها الأمر كذلك. بعد حوالي مائة متر كانت قد اقتربت من “الجماعة”. بدأت دقات قلبها تسمع و هي تردد بصوت مسموع : يا لطيف، يا لطيف. حين توقف المختار عن الحكي فهمت أن عيون الرجال ، كل الرجال متجهة نحوها. بدأ التردد و الخوف يداهمها. ألقت نصف نظرة نحو الجماعة فأصابتها سهام نظراتهم في مقتل. الكل يراقب المشهد و كأنهم أما مشهد فيلم درامي. أحست أنها لم تعد تتحكم في ساقيها و الحايك أصبح معرقلا لخطواتها. فجأة و هي تحاول أن تتفادى حجرا كبيرا انزلقت إحدى قدميها و سقطت أرضا أمام جمع رجال القرية. حاولت النهوض بسرعة لكن الحايك كان يعرقل قيامها و الصمت الذي كان يسود زاد من توترها. تمكنت أخيرا من النهوض، نظرت بنظرات حادة مليئة بالغضب نحو “الجماعة” . الجميع يحاول أن يتحاشى نظراتها. لأول مرة تستطيع أن ترى مدى الضعف و الحرج الذي انتاب جماعة الرجال و هي تركز نظراتها الحادة و الغاضبة نحوهم.
– صافي، هذا ما تريدون؟ اليس لكم شغل آخر سوى مراقبتنا؟ اذهبوا لقضاء أغراضكم فقد ضاقت الأرض من جلوسكم.
أزاحت الحايك عنها و احاطت به اسفل جسدها و ذهبت إلى حالها تاركة الجماعة في حيرة من أمرها.
خلال ذلك الأسبوع على الأقل، قل تجمع رجال القرية في ذلك المكان. بينما كان موضوع مجالس النساء ما فعلت صديقتهن بالجماعة. كان الحادث بداية عهد جديد ترسخ بتشجيع من شباب القرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى