أدب

طارق بدوي دسوقي | نجع حمادي_ مصر

في زمنٍ غابر، حين كانت البلاد ترزح تحت قبضة ملكٍ جائرٍ لا يعرف للعدل سبيلًا، عاش في أعالي الجبال رجلٌ اشتهر بالزهد والعبادة. انقطع عن الناس، واعتزل الدنيا، واتخذ من كهفٍ موحشٍ مسكنًا، لا يؤنسه فيه سوى صدى الدعاء، وهمس الريح وهي تصطدم بصخور الجبل.
وفي الوادي أسفل الجبل، عاش ثلاثة إخوة، فتيةٌ أشداء، عُرفوا بالشجاعة وقوة الساعد. وحين أعلن الملك الحرب، استدعاهم جميعًا، وجعل التخلّف عن القتال جرمًا يُعاقَب عليه بالموت، ويُصبّ غضبه على الأهل والذرية.
وكان لهؤلاء الإخوة أختٌ وحيدة، راشدة في مقتبل عمرها، جميلة الجمال، يفيض وجهها صفاءً: عينان بلون السماء في صباحٍ نقي، وشَعرٌ ذهبيّ يلمع كآخر خيوط الغروب.
لم يجد الإخوة من يأتمنونه عليها في غيابهم، ولا من يطمئن له قلبهم… إلا رجلًا واحدًا: زاهد الجبل.
صعدوا إليه بعد تردد، وقصّوا عليه أمرهم، وبكوا بين يديه، واستحلفوه بالله أن يحفظ الأمانة حتى يعودوا. وبعد صراعٍ طويلٍ في نفسه، قبل الرجل، ظانًّا أن قلبه قد ماتت فيه الفتن.
تركوا له من الطعام ما يكفي عامًا كاملًا، وودّعوا أختهم بقلوبٍ مثقلة، ثم مضوا إلى الحرب.
الفصل الثاني: الشرارة
مضت الأيام الأولى هادئة. كان الزاهد يضع الطعام أمام باب الغرفة دون أن يرفع بصره، ثم يعود إلى صلاته وذكره، كأن شيئًا لم يتغير.
لكن ليلًا واحدًا كان كفيلًا بتبديل كل شيء.
في تلك الليلة، زاره رجلٌ غريب، ادّعى الضياع وسأل عن طريقه. دلّه الزاهد، لكن الغريب توقّف قرب الغرفة، وقال بنبرةٍ ماكرة:
— «لمن هذا العطر الذي يملأ المكان؟»
قال الزاهد ببرود: — «أمانة عندي.»
ابتسم الغريب ابتسامةً خبيثة: — «أفتاة جميلة؟»
أجابه: — «لم أنظر.»
ضحك الغريب، ثم قال قبل أن يمضي: — «رجلٌ وحيد، وامرأة جميلة في كهفه… ويغضّ بصره؟»
رحل الرجل، لكن كلماته لم ترحل. بقيت، تنخر في القلب نخر السوس في الخشب.
وفي اليوم التالي… امتدت يد الزاهد، مترددة، نحو الستار. أزاحه. ونظر.
فهوى قلبه من علٍ، كما تهوي صخرة من قمة جبل.
رأى جمالًا لم يألفه، وشعورًا ظنّ أنه دفنه منذ سنين. وتكررت النظرة… ثم طالت… ثم تغيّر القلب.
الفصل الثالث: السقوط
عاد الشيطان، متخفيًا في هيئة الوسوسة. زيّن… وأشعل… وفتح بابًا ظنّ الزاهد أنه أوصدَه إلى الأبد.
تحوّل الكهف، الذي كان محرابًا، إلى ساحة صراع. ثم إلى موضع خطيئة.
ومضت الشهور ثقيلة… حتى جاءت الصدمة: حملت الفتاة.
عندها ارتعد الزاهد، واهتزّ ما تبقى من إيمانه. وجاءه الشيطان مرة أخرى، وقال:
— «إن أردت النجاة، فاقتلها، وادفن السر.»
قاوم، وبكى، وصرخ في نفسه… لكن الخوف غلب. فصنع سمًا، ودسّه في طعامها.
وماتت، دون أن تفهم كيف تحوّل الزاهد إلى جلاد.
دفنها فوق الجبل، وتخلّص من آثارها، ثم جلس يبكي، ظانًّا أن الدموع تمحو الدم.
الفصل الرابع: العودة
عاد الإخوة من الحرب منتصرين. وبعد أيامٍ من الراحة، صعدوا الجبل ليأخذوا أختهم.
استقبلهم الزاهد، لكن حين سألوه عنها… تلعثم، ارتجف، ثم قال:
— «هربت… بعد رحيلكم.»
سقطت الكلمة كالصاعقة. عاد الإخوة مكسوري القلوب، صامتين.
الفصل الخامس: الحقيقة
في طريق النزول، ظهر لهم رجلٌ غريب. قال:
— «أتحبون أن تعرفوا الحقيقة؟»
وقادهم إلى موضع القبر. وحين حفروا… وجدوا أختهم.
فبكوا، وصرخوا، وتعاهدوا على القصاص.
الفصل السادس: النهاية
أدركوا الزاهد، وقيّدوه. وفي لحظة ضعفٍ أخيرة، جاءه الشيطان وقال:
— «اسجد لي… وأنجيك.»
فسجد.
ضحك الشيطان وقال:
— «أنا أخاف الله رب العالمين… وأنت لا تخافه.»
ثم اختفى.
ومات الزاهد بعد أيامٍ من العذاب، وبقيت قصته عبرةً: أن من ظنّ نفسه فوق الفتنة… سقط أولًا.
✨ النهاية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى