
قصة قصيرة بقلم | تامر محمد عزت
حسنا.. سأحكي من البداية…
الشارع في صمت عميق ، والهدوء يسري بكل جانب من جوانب الصيدلية، مسألة طبيعية خاصة عند اقتراب الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، لا بأس، سأنتظر للساعة الواحدة وأغلق الصيدلية وأذهب إلى البيت لأرتاح.
ما هذا؟
يبدو أن العامل نسي جرد تلك الكرتونة التي أوصيت بها قبل أن يغادر، اها، تذكرت، كانت الصيدلة مزدحمة بالعملاء وغادر دون أن يفرغ محتواها من الأدويه، لا بأس، سوف أفرغها على أي حال، أين الفاتورة؟ ، لايوجد!، غريبه!، فتحت الكرتونة، خفيفه على غير العادة، ما أن فتحتها وجدت 4 علب أدوية من الحجم المتوسط، أدوية سكر، من أين أتت؟، لا أذكر أنني طلبت طلبية صغيرة بهذا الشكل، قفز فوق رأسي عدة اسأله كلها احتمالات، سأضعها مكانها وغدا أسأل العامل والعاملة لعل مندوب ما وضعها هنا لغرض ما، لكنها خفيفه جدا، حملت أول علبة وجدتها بالفعل فارغة! معقول! فتحت العلبه لأجد ورقة مطوية داخلها.. وهنا بدأت الحكاية.
العلبة الأولى
الورقة بيضاء إلا من عدة دوائر صغيرة ومتوسطة وكبيرة الحجم ومكتوب أسفل الورقة: برجاء صل الدوائر ببعضها!
احترت وتعجبت، هل هي لعبة ما؟ ،أمسكت بالقلم وتم توصيل بعض الدوائر ببعضها.. 10 دوائر..حسنا.. سهله.. ليس هناك مـا.. ماهذا؟
( في تلك اللحظة.. ارتعشت أضواء لمبات الفلورسنت، وتحركت بعض الأدوية من أماكنها وكأن زلزالا بسيطا ضرب المكان.. سرعان ما اشتد الأمر لحد الفزع.. خشيت أن يُهد المبني فوق رأسي وتقع الأدوية من فوق الأرفف، وضعت ذراعي فوق رأسي واغمضت عيوني وارتميت على الأرض.. وفجأة.. هدأ كل شيء)
استعدت توازني وفتحت عيوني وافقت على حقيقة من أعجب الغرائب، كانت الصيدلية قد عادت لشكلها القديم، ارفف خشبية بنية اللون، مكتب قديم، حتى الأدوية التي انتهت تصنيعها عادت مرة أخرى، ما هذا العبث؟، سرعان ما لفت انتباهي شيء هام، أن باب الصيدلية مغلق بالباب القديم، صرخت في جنون ، كل هذا انا غيرته منذ عشر.. عشر… عشر سنوات، ألهث وأنا انطقها، نعم كانت صيدلية مملوكة لصيدلى قديم واشتريتها منه وغيرت الديكور والمكتب والباب واستبدلتها بالشكل الحديث، لفت انتباهي وجود برواز معلق، نعم، أنها رخصة دكتور سيد الشوربجي، فغر فاهِ من الدهشة، كل شيء تبدل، هل سافرت عبر الزمن؟، أكاد أجن، هدأت لأعيد التفكير، بعد أن تبخرت غشاوة الاضطراب من فوق عيني وجدت الكرتونه كما هي، هرعت إليها لأفتح علبة أخرى قد تعيدني إلى زمنى وبالفعل كما العلبة السابقة، فارغة وبها ورقة مطوية.
العلبة الثانية
(ورقة بيضاء بداخلها نجوم مختلفة الأحجام… وكما السابق أن تصل بعضها ببعض، أمسكت القلم وقمت بتوصيلها وحدث بالفعل زلزال أعنف من الأول، كما السابق ارتميت على الأرض ووقعت ذراعي فوق رأسي، ارتعاش اللمبات النيون، الأدوية فوق الأرفف غاضبة، المكتب يرتفع ويهبط، أصوات عواء قطط من الخارج، ثم هدأ كل شيء فجأة).
ماذا تتوقعون؟
بالفعل عشر سنوات أخرى من العودة للوراء، تغيرت الأدوية مرة أخرى، تغير الترتيب، نقص في المستلزمات، المكتب كان أحدث، نفس صورة الدكتور سيد، كل شيء تغير.
ثم ماذا بعد؟
بكيت من التعب و ارتعدت مفاصلي من الخوف ، قلبي يهدأ، عقلي يستعيد نشاطه، هناك لغز محير لهذا السفر عبر الزمن وللخلف، عشر دوائر وعشر نجوم، وتبقى علبتان لم تُفتح بعد، استعدت كامل هدوئي لأفكر، هناك سر يحدث في تلك الليلة، ذهبت بضعف تجاه الكرتونة لأفتح باقي العلب، تأملتها أكثر، العلب نفسها تأخذ منحنى آخر، تتغير شكلها بتغير الزمن، أنا الآن بين نسخ موازية من الصيدلية، نسختي عالقة بين أزمنة أخرى، بنفس الشكل والعُمر الذي تجاوز الأربعين بخمس سنوات، لا مفر من فتح العلب الباقية، ولا أعلم سر اختيار تلك الترتيب، تساءلت ماذا لو فتحت علبة بزمن خطأ !؟، حركت رأسي برفض الفكرة و استبعادها وخاطرت وأمسكت بالعلبة الثالثة.
العلبة الثالثة
لم تتغير كثيرا عن الأخريات، لكن تلك المرة، الورقة بها مربعات مختلفة الأحجام، تم التوصيل، زلزال عنيف، تغييرات أعنف، عودة 10 سنوات للوراء.
العلبة الأخيرة
ورقة بيضاء بها عدة احرف مقطعه، س، د، ي، أ، ل، و، ر، ج، ي، ش، ب
السنوات تدور للخلف، أربعون عاما، الرؤية تتضح، أقف كشبح في الصيدلية وأرى حوارا دار بين صاحب الصيدلية المتوفى في زمني، وبين أبي المتوفي أيضا في زمني وأنا بينهما ذو خمس سنوات.. هناك سر يُكشف لأول مرة.
بعد قراءة الحروف عدة مرات وجدت الاسم… سيد الشوربجي!
***
دكتور سيد يعترف بسر لأبي:
أستاذ صفوت، ما اقوله لك هو ما حدث بالفعل، كان حادثا غير مقصود، السيدة أماني جارتنا أتت بوصفة طبية بها أدوية نفسية وحقنة صعبة التواجد، كانت الوصفة لأختها، اعترف أنني رفضت صرفها منذ البداية واخبرت اختها تهاني أن الوصفة من طبيب باطنة وأن مرضها خاص بطبيب الصدر، ورجوتها أن تمزقها وتذهب بها للطبيب المتخصص، ولم تسمع الكلام، وذهبت لشراء الأدوية من أجزخانة أخرى، وأتت لي باكية أن أعطي لأختها الحقنة، ومع الإلحاح ضعفت وبالفعل ذهبت معها، وأعطيتها الحقنة، وبعدها بساعات.. توفت.
الحقنة تسببت في هبوط حاد في الدورة الدموية و خفقان شديد في القلب والصدر، وماتت
أنا من قتلها.. انا السبب.
كاد الصيدلي يبكي حزنا وكمدا وأبي يربت على كتفه مطالبا إياه أن يهدأ وأنه نصح ولم يستمع أحد له..وفي النهاية.. عمرها وانتهى.
عاد الدوار مرة أخرى إلى رأسي.. زغلله في العيون.. صداع شديد خلف رأسي ثم وقعت.. في غيبوبة
أفقت بصعوبة، جسدي ثقيل جدا، صداع يكاد يخترق جمجمتي، تأملت الدنيا من حولي لأجد نفسي في زمني، عاد كل شيء إلى ما كان سابقا، تذكرت أنني كنت قد أغلقت باب الصيدلية قبل دخولي الحمام ونسيت أن افتحه.. وحدث ما حدث..
أما السر الذي كُشف لي عبر السنوات الموازية بسبب أن التي توفت كانت خالتي، وأمي هي من كانت ترجوه بإعطاء الحقنة لها، والدكتور يريد إبراء ذمة في لحظة كشف.
وقبل أن أغادر.. بحثت عن الكرتونة التى كان بها العلب.. لم أجدها!.



