تاريخ

 حقيبة الذكريات (4)

بقلم: سالم بن محمد بن أحمد العبري
وشب الكاتب عن الطوق وصار يرافق جده لأبيه إلى الولجة والظهران، ومع جده لأمه إلى ظاهر السَّمر والمنسور والرديدة حيث النواصر يسكنون بأغنامهم. ويأتون للطوي المنسور للزراعة والزيارة والسقي والحصاد.
ويذكر إنه في عمر صغير شبك يده على حبل (الزاجرة) لعله يقوم مقام جده بتوجيه الحمارة لتجر الدلو الثقيل المملوء بالمياه حتى إذا بلغ المصب وهو يعلو قليلا أرخى الحبل المتحكم في رقبته وفمه فيسكب مياهه التى في الدلو فترى المصب والساقية الموصلة إلى (اللجل) قد مُلئت بماء البئر المسكوب من الدلو. ثم لا يلبث المصب والقناة تراهما قد يبسوا حتى تلحق بدلو آخر وهكذا دواليك.
ويذكر أن سعيّد (الغِيبر) كنيته قد أولم لجده وأخذ الصبي معه فهو ولده إذ لم يعش له ولد ذكرٌ، وخرجا من حارة الحمراء وبيت الصفاة الغربي قبيل شروق الشمس في (القَنّة) وإذا بهما في عشة الغيبر في شرقي …
[10:36 ص، 2025/12/27] ناصر ابوعون: حقيبة الذكريات (4)
وشب الكاتب عن الطوق وصار يرافق جده لأبيه إلى الولجة والظهران، ومع جده لأمه إلى ظاهر السَّمر والمنسور والرديدة حيث النواصر يسكنون بأغنامهم. ويأتون للطوي المنسور للزراعة والزيارة والسقي والحصاد.
ويذكر إنه في عمر صغير شبك يده على حبل (الزاجرة) لعله يقوم مقام جده بتوجيه الحمارة لتجر الدلو الثقيل المملوء بالمياه حتى إذا بلغ المصب وهو يعلو قليلا أرخى الحبل المتحكم في رقبته وفمه فيسكب مياهه التى في الدلو فترى المصب والساقية الموصلة إلى (اللجل) قد مُلئت بماء البئر المسكوب من الدلو. ثم لا يلبث المصب والقناة تراهما قد يبسوا حتى تلحق بدلو آخر وهكذا دواليك.
ويذكر أن سعيّد (الغِيبر) كنيته قد أولم لجده وأخذ الصبي معه فهو ولده إذ لم يعش له ولد ذكرٌ، وخرجا من حارة الحمراء وبيت الصفاة الغربي قبيل شروق الشمس في (القَنّة) وإذا بهما في عشة الغيبر في شرقي الرديدة؛ ويؤتى لهم بذبيحة صغيرة العمر كبشا وقد يكون اختاره مكرانيا الذى يوصى بلحمه، وأكلا كما حلا لهما وطاب من وليمة سعيّد، و عادا للحارة.
ربما بعد أن مرا بمزروعات جده بالمنسور. ويذكر أنه صحب جده إلى (غبرة تنوف) لزيارة أبناء خاله محمد بن مبارك بن بدر النبهاني وباتا مع هلال بن محمد الذى كان يقيم لوحده ب(مزرعة الصبارية) -أما إخوته الآخرون بدر وعلي وعبدالله وسالم فكانوا بالبندر- وهي بئر ومزرعة أحسبها لهم، لكني علمت متأخرا أنها لأولاد سعد الله النباهنيين المقيمين بولاية نزوى بـ (المدة)، وأقام بهذه المنطقة أثناء حرب الجبل رجال عبريين ، وأظن أنه ذهب للاطمئنان عليهم قبيل أحداث خروج الإمام غالب من قلعة نزوى ومن الحكم بعد أن دخلها السلطان سعيد بن تيمور موحدا لعمان برغبة ومؤازرة من معظم شيوخ وأعيان عمان، ليبدأ صراع جديد بعمان، فلما تجدد الصراع بين الإمامة والسلطنة بعد عودة الشيخ طالب بن علي ودخوله نزوى مع الإمام وجُرَّ الشيخ سليمان بن حمير النبهاني للصراع والدخول الأحداث.
ثم أغارت الطائرات والجيش السلطاني على (تنوف) وهدموا الحصن والحارة، فانتقل أولاد محمد بن مبارك النبهاني مع أهلهم إلى الحمراء وأقاموا بـ(طوي الخطم). وأُعطوا (بئر خبّ السلام)؛ ليحرثوها لأن بها نخيل بينما الخطم كانت لزراعة البُرّ وغيره من الحبوب والبقوليات، فهم خبراء في الزراعة ويعتاشون منها كراما مكرمين.
عاد جد الكاتب وبدا من جولته الثانية بُعيد انتهاء البرزة بسبلة (الصلف) و جلس على الأموال والمزروعات، ودخل البيت من الباب الغربي المقابل لبيتي عمه حمد (بيت العالي) وبيت أبيه سعيد (بيت المغرِّب) وأسرع للفلج للاغتسال كعادته، فلما دخل الدهريز حيث تربط الأغنام به وتجاوره أسفل غرفتي المال الفوقية والتحتية (درْس الأبقار/حظيرة)، لما أتى من الباب الثاني المواجه لـ(باب الحائط) انثني يمينا فرأى (صخلا/ماعز) مربوطا أوتي به للتو إذا لحمه جيد يوحي أنه للضيافة أوا لأمر لم يعلم به، فاغتسل من ماء الفلج المندفع أسفل البيت من (القُرنة) الغربية الجنوبية، فاغتسل وربما توضأ لصلاة الظهر، وصعد للبيت من الدرج الضيق جنوب المنزل المخصص لحركة الأهل من العرشة والغرف إلى الفلج والمصلى، وما كاد ينفذ من الباب الصغير الذى يمثل ملتقى الدرجين لنرتقي (رُفْصتين) فقط إلى ساحة العرشة الفسيحة، حيث تجتمع العائلة وحيث تقام بها ولائم الضيوف الكبار كالإمام الخليلي وااشيخ صالح بن عيسى الحارثي.
ويتذكر الكاتب هيئة الأغنام التى ذبحت له وكأنه يراها الآن معكوفة، ما إن وطئت قدماه العرشة. ونساء البيت عاكفات على تطريز ملابس النساء والجلباب والمئزز.
حتى نادى بصوت عال لمن الصخل بالدهريز؟ قال الراوي: (جد القرينة الكريمة) وقد صوّر المشهد تصويرا بديعا يجعله قاصا مبدعا لو عاش عصر القصة.
(قلن له هذا أحضره محمد لأن ابنة عمه أفرغت الصدود وأعملت العقول وزينت لها الخادمات صفات الرضا و-الرضا بقدر الله-، ففكرت ثم قدّرت بعد أن فكرت أن تأتي الليلة المقبلة مساء الخميس ليلة الجمعة.
قال (جد) القرينة فلما سمع الخبر الذى يتمناه وقد آيس منه بصوت عال سُمع من أرجاء مسجد الصلف -الحمد لله- وظل يكررها عشرا).
أتت الخادمات والعمة أم سعيد التى كانت تمنيها أن تسكنها معها ببيتهم وقد يتحولان للبيت العالي بأم بدر بعد صلاة العشاء وقد تجمهر نساء العائلة وخادماتهن، وبعضهن سعيدات، وبعضهن لا ينبسن ببنت شفة، لقد كن لايتوقعن أن تقبل بعد نشوز طويل وكلام فظيع، لكن كيد النساء عظيم. لقد قلن لها: إن أم هلال تتمتع بكل المظهر والمخبر والعائد من تجارة أبي هلال وبدر وإن النساء والبلد تتقاطر تباعا يتبضعون من تجارته المجلوبة من دبي ومسقط، وإن العرشة والغرفة و ربما غرفة المال التحتية والغرفة الصغيرة تحولت إلى مخزن للأقمشة والجلابيب والعطور والصندل والورس إلخ,,, فلماذا أنت حرمت نفسك؟ وتتركي هذا لأم هلال وكأنها خديجة بنت خويلد.
انصرفت النساء ومعهن الخادمات إلا أم سويدان المرافقة للعروس فمن المعتاد مع عائلات الزوج والزوجة أن تكون مع العروس في أول ليالي انتقالها من بيت أبيها إلى بيت الزوجية، والبيت الجديد تصاحبها أقرب المقربات من الخادمات تخدمها وتهدئة من روعها -إن وجد- وقد تحضر لها الماء للاغتسال أو تأخذها إلى المجازة وكأنها هي التى ولدتها، وتقدم بل تختار لها الإفطار وكل الأطعمة والمشروبات، وتبقى معها قرابة أسبوع لاتفارقها إلا بعد العشاء وحيث موعد النوم وتكون قد فرشت الفراش للعروس وترشه بماء الورد ثم تخرج إيذانا لدخول الزوج على زوجته.
أما أم هلال فقد تكون نامت بالعرشة وقد كان النوم يغلبها فهي ستفكر في الحال الجديد، لقد كان أهلها لما أتى أبو (أم بدر) يخطب (أم هلال) لوالد الأخوين.. فاشترطا عليه أن لا تكون مع زوجة أخرى، فهو قد عقد على أم بدر منذ فترة، ولكن صدودها لم يستطع أهلها محوه وإقناعها به أما لسان الخادمات الطويل كثير الكلام فهو علم وخبرة توازي علم الأب وخبرة الأم.
كانت الغرفة لأم هلال وكانت هي الأصل والفصل وكان عائد التجارة لا يشاركها فيه أحد، وكانت صاحبة الرأي في كيف تكون القسمة في عمل بيع هذه البضائع، وقد تكون لامت زوج أختها الثانية حين حرَّض على خِطبتها بعد أن خرجت من عِدَّة زوجها ابن عمها (سلطان) الذى قتل في تلك الحرب التى يحرض عليها المنتفعون ويروج لها الطبالون ويتعامى عنها العقلاء والمجربون والعارفون لأسباب الحروب العبثية ونتائجها.
خرج الشاب من شهور العسل لمواجهة الحياة منتشيا بفتوته وحاملا بندقية جديدة قد لايكون غيره قد حمل مثلها ممن سيقوا لحرب لا ناقة لهم بها ولاجمل. وذات صباح مبكر أقدم الطرف الآخر ليُجهز على (المستسلمين للمراجعة) و(السَّيَب) وكان قوم (سلطان) بين متذمر من الحرب أو مروج لها أو متخاذل لاذ هربا من المعركة، فإذا زوج ابنة عمه يطلق طلقات بندقيته التي يُسمع سوت طلقاتها من أول الوادي إلى آخره وهو يصيب أو يرعب أو يُسقط البنادق من أيدي حامليها؛ لكن الرصاص يكاد، ينفد من (مَحْزَمِهِ) فخمسون طلقة كانت فقط بمحزمه المحيط بوسطه، ولم تبق به إلا بضع طلقات وليس من رديف لها، فسلاحه لاتتوافر له خزانة أخرى إنه جديد وليس في صناديق القبيلة خزانة لمثله إنه هدية السلطان سعيد بن تيمور لأبيه ولاحظ الخصم أن (سابة/موقع) سلطان بن ناصر زوج أم هلال توقف منها سيل الرصاص فأيقنوا أن ذخيرة سلطان قد نفدت.. فصبوا وابل طلقاتهم عليه فتجندل الشاب البطل وتترمَّل ابنة عمه، ومازالت تتذكر هذا الموقف إلى اليوم بعد أن فُجِعَت للمرة الثانية إذ لم تعد بعد هذه الليلة هي الأصل والفصل بل أتتها (ضُرة).
وهل نامت أم هلال ليتها وضرتها أخرجتها من غرفتها وجعلتها تنام بعيدا عن زوجها منذ أعوام ليشرق الصباح والخادمات الخادعات قد كوَّنّ صفًّا يتقاطر للتهنئة والتبريكات وكلما تسمع أم هلال ضحكات الخادمات وتبريكاتهن تصير بقلب أم هلال سهما قاتلا.
وترى القهوة والأكل يُقدم لهن وجبة العرس الجديد.
لكن جدة هلال لم تأت للتهنئة فهي تعتقد أن إخلافا للوعد والعهد قد صار وأخت أم هلال بالعَراقي فلن تأتي لتحمّلها غضبها من زوجها الذى رغَّبا أبا هلال وبدر أن يتزوجها. وحين أخلف العهد والوعد لم يفعل شيئا؛ بل ترك الذبيحة تذبح بسكينين باردين؛ السكين الأولى بمقتل زوجها والسكين الثاني بضرتها الجديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى