
تامر محمد عزت | القاهرة
“سأضع كل شخص قد تسبب في ايذائي في قصة رعب , وأتلذذ بخوفهم،وارتجاف قلوبهم ، وترتفع ضحكاتي مع كل
نبضة قلب تنفجر من فرط الهلع واثناء استنشاقي لالكسجين
الملوث بنيكوتين سجائري وجسدي مخدر بنشوة هذا
الخليط،سأستمتع استنشاقهم الهواء المخلوط بالأدرينالين
العتيق من جوف خاليا جسدهم، وأسخر منهم وأنا أشارك في
دفنهم أحياء في قبور الجحيم “
كانت تلك المراجعة النهائية لآخر مشهد في عرضه المسرحي،ألقي بورقته على الطاولة ثم سار خطوات قليلة،وقف بقامته الممشوقة أمام مرآته في غرفته يشذب لحيته ويعدل من هندامه، من تساوي حُلته السوداء وإحكام ربطة عنقه، بعد قليل سيصعد على
المسرح ويروي تجربة خاصة ، في تلك اللحظة ، كانت هناك وقع أقدام على السلم الداخلي للمسرح ،خطوات هادئة متتابعة ثم زادت الخطوات بشكل متعجل ثم اقترابا من الباب، طرق بيديه طرقات عنيفة تلاها دقا مضطربا،ترتجف له القلوب،كأن هناك من يدق بعظام يده،بسرعة اقترب الممثل من باب الغرفة حاملا سيخا من الحديد ، فتح الباب بطريقة مفاجئة وهم أن يضرب بكل قوته إلا أنه لم يجد سوى الخواء، لا أحد، لا شيء هنا، كأن كل شيء تبخر في لحظتها،أغلق الباب وراءه في غضب ، أشعل لفافة تبغ، ووقف أمام لوحة فخيمة ، كانت لشرفه بديعة التكوين الهندسي
تشرف على بحيرة صناعية تلتف حولها غابة متدثرة بالثلج
الصناعي وتتساقط فوقهم قطرات من المطر الطبيعي، يتأمل حلم من أحلام اليقظة،الحلم أشبه بقصاصات مبتسرة لفيلم ،مشاهد ولقطات ،ابتسم في غموض،لمعت عيناه، هدوء يسري في قنوات مخه،ملامح بليغة المقال،اطفأ سيجارته، وسار إلى باب غرفته،وقف قليلا ،ثم همست نفسه بصوت لا يسمعه إلا
هو وقال :” ليبدأ العرض “.
انتهي العرض المسرحي وطلب الممثل المشهور من الجماهير
أن يبقوا في أماكنهم ، خصوصا أن المطر غزير بالخارج ولديه فقرة من نوع خاص جدا.. بمناسبة رأس السنة الجديدة 1 يناير 2025
أراد أن تصير الليلة مميزة..وافق الحضور على البقاء،وجلس الممثل على كرسيه وقال :
“ذات ليلة وبعد عناء يوم
شاق ،وتناول العشاء الدسم، كنت على وشك الإغفاء،
لدهشتي تهيأ لي أنني أحلم رغم يقيني أنني مازلت يقظا،كان
الأمر أشبه بشاشة ملونة سقطت فجأة على شاشة لا مرئية في
الظلام أمام عيني المغمضتين ، شرعت تفحصها بمزيد من
التفاصيل،انقبض قلبي لما رأيت،وفجأة اختفت الصورة
بنفس الطمأنينة، وقبل أن أميز ما رأيت،غفوت وغرقت في
نوم عميق،هل تريدون معرفة ما رأيت ؟ أعطوني آذانكم…
وأرواحكم..تأملوا..واصغوا اليّ جيدا.
***
وبعد ساعتين..
سيداتي سادتي، ها أنا أتحرر من مخاوفي وقلقي ورغباتي الهستيرية،ها أنا أصعد بروحي إلى
السماء،اتحرر وأُولد من جديد،وأنتم شهداء على هذا الميلاد..الميلاد فى الظلام البارد،
سوف أظهر لكم مرة أخرى،
إنسان نقي، فاضل،بحياة جديدة استحقها بعد كل هذا العذاب،انحني الممثل و سقط على خشبة المسرح منهارا.
قامت الجماهير فزعة لما حدث و تزاحموا على أبواب الخروج، وبعد لحظات خلى المسرح من الجميع،لم يبق إلا الممثل وقد لقي حتفه بعد انفجار عنيف داخل المسرح .
***
بعد سنة ليلة 1 يناير 2026
كان هناك لقاء على الهواء مباشرة في احدى القنوات
الفضائية،جاء ضيف مميز إلى إحدى برامج التوك شو ليتحدث عن أخيه الممثل الراحل بعد أن رحل عن عالمنا منذ عام ، والذي يشبهه تماما،وكانت المفاجأة أنه توأمه.
تكلم الضيف عن نفسه وحياته وأنه كان يعيش بالخارج منذ زمن بعيد، وأنه يريد أن يُكمل مشوار أخيه بنفس روحه وبنفس اسمه ،تكريما له ولـ أعماله الفنية.
انهالت المكالمات الهاتفية على البرنامج غير مصدقين،وطلبوا منه
الظهور في أعمال سينمائية ومسرحية وتلفزيونية جديدة.
انتهى البرنامج وخرج منها بصفقات و بأرقام منتجين
وأعمال درامية جاهزه له وأن الساحة الفنية في انتظاره.
عاد أخ الممثل إلى منزله وأعد كأسا من النبيذ وأشعل سيجارته وتذكر تلك الليلة الغير بعيدة.
***
قبل سويعات من 1 يناير 2025
بعد الدقات العنيفة لباب غرفته، خرج الممثل ولم يجد أحد.
أغلق بابه ثم التفت ليجد توأمه واقفا أمامه،نهره بشدة عن تلك
الفزعة التي سببها له بعد أن تبين أنه دخل إلى الغرفة أثناء بحثه عن الطارق في ردهة المسرح، وبعد أن هدأ ووقف خلف زجاج غرفته
وقال له :” أنت الآن داعشي العقيدة،وأنا ممثل مشهور،
وجودك خطر على نفسي وعلى مستقبلي الفني، إما أن ترتدع
عن الذي أنت فيه أو نسلك مسلكا آخر..ما رأيك؟
أومأ الداعشي رأسه موافقا على الطريق الآخر.
اتفق معه على انه سوف يقص على الجمهور قصة من وحي خياله، يخبرهم بأنها تجربة خاصة،تجربة عقائدية، وانه ملحد وغير مؤمن بوجود الله، ولكن قابل علامات ورسائل من الله عز وجل،وبذلك يتحرر من هلوسة الفكر ،ويولد من جديد،وفي نفس الوقت، تُفجر نفسك،بنية الخلاص ودرء المفاسد وتغيير المنكر.
كانت الخدعة ناجحة للتخلص من أخيه الذي كان ليس له شخصية واستغل حالته الجنونيه لحبه للموت،لم يكن انفجارا فحسب، كان عملية تجميلية للقدر؛ تخلصَ فيها الممثلُ من ظِلِّهِ الملوث، ليخرجَ من رمادِ أخيهِ إنساناً جديداً، نقياً في نظرِ العالم، وشيطاناً في مرآةِ نفسه،ونجا الناس من
الهلاك وهرب قبل وقوع الانفجار بلحظات، اختفى عدة أشهر ليظهر من جديد واختار تاريخ العودة
كما ورد في علم الأعداد، أول يناير من العام الجديد حيث مجموع أرقام السنة الجديد 2026 تصبح 10 وبحذف الصفر يكون التاريخ 1.1.1..لم يفهم المغزى ولكنها أعجبته و عاد من الظلام البارد .
الجحيم، أدفنُهم أحياءً في لَحْدِ ذاكرتي.”




