قناني الأمل

بقلم: د. نجاة الجشعمي
جمعتُ القناني، خطايَ تُنادي
وفي القلبِ حلمٌ، وفي العينِ زادي
أحملُها صمتًا، كأنّي أُخبّئ
أحلامَ طفلٍ، وأحزانَ نادي
أمشي وأحسبُها كنزَ النجاةِ
علِّي أُبدّدُ بعضَ السوادِ
لكنّها حين وُزِنتْ، خذلتني
كأنّ الزمانَ يُجيدُ العنادِ
خمسةَ عشرَ، ثمنُ الكيلو فقط
كأنّي بعتُ الدموعَ بزادِ
ثمنُ قنينةٍ، لا يسدُّ جوعًا
ولا يداوي جراحَ الفؤادِ
رأيتُ الوجوهَ التي في الزبالة
تفتّشُ عن لقمةٍ في الرمادِ
مساكينُ، ما بينَ قهرٍ وجوعٍ
يعيشونَ في ظلِّ موتٍ ينادي
لكنّهم رغمَ كلِّ المآسي
يُقاومونَ، كأنّهم في جهادِ
فيا ربّ، كنْ لهم في دروبٍ
ضبابيّةٍ، لا ترى الامتدادِ
وفي الزحامِ، رأيتُ العجوزا
تُكابدُ عمرًا، وتُخفي الجراحا
تتّكئُ الآنَ فوقَ عُكازِها
كأنّ الزمانَ يُقاسُ اجتراحا
حقيبةُ زرقاءِ، فيها الحياةُ
وفيها سنينٌ، وفيها الكفاحا
تبتسمُ رغمَ التعبِ المُقيمِ
كأنّ السماءَ تُنادي الصباحا
تنظرُ للأفقِ، لا شيءَ فيهِ
سوى حلمِها، والرجاءُ المباحا
كأنّ النجومَ تُنادي عليها
وتهمسُ: “صبرًا، فذاك النجاحا”
تبيعُ القناني، وتجمعُ ظلًّا
من الشمسِ، أو من غبارِ الرياحا
وتمضي، كأنّ الطريقَ صديقٌ
يعرفُها، ويحفظُ الأفراحا
وفي لحظةٍ، سائقٌ في الطريقِ
توقّفَ، لمّا رأى ذا الشقيقِ
عجوزًا يُلوّحُ، يطلبُ وصلاً
وفي كفّهِ بعضُ ظلٍّ رقيقِ
أشارَ له: “اركَبْ، ولا همَّ فينا
دَعِ الأجرةَ، خلّها للهِ، صديقِ”
ابتسمَ العجوزُ، وقالَ دعاءً
كأنّ السماءَ تُنادي العشيقِ
لكنْ، وما إنْ مضى في المسيرِ
أتى الشرطيُّ، كأنّهُ لا يَفيقِ
“مخالفةٌ!” قالها دونَ رحمةٍ
وقطّبَ وجهًا، كأنّهُ في حريقِ
ورقةٌ بيضاءُ، فيها العقابُ
كأنّ الكرمَ جُرْمٌ عميقِ
فيا أيّها العدلُ، أين اختفيتَ؟
وهل في القلوبِ بقيتَ صديقِ؟
لكنْ، ورغمَ العناءِ الثقيلِ
يظلُّ الضياءُ يُطلُّ القليلِ
ففي كلِّ دربٍ، قلوبٌ تُضيءُ
وتمنحُ دفئًا لظلِّ النخيلِ
رأيتُ فتاةً تُعطي رغيفًا
لطفلٍ صغيرٍ، بوجهٍ نبيلِ
وشابًا يُقسِمُ أنْ لا ينامَ
وفي الحيِّ جائعٌ أو عليلِ
وجمعيّةٌ تفتحُ البابَ حبًّا
تُداوي الجراحَ، وتُعلي الدليلِ
بأنّ الحياةَ، وإن ضاقَ فيها
مكانٌ، ففيها العطاءُ الجميلِ
تكافلُنا، مثلُ نهرٍ كريمٍ
يُروّي القلوبَ، ويشفي الغليلِ
فيا من ترى في الظلامِ انكسارًا
تذكّرْ: في القلبِ نورٌ أصيلِ


