الحوكمة الثلاثية في عُمان: مسار تعزيز الثقة وجذب الاستثمار وترسيخ الشفافية

عوض الله الشيخ العوض| مستشار اقتصادي
شهدت سلطنة عُمان خلال العقدين الماضيين تحولاً مؤسسياً مهماً تمثل في تدشين منظومة الحوكمة وتطويرها على نحو متدرج وصولاً إلى ترسيخ ما يُعرف اليوم بالحوكمة الثلاثية، وهي المنهجية التي تضع ثلاثة خطوط دفاع داخل المؤسسة لضمان الرقابة والشفافية والكفاءة. وقد بدأ المسار الرسمي للحوكمة في السلطنة عام 2002 عند إصدار أول مدونة لحوكمة الشركات المساهمة العامة، وهي خطوة سبقت بها عُمان عدداً من دول الخليج. إلا أن النقلة الحقيقية جاءت في السادس والعشرين من يوليو 2015 عندما اعتمدت الهيئة العامة لسوق المال النسخة الجديدة من مدونة الحوكمة، التي دخلت حيز التنفيذ في الثاني والعشرين من يوليو 2016، لتشكل المرحلة الأكثر تقدماً وتنظيماً في بيئة الحوكمة الوطنية، وتؤسس فعلياً لتطبيق ممارسات قريبة من نموذج الحوكمة الثلاثية في هياكل الشركات. وقد ساعد هذا التحديث على توضيح أدوار الإدارة التنفيذية ووحدات الرقابة وإدارة المخاطر والتدقيق الداخلي، وهو ما جعل الشركات العُمانية تنتقل من إطار نظري للحوكمة إلى ممارسة عملية مبنية على أدوار واضحة ومسؤوليات محددة.
منذ ذلك التدشين الرسمي اتجهت الشركات المدرجة في بورصة مسقط إلى إعادة هيكلة مجالس إدارتها ولجانها المتخصصة، وتعزيز استقلالية لجان التدقيق، واعتماد سياسات متقدمة للإفصاح والشفافية، إلى جانب تطوير أنظمة لإدارة المخاطر تتماشى مع متطلبات الحوكمة الجديدة. واتسع نطاق التطبيق ليشمل الشركات الحكومية عبر ميثاق حوكمة خاص، ما عزز من اتساق الممارسات عبر مختلف القطاعات، وأدى إلى انتشار ثقافة الحوكمة كجزء أساسي من بناء المؤسسات وليس مجرد التزام تنظيمي. وفي الوقت ذاته لعبت بورصة مسقط دوراً محورياً في هذه المرحلة من خلال المتابعة الرقابية وبرامج التوعية وورش العمل، إضافة إلى نشر تقارير دورية حول الامتثال، الأمر الذي رفع من إدراك الشركات لأهمية الحوكمة وأثرها المباشر على جاذبية الاستثمار.
وقد انعكست هذه الجهود على تحسين بيئة الأعمال في السلطنة، إذ أصبح المستثمر المحلي والأجنبي ينظران إلى الشركات العُمانية بوصفها أكثر شفافية واستقراراً، مدعومة بهيكل رقابي واضح يحد من المخاطر التشغيلية والمالية. كما ساهمت الحوكمة الثلاثية في رفع كفاءة الشركات، وتعزيز قدرتها على اتخاذ قرارات مدروسة تستند إلى معلومات دقيقة وليست عشوائية، مما أسهم تدريجياً في تحسين جودة الأداء المؤسسي. وبمقارنة التجربة العُمانية مع دول الخليج يظهر بوضوح أن السلطنة كانت من الدول السباقة في وضع مدونة للحوكمة منذ عام 2002، وأن تحديث 2015/2016 وضعها على مسار متقدم يتواكب مع المعايير الدولية. كما تتميز التجربة العُمانية بدمجٍ تدريجي لركائز الحوكمة مع معايير الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، وهو اتجاه عالمي يعطي الشركات ميزة تنافسية لدى المستثمرين الذين يعطون أولوية للحوكمة البيئية والاجتماعية بجانب الحوكمة المؤسسية.
ورغم التقدم الكبير، لا تزال هناك تفاوتات بين الشركات في مستوى التطبيق، فالشركات الكبرى تمتلك قدرات تنظيمية وتدقيقية متقدمة، بينما تعمل الشركات الأصغر على تطوير هياكلها تبعاً لإمكاناتها. إلا أن الاتجاه العام يؤكد أن الوعي يتسع، وأن الأدوات الرقابية تتحسن، وأن الالتزام يزداد عاماً بعد عام بفضل الإطار التشريعي الواضح ودور بورصة مسقط في المتابعة الدائمة. لقد استمرت مرحلة الحوكمة الثلاثية منذ تدشينها إلى اليوم في إحداث تطور فعلي في المؤسسات، سواء من حيث الاستقرار أو الثقة أو جذب الاستثمار، وأصبحت السلطنة بفضلها وجهة أكثر نضجاً وموثوقية في المنطقة، ومسارها المستقبلي في هذا المجال يبدو مرشحاً لمزيد من التطور والاتساع بما يتناسب مع رؤية عُمان الاقتصادية وطموحاتها في خلق قطاع خاص قوي وشفاف ومستدام.

