قراءة نقدية تحليلية للنص الشعري:(مراكب الموت في المتوسّط) للشاعر المغربي حسن نجمي
مراكب الموت في المتوسط: حين يصبح الصمت أثقل من الجسد

إعداد: عبدالكريم حنون السعيد
لا تُقرأ قصيدة «مراكب الموت في المتوسّط» للشاعر المغربي حسن نجمي بوصفها نصًا عن حادثة غرق أو مأساة عابرة، بل بوصفها مساءلة عميقة للإنسان والعالم واللغة معًا. إنها قصيدة لا تصرخ، بل تُدين؛ لا تُسمّي، بل تُثقل؛ ولا تُبكّي، بل تُربك الضمير. من هنا، فإن مقاربتها نقديًا لا تستقيم بالقراءة الموضوعاتية أو الانطباعية وحدها، بل تتطلب منهجًا قادرًا على الإصغاء إلى ما لم يُقَل بقدر ما كُتب، وهو ما يتيحه النقد التحليلي.


يفتح العنوان منذ الوهلة الأولى مأزقًا دلاليًا حادًا: المراكب، بما تحمله من إيحاءات العبور والنجاة، تُقرَن بالموت، فيما يتحول المتوسّط من بحر جغرافي إلى فضاء حدّي بين الحياة والفناء، بين الوهم والحقيقة. العنوان لا يصف واقعة، بل يؤسّس حالة وجودية، ويضع القارئ أمام مفارقة لا حلّ لها: كيف يتحول العبور إلى فناء، والنجاة إلى وهم؟
يعمّق الاستهلال المقتبس من مونترلان هذا المأزق، حين يعلن أن «الكلمات التي لم تُقَل» هي التي تجعل الموتى أكثر ثقلًا في توابيتهم. هنا لا يعمل الاقتباس بوصفه زينة نصية، بل كمفتاح دلالي حاسم: الموت ليس في الجسد، والثقل ليس ماديًا، بل إن اللغة – أو غيابها – هي الفاعل الخفي. منذ هذه اللحظة، يوجّه النص قارئه إلى وسيطه الدلالي المركزي: الكلمات التي لم تُقَل.
هذا الوسيط لا يربط العنوان بالمتن فحسب، بل يحوّل الصمت إلى طاقة دلالية، ويجعل الغياب بنية اشتغال. فالنص لا يبني معناه على ما قيل، بل على ما تعمّد التاريخ والإعلام والسياسة ألا يُقال. الكلمات الغائبة هنا ليست نقصًا، بل عبئًا، وليست فراغًا، بل وزنًا وجوديًا يُثقل الموت ذاته.
من هذا المنطلق ينبثق السؤال المركزي الذي يحكم القصيدة: كيف تتحول الكلمات التي لم تُقَل إلى عبء وجودي يُثقل الموت، وكيف تنفرد الأمهات – دون سواهن – بإدراك هذه الحقيقة خارج اللغة والخطاب؟ فالأمهات في النص لا يتحدثن، ولا يفسّرن، لكنهن يعرفن. معرفة حدسية تتجاوز البلاغة والإعلام والأرقام، وتلامس جوهر الفقد الإنساني.
يشتغل النص في فضاء تناصي غير معلن، يستدعي الذاكرة الجمعية للهجرة والغرق، والخطاب الإعلامي الذي يحوّل الضحايا إلى أرقام، وسرديات الفقد المتكررة في الأدب الإنساني. غير أن الشاعر يتعمّد ألا يسمّي الأمكنة، وألا يذكر التواريخ أو الأعداد، ليُبقي القارئ داخل مأساة بلا مرجع محدد، لأن الكارثة في وعي النص ليست حادثة واحدة، بل تكرار دائم. هكذا تؤدي الفجوة التناصية وظيفتها: تحويل الحدث من واقعة إلى قدر متكرر.
وعلى مستوى اللغة، لا يأتي الانزياح بوصفه ترفًا أسلوبيًا، بل كآلية كشف. حين «تفرغ المدن منهم»، يتحول الإنسان إلى فراغ. وحين «نفقد وجهًا، صوتًا، رائحة غضب»، يُشيّأ الوجود الإنساني إلى آثار باهتة. وحين يوصف «خشب المراكب» بالهشاشة، يُهدم رمز الخلاص نفسه. أما «الماء الذي ينزلق من بين الأصابع»، فيحمل انزياحًا مزدوجًا: انزلاق السيطرة، وانفلات الحياة. اللغة هنا تنزاح لأنها عاجزة عن الاحتواء، فتعلن فشلها بوصفه جزءًا من المعنى.
ولا يقدّم النص موقفًا سياسيًا مباشرًا، ولا إدانة شعاراتية، ولا رثاءً تقليديًا. هذا الامتناع هو ما يفتح الفجوة التأويلية، ويضع القارئ أمام أسئلة لا أجوبة جاهزة لها: سؤال المسؤولية، وسؤال الصمت، وسؤال المشاركة الأخلاقية. فالمعنى لا يُمنح، بل يُنتزع، ولا يُسلَّم، بل يُحمَّل على وعي القارئ.
يدخل القارئ النص محمّلًا بصور الغرق المألوفة، لكنه يُفاجأ بأن القصيدة لا تمنحه بكاءً، بل صمتًا، ولا خطابًا، بل أمًّا. هكذا تتحقق فجوة التلقي، ويتحوّل القارئ من مستهلك للمأساة إلى شاهد قَلِق عليها، وهو ما يمنح النص أثره الجمالي والأخلاقي في آن.
ورغم وضوح السياق الواقعي، يعمد النص إلى تعطيل الزمن وتحرير المكان، فيتحول المتوسّط إلى رمز كوني، والموت إلى حدث لا يقع في بحر بعينه، بل في كل مكان يُكذَّب فيه الأمل. هنا تتجلّى فجوة السياق بوصفها آلية تعميم إنساني لا إلغاء للواقع.
في ذروة الاشتغال الدلالي، تتكثف العناصر غير المادية: الكلمات التي لم تُقَل، الصرخة، الدمعة، الخيبة، جوازات السفر المبتلّة. كلّها أشياء بلا وزن مادي، لكنها تُثقل التابوت. في هذه اللحظة يبلغ الوسيط الدلالي ذروته: الصمت أثقل من الجسد، والوهم أثقل من الماء.
وعند هذه النقطة يصل القارئ إلى حدّ الإشباع؛ حيث يتضح المعنى نسبيًا، وتُستوعب البنية الرمزية دون أن يُغلق النص. يتحقق اكتمال التجربة الجمالية والتحليلية، دون ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية.
تفضي القراءة إلى جملة من الاستنتاجات: أن الوسيط الدلالي هو العمود الفقري للنص، وأن الأمهات يمتلكن معرفة تتجاوز الخطاب، وأن المراكب رمز للوهم لا للعبور، وأن الفجوات ليست نقصًا بل أدوات لإنتاج المعنى، وأن القصيدة نجحت في تحويل المأساة من حدث يُروى إلى سؤال يُعاد طرحه.
في الخلاصة، تُدين «مراكب الموت في المتوسّط» العالم بصمته لا بصراخه، وتقول لنا بوضوح أخلاقي جارح: لسنا مسؤولين فقط عمّن ماتوا، بل عمّا لم نقله قبل أن يموتوا.




