تعدد الشركاء في الخليج العربي وحتمية الوضع

د. طارق عشيري| أكاديمي سوداني
حديث الساعة اليوم هو مايحدث في منطقة الخليج العربي والتداعيات التي حدثت في اليمن هذا ماقادني لكتابة هذا المقال حيث يشهد الخليج العربي في هذه المرحلة الراهنة( تحولات سياسية عميقة) تعكس وعيًا متزايدًا بتعقيدات الإقليم وتغير موازين القوة الدولية. فبعد عقود من الاضطرابات والحروب بالوكالة، انتقلت دول الخليج من (سياسات حادة تقوم على الاستقطاب)، إلى( مقاربات أكثر هدوءًا) ، و(تغليب منطق المصالح، والسعي إلى الاستقرار طويل الأمد).
لقد أصبحت( مسألة الأمن والاستقرار الداخلي حجر الزاوية في السياسات الخليجية). فقد أدركت القيادات الخليجية أن (التنمية الاقتصادية والتحول الاجتماعي لا يمكن أن يتحققا )في (بيئة إقليمية مضطربة). لذلك، اتجهت الدول الخليجية إلى تعزيز تماسكها الداخلي، وتحسين كفاءة مؤسسات الدولة، وتحييد التوترات الإقليمية التي قد تنعكس على الداخل.
المشهد السياسي الخليجي اليوم يتسم بوضوح (سياسة خفض التصعيد). فبدل المواجهة المفتوحة، برز خيار الحوار، كما في الانفتاح النسبي على إيران، والسعي لإنهاء النزاعات الممتدة مثل الحرب في اليمن. كما لعبت بعض دول الخليج أدوارًا فاعلة في( إعادة سوريا إلى الحاضنة العربية)، انطلاقًا من قناعة بأن العزلة لم تعد أداة فعالة، وأن إدارة الخلافات من الداخل العربي أقل كلفة من تركها للقوى الخارجية.
لا تزال( الولايات المتحدة شريكًا استراتيجياً) رئيسيًا لدول الخليج، إلا أن العلاقة لم تعد تقوم على الاعتماد الأحادي. فقد اتجهت دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدولية عبر توثيق العلاقات مع الصين وروسيا والهند، بما يحقق توازنًا في المصالح ويمنحها هامشًا أوسع في اتخاذ القرار. هذا التحول يعكس إدراكًا خليجيًا بأن النظام الدولي لم يعد أحادي القطب، وأن تعدد الشركاء بات ضرورة سياسية.
أضحى( الاقتصاد الأداة الأبرز في السياسة الخليجية). فمشروعات التحول الوطني، ورؤى التنمية طويلة المدى، جعلت من الاستقرار السياسي شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمار وبناء الشراكات. كما استُخدمت (القوة الاقتصادية الناعمة في التأثير الإقليمي)، عبر الاستثمارات، والمساعدات، ودعم إعادة الإعمار في الدول المتأثرة بالنزاعات.
استعاد مجلس التعاون الخليجي قدرًا من التماسك بعد سنوات من الخلافات الداخلية. ورغم بقاء التباينات في بعض الملفات، إلا أن هناك قناعة مشتركة بأن العمل الجماعي ضرورة في ظل بيئة إقليمية مضطربة. ويُنظر إلى المجلس اليوم كإطار تنسيقي مرن، لا كتكتل صدامي، يوازن بين الخصوصيات الوطنية والمصالح المشتركة.
برز الدور الخليجي كوسيط إقليمي في عدد من الملفات، من السودان إلى اليمن، ومن ملفات الطاقة العالمية إلى التهدئة بين القوى المتصارعة. هذا الدور يعكس انتقال الخليج من موقع التأثر بالأزمات إلى صناعة التوازنات، مستفيدًا من ثقله السياسي والاقتصادي والدبلوماسي.
يمكن القول إن( المشهد السياسي الحالي في الخليج العربي هو مشهد إدارة هادئة للأزمات) لا تفجير لها، ومشهد بناء طويل النفس يقوم على الاستقرار والتنمية لا المغامرة. فقد اختارت دول الخليج أن تكون جزءًا من الحل لا ساحة للصراع، وأن تؤسس لمستقبل إقليمي أكثر توازنًا، في زمن تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة.
وإذا أسقطنا هذا( المشهد على السودان)، فإن التجربة الخليجية تؤكد أن الاستقرار السياسي هو المدخل الحقيقي للتعافي وبناء الدولة، وأن الرهان على الداخل، مع علاقات خارجية متوازنة، هو الطريق الأقصر لعبور الأزمات.


