تحولات الذات بين السماوي والأرضي في سردية الشعر والحب
قراءة في ديوان "حلوه زي الحضن لما يتمنع الكلام" للشاعر أحمد الشيخ

الناقد محمد علي عزب | القاهرة
الذات الشاعرة في ديوان “حلوه زي الحضن لما يتمنع الكلام” للشاعر أحمد الشيخ ذات إنسانية تبحث عن موضع قدم لها في هذا العالم، تنطلق منه وتؤسس لمشروعية وجودها، وصياغة سرديتها الخاصة، سردية الشعر والحب والحلم، وتريد أن تحدد موقفها ونقطة ارتكاز تنطلق منها، فهي ذات معلقة بين الأرض والسماء لا تنتمي إلى أي منهما، حيث يقول الشاعر أحمد الشيخ في قصيدة قصيرة بعنوان “فاصل سادس “:
لا السما مَسْكَني
ولا أرضي شايلاني
قدمي اترفع مره
مانزلش من تاني

هذه الذات المعلقة التي لا تحملها أرض ولا تحتضنها سماء تجد في الشعر والحب منطلقا للتعبير عن وجودها، فتصوغ منهما ـ الشعر والحب ـ سرديتها / حكايتها الكبرى التي تؤسس لوجودها الأرضي، دون أن يفارق خيالها السماوي حيث يقول الشاعر أحمد الشيخ في قصيدة “سردية كبرى”:
شاعر إنجازه من الدنيا
إزاي يكتب عنك ليكي
وإزاي بيحول حكاويكي
لسردية عظيمة وبطولة
وكأن حواسُه المقفولة
وردة بتتربى على إيديكي
وإزاي صوتِك سابق صورتِك
على شاشة بالُه وخيالُه
صوت بيمليه السطر الجاي
وإزاي بتخشي الدم مع القهوة
كل مافناجين شعري بتفضى
بتمليها إزاي !)
حواس الشاعر المغلقة تتحول إلى زهرة برية تتفتح على يد المحبوبة، فيرى العالم من خلال صوتها الذي يسبق صورتها، هذا الصوت الذي يحول خاطر الشاعر وخياله إلى شاشة عرض تستقبل ما تمليه المحبوبة بصوتها، وكطبيعة السرديات الكبرى كما وصفها “جان فرانسوا ليوتار” بالكلية والشمولية واليقينية، فإن سردية الشاعر أحمد الشيخ عن المحبوبة تنطبق عليها صفات السرديات الكبرى، غير القابلة للتعديل أو التشكيك، حيث يقول في قصيدة “تأويل الشتا”:

تمدني إلهام خيالي
كفّ دافي وخد صافي
زادوا الملايكة فوق كتافي
عنين بريئة
وضحكة صافية
يا فكرة كافية
حاجات منافيه للتعديل
يادي الشتا اللي اتهرا تأويل
المحبوبة هنا فكرة كبيرة مكتفية بذاتها غير قابلة للمراجعة أو التعديل، هي الحب الذي تجسد في هيئة مخلوق ملائكي، ويتوسع الشاعر في وصف مناقب هذا المخلوق الملائكي / المحبوبة في قصيدة “حلوه زيّ الحضن لما يتمنع الكلام”:
على كتفها اتنين مَجَرّة
بنت في طعم المَسّرَّة
والكلام الشهد سايل ما انتهاش
الطفلة الجوانية ع الوش باينة
جهنمية بتوزع الورد ببلاش
نسختها اللطيفة احتوتني
نسختها العنيفة إندهاش
هذه المحبوبة كسردية كبرى لها نسختان لا ثالث لهما بل إنهما في الواقع الشعري للقصيدة وجهان لنسخة لا مثيل لها، وهي المحبوبة التي تحمل على كتفيها مجرتين في الفضاء، كواكب وأقمار ونجوم تصيبه بالدهشة عندما ينظر إليها بعين القلب، وفي نفس الوقت تحتويه باعتباره أحد سكان كواكب هاتين المجرتين .
والذات الشاعرة لا تظل في وضع التحليق بين السماء والأرض في سردية الحب الكبرى، بل تهبط إلى الأرض وتثبت أقدامها، ولا تكتفي بمشاهد ورصد ملامح الحلم المعلَّق بين السماء والأرض، كما في قصيدة “ليل داخلي”:
الليل قاعد خايف ورا مدخل بيت
والقمرة بتعزف كونشرتو واللحن حزين
رصفان الشارع أوتارُه
وعمدان النور جواه دساتين
والريح العاشق زي صاروخ
بيعدي مابين..
حبلين نايمين على حيط شباكك منسجمين
أدي حبل شمال وأدي حبل يمين
قال الآخراني للأول: انت يا مسكين
محروم القُرب من الساعد
مفضوح في عنين البني آدمين
قام رد عليه: معذور جهلك
عمرك ما رقصت مع الفساتين
هذه القصيدة تعتبر مثالا للطريقة الثانية في بناء الشاعر أحمد الشيخ لشبكة المتخيل الشعري التي يعتمد فيها على المشهدية والصورة الشعرية الممتدة، كما سأوضح لاحقا، والشاعر في هذه القصيدة يسحب العالم بظواهر وأشيائه وكائناته إلى الداخل في أعماق الذات ثم يقوم حيث يقول:
محبوس الكون كله في أوضة
فيها صورتك والكام ورقة..
وحيطان أربع
الليل داخلي..
داخلي وجوايا ومتربع
فيه كلمة اتكتبت لجل تعيش
وفيه كلمة اتكتبت تتقطع
دايرين بنعيش أحلام غيرنا
ويعيش غيرنا أحلام لينا
ودي عاشت إزاي بينا
تبدّل في هذه القصيدة وضع الاحتواء، فالشاعر لم يعد أحد مفردات سردية الحب الكبرى، يحتويه العالم التي تقدمه له المحبوبة، بل أصبحت الذات هي التي تحتوى العالم في رؤياه الشعريه، تقوم بتفكيكه وإعادة تشكيله من منظورها الخاص .
ويتمرد الشاعر أحمد الشيخ على سردية المحبوبة الكبرى، ويؤكد على أن الكون أصبح بداخله وأن هناك سرديات أخرى تستحق أن يكتبها حيث يقول في قصيدة “انتي اتنيستي”:
شاعر ومزاجه غريب أطوار
مقابلش قلوب تعرف تحضن
ف مجاتش عليكي
كان شايف ان العدسه في نضارتك
تصلح كمسارح أبطالها عنيكي
أو زي شاشات بتبص على العالم
لكن أدرك ان الكون أكبر..
الكون جواه
فلابد يركز ع المعاناه
أما بالنسبة إليكي
فأتطمني
“انتي اتنسيتي”
التمرد هنا نابع من داخل الذات بعد اصطدامها بالعالم الخارجي الذي لم يجد فيه الشاعر قلوبا تحضنه، والانسحاب إلى الداخل لا يعني الهزيمة والتقوقع، بل يعنى إعادة ترتيب الأوراق ورؤية علاقة الذات بالعالم من منظور جديد، ويؤكد الشاعر أحمد على ذلك في قصيدة قصيرة بعنوان “فاصل ثاني عشر” حيث يقول:
العُزلة سر التجربه
الوحدة بير السرد
الاغتراب منجم تأمل
الرحلة دايما من مقاس الفرد
وفي منجم التأمل يعيد الشاعر أحمد الشيخ صياغة تاريخه الذاتي، حيث يقول في قصيدة “واحد صفر”:
مولود مهزوم للدنيا بواحد صفر
من قبل الصفارة ماتضرب
قلبك رضيع صبار
ولأنك مش شبه العالم فأشرب
الصفر في هذه القصيدة كرمز شعري لا يعبر عن الخسارة واللا شيء بقدر ما يعبر عن نقطة ارتكاز جديدة، تنطلق منها الذات في رؤياها للعالم بشكل مغاير، وهي الانطلاق من الخاص والجزئي والتقاط التفاصيل الصغيرة المعبرة، وعدم ذوبان صوت الذات في القضايا الكبرى الاجتماعية والسياسية وغيرها، حيث يقول الشاعر أحمد الشيخ في نفس القصيدة:
غرقان في سواد الليل
تتلفت بعيون نعسانة ف ملكوت الله
بتفتش في السما على ضَي
ف يهاجم عقلك بُرعم شِعر
وتهب ف عينك صورة
وتشوف الكلمة ككائن حي
تتكب الذكرى الباردة ف جوفك
ترتعش

هذه القصيدة آخر قصيدة في ديوان ويبدو أنها نقطة انطلاق جديدة في الرؤيا الشعرية، والانطلاق من الهامشي والجزئي كما أشرت سابقا، وهي أيضا على مستوى الصياغة والتشكيل الجمالي تنتمي إلى المشهدية وتحويل اليومي والذاتي إلى بؤرة ينبثق منها الشعر، وهي تتقاطع في ذلك مع أكثرية قصائد هذا الديوان، حيث يعتمد الشاعر أحمد الشيخ على طريقتين في صياغة شبكة المتخيل الشعري، الأولى هي الاعتماد على سطور شعرية قصيرة منغمة بها فائض إيقاع موسيقي، وتقريبا كل سطر يمثل صورة شعرية مجازية غاليا ما تكون تشبيه أو استعاره تجسد الحالة الشعرية، ترتبط هذه الصور ببعضها البعض عبر السرد المتتابع المتسلسل، أما الطريقة الثانية وهي الأكثر حضور في ديوان “حلوه زيّ الحضن لما يتمنع الكلام” وهي المشهدية، حيث تتمدد الصور الشعرية وتشتبك بالصور الوصفية لتتحول إلى مشاهد تمثيلية مترابطة، تخلق صورة حسية في ذهن القارئ، وكأنه يرى القصيدة ممثلة على خشبة مسرح أو شاشة عرض، وهذا هو الرهان القادم للشاعر أحمد الشيخ الذي يعرض أمامنا في هذا الديوان ملامح تجربته الشعرية، والنقلة النوعية التي أحدثها في تجربته الشعرية في هذا الديوان بانتقاله إلى المشهدية، وشعرية اليومي والمعيش وتفكيك المفاهيم والسرديات الكبرى ومراجعتها في ضوء متغيرات الواقع وانعكاساتها على الذات وموقفها من العالم، وها هو يعيد صياغة سرديته للمحبوبة ويراجعها ويحولها من سردية كبرى غير قابلة للمراجعة إلى سردية خاصة تحمل بعدا رمزيا، وفي نفس الوقت تكون أكثر حميمية حيث يقول:
إلا هيَّ
مسكت في الحلم الشارد
وكانت له الغية
تضحك تتفتح بساتين
تضحك تنزف منَك دواوين
تجري بخفة تشع حياة
وإن عَكّر خطوتها الخوف
تِشِب وتِعلا وتنزل كاسراه
نورها أعلى من النيون والفاترينات
بتشق لي في الليل طريق
الشوفة منها بل ريق
تحيي فيا قلب مات
صبرها مجاوز سكك
مهما السكك كانت بعيدة
محظوظة اللي يحبها شاعر
فيخلد إسمها في قصيدة




